الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
79 [ ص: 265 ] ( 10 ) باب ما جاء في الرعاف .

67 - مالك ، عن نافع ؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا رعف ، انصرف فتوضأ ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم .

68 - مالك ، أنه بلغه أن عبد الله بن عباس ، كان يرعف فيخرج فيغسل الدم عنه ، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى .

69 - مالك ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي ؛ أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي ، فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتي بوضوء فتوضأ . ثم رجع فبنى على ما قد صلى .


[ ص: 266 ] 2323 - في هذا الباب وجوه من الفقه اختلف العلماء قديما وحديثا :

2324 - منها الرعاف : هل هو حدث يوجب الوضوء للصلاة أم لا ؟ .

2325 - ومنها بناء الراعف على ما قد صلى .

2326 - ومنها بناء المحدث أي حدث كان إذا نزل بالمصلي بعد أن صلى بعض صلاته فانصرف ، فتوضأ : هل يبني على ما صلى أم لا ؟ .

2327 - ونحن نورد في هذا الباب ما في ذلك للعلماء مختصرا كافيا بعون الله .

2328 - فأول ذلك قوله عن ابن عمر : " إنه لما رعف انصرف فتوضأ " حمله أصحابنا على أنه غسل الدم ولم يتكلم ، وبنى على ما صلى .

2329 - قالوا : وغسل الدم يسمى وضوءا ، لأنه مشتق من الوضاءة ، وهي النظافة .

[ ص: 267 ] 2330 - قالوا : فإذا احتمل ذلك لم يكن لمن ادعى على ابن عمر أنه توضأ للصلاة في دعواه ذلك حجة ، لاحتماله الوجهين .

2331 - وكذلك تأولوا حديث سعيد بن المسيب ؛ لأنه قد ذكر الشافعي وغيره عنه أنه رعف فمسحه بصوفة ، ثم صلى ، ولم يتوضأ .

2332 - قالوا : ويوضح ذلك فعل ابن عباس : أنه غسل الدم عنه وصلى .

2333 - وحمل أفعالهم على الاتفاق منهم أولى .

2334 - وخالف أهل العراق في هذا التأويل ، فقالوا : إن الوضوء إذا أطلق ولم يقيد بغسل دم وغيره فهو الوضوء المعلوم للصلاة ، وهو الظاهر من إطلاق اللفظ .

2335 - مع أنه معروف من مذهب ابن عمر ومذهب أبيه عمر إيجاب الوضوء من الرعاف ، وأنه كان عندهما حدثا من الأحداث الناقضة للوضوء إذا كان الرعاف ظاهرا سائلا ، وكذلك كل دم سال من الجسد وظهر .

2336 - فذكر ابن أبي شيبة ، قال حدثنا هشيم ، قال أخبرنا ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : من رعف في صلاته فلينصرف ، وليتوضأ . فإن لم يتكلم بنى على صلاته ، وإن تكلم استأنف الصلاة .

2337 - وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر قال : " إذا رعف الرجل في الصلاة ، أو ذرعه القيء ، أو وجد مذيا فإنه ينصرف فيتوضأ " .

2338 - ثم عن نافع عن ابن عمر قال : من رعف في صلاته فلينصرف ، وليتوضأ ، ثم يرجع فيتم ما بقي على ما مضى ما لم يتكلم .

[ ص: 268 ] 2339 - وقال الزهري : الرعاف والقيء سواء ، يتوضأ منهما ، ويبني ما لم يتكلم .

2340 - وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير : أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إن رعفت في الصلاة فاسدد منخريك ، وصل كما أنت . فإن خرج من الدم شيء فتوضأ وأتم على ما مضى ما لم تتكلم .

2341 - قال أبو عمر : ذكر ابن عمر للمذي المجتمع على أن فيه الوضوء مع القيء والرعاف يوضح مذهبه فيما ذكرنا .

2342 - وروي مثل ذلك عن علي ، وابن مسعود ، وعلقمة ، والأسود ، وعامر الشعبي ، وعروة بن الزبير ، وإبراهيم النخعي ، والحكم بن عتيبة ، وحماد بن أبي سليمان . كلهم يرى الرعاف وكل دم سائل من الجسد حدثا يوجب الوضوء للصلاة ، وبذلك قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي ، وعبيد الله بن الحسن ، والأوزاعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه في الرعاف والفصادة والحجامة وكل نجس خارج من الجسد ، يرونه حدثا ينقض الطهارة ، ويوجبها على من أراد الصلاة .

2343 - فإن كان الدم يسيرا غير سائل ، ولا خارج فإنه لا ينقض الوضوء عند جميعهم . ولا أعلم أحدا أوجب الوضوء من يسير الدم إلا مجاهدا وحده ، والله أعلم .

2344 - وقد احتج أحمد بن حنبل في ذلك بأن عبد الله بن عمر عصر بثرة فخرج منها دم ، ففتله بيده ، ثم صلى ولم يتوضأ .

[ ص: 269 ] 2345 - قال أبو عمر : قد ذكرنا الخبر عن ابن عمر ، وعن ابن أبي أوفى بالإسناد عنهما في " التمهيد " .

2346 - وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله في الدم اليسير الخارج من الأنف : إذا غلبه بالفتل حتى لا يقطر ولا يسيل نحو ذلك .

2347 - ومعلوم من مذهب سالم أنه كمذهب أبيه في الرعاف .

2348 - وذكر ابن أبي شيبة ، حدثنا معمر بن سليمان عن عبيد الله بن عمر قال : رأيت سالم بن عبد الله صلى ركعة من صلاة الغداة ، ثم رعف فخرج فتوضأ ثم جاء فبنى على ما صلى .

2349 - واحتج من رأى الدم السائل من الجسد ينقض الوضوء بحديث مرفوع من حديث عائشة ، لا يثبته أهل الحديث ، ولا عندهم له إسناد تجب به حجة .

2350 - واحتجوا أيضا بقول النبي - عليه السلام - للمستحاضة : " إنما ذلك عرق وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة ، فإذا ذهبت فاغتسلي وصلي وتوضئي لكل صلاة " .

2351 - قالوا : فأوجب - عليه السلام - الوضوء على المستحاضة من دم العرق والسائل ، فكذلك كل دم يسيل من الجسد .

2352 - قال أبو عمر : قوله في المستحاضة : ( وتوضئي لكل صلاة ) لفظ قد اختلف فيه رواة ذلك الحديث ، وسنذكره في باب المستحاضة إن شاء الله .

2353 - وأما مذهب أهل المدينة فقال مالك : الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من [ ص: 270 ] رعاف ، ولا قيء ، ولا قيح ، ولا دم يسيل من الجسد . ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو نوم .

2354 - هذا قوله في موطئه . وعليه جماعة أصحابه .

2355 - وكذلك الدم عنده يخرج من الدبر لا وضوء فيه .

2356 - ولا وضوء عنده إلا في المعتادات من الخارج من المخرجين ، على ما تقدم عنه في بابه من هذا الكتاب .

2357 - وإليه ذهب داود . وقول الشافعي في الرعاف والحجامة والفصد وسائر الدماء الخارجة من الجسد كقول مالك سواء ، إلا ما يخرج من المخرجين : القبل ، والدبر فإنه عنده حدث ينقض الوضوء .

2358 - وسواء كان الخارج من المخرجين ماء ، أو حصاة ، أو دودا ، أو بولا ، أو رجيعا على ما تقدم أيضا من مذهبه في موضعه في هذا الكتاب .

2359 - ومن حجته في ذلك أن دم العرق في المستحاضة إنما وجب فيه الوضوء لأنه خرج من المخرج ، وكل ما خرج من سبيل البول والغائط ففيه الوضوء ، قال : ولا يجوز قياس سائر الجسد على المخرجين ؛ لأنهما مخصوصان في الاستنجاء بالأحجار ، وبأنهما سبيلا الأحداث المجتمع عليها ليس سائر الجسد يشبههما .

2360 - وممن كان لا يرى في الدماء الخارجة من غير المخرجين وضوءا طاوس ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو الزناد وبه قال أبو ثور .

[ ص: 271 ] 2361 - وقال يحيى بن سعيد : ما أعلم على الراعف وضوءا .

2362 - قال : وهذا الذي عليه الناس .

2363 - والحجة لأهل المدينة ولمن قال بقولهم : إن الوضوء المجتمع عليه لا يجب أن يحكم بنقضه إلا بحجة من كتاب ، أو سنة لا معارض لمثلها أو بالإجماع من الأمة . وذلك معدوم فيما وصفنا ، والله أعلم .

2364 - وأما بناء الراعف على ما قد صلى ما لم يتكلم فقد ثبت ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن عمر ، وروي عن أبي بكر أيضا ، ولا مخالف لهم في ذلك من الصحابة إلا المسور بن مخرمة وحده .

2365 - وروي أيضا البناء للراعف على ما صلى ما لم يتكلم عن جماعة التابعين بالحجاز والعراق والشام ، ولا أعلم بينهم في ذلك اختلافا إلا الحسن البصري ، فإنه ذهب في ذلك مذهب المسور بن مخرمة إلا أنه لا يبني من استدبر القبلة في الرعاف وغيره ، وهو أحد قولي الشافعي واستحب ذلك إبراهيم النخعي وابن سيرين .

2366 - ذكر ابن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، قال حدثنا الربيع عن الحسن ، قال : إذا استدبر القبلة استقبل ، وإن التفت عن يمينه أو شماله مضى في صلاته .

2367 - قال وكيع : وحدثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم ، قال : أحب إلي في الرعاف إذا استدبر القبلة أن يستقبل .

[ ص: 272 ] 2368 - قال ابن أبي شيبة ، حدثنا هشيم ، قال حدثنا منصور عن ابن سيرين قال : أجمعوا على أنه إذا تكلم استأنف .

2369 - قال : وأنا أحب أن يتكلم ويستأنف .

2370 - وقال مالك : من رعف في صلاته قبل أن يعقد منها ركعة تامة بسجدتيها فإنه ينصرف فيغسل الدم عنه ، ويرجع فيبتدئ الإقامة والتكبير والقراءة .

2371 - ومن أصابه الرعاف في وسط صلاته أو بعد أن يرجع منها ركعة بسجدتيها انصرف فغسل الدم عنه ، وبنى على ما صلى حيث شاء إلا الجمعة ؛ فإنه لا يتمها إلا في الجامع .

2372 - قال مالك : ولولا خلاف من مضى لكان أحب إلي للراعف أن يتكلم ويبتدئ الصلاة من أولها .

2373 - قال مالك : ولا يبني أحد في القيء ولا في شيء من الأحداث ولا يبني إلا الراعف وحده .

2374 - وعلى هذا جمهور أصحاب مالك ، ومنهم من يرى أن يبني الراعف على ما مضى قليلا كان أو كثيرا .

2375 - وعن الشافعي في الراعف روايتان : إحداهما يبني . والأخرى لا يبني .

[ ص: 273 ] 2376 - وأما البناء في سائر الأحداث فقال أبو حنيفة وأصحابه : كل حدث سبق المصلي في صلاته : بولا كان ، أو غائطا ، أو رعافا ، أو ريحا فإنه ينصرف ويتوضأ ، ويبني على ما قد صلى .

2377 - وهو قول ابن أبي ليلى وبه قال داود : يبني في كل حدث بعد أن يتوضأ وليس الرعاف ولا القيء عنده حدثا .

2378 - وهو قول الشافعي في القديم ، ثم رجع عنه في الكتاب المصري .

2379 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : من أحدث في ركوعه أو سجوده يعيد ما أحدث فيه ، ولا يعتد به .

2380 - وكذلك قال مالك في الرعاف : إذا رعف قبل تمام الركعة بسجدتيها لم يعتد بها ولم يبن عليها .

[ ص: 274 ] 2381 - وقال الثوري : إذا كان حدثه من رعاف أو قيء توضأ وبنى ، وإن كان حدثه من بول أو ريح أو ضحك في الصلاة أعاد الوضوء والصلاة .

2382 - وهو قول إبراهيم في رواية .

2383 - وقال الزهري يبني في الرعاف والقيء خاصة بعد أن يتوضأ ، ولا يبني في سائر الأحداث .

2384 - وليس الضحك في الصلاة حدثا عند الحجازيين .

2385 - وقال الأوزاعي : إن كان حدثه من قيء أو ريح توضأ أو استقبل ، وإن كان من رعاف توضأ وبنى ، وكذلك الدم كله عنده مثل الرعاف .

2386 - وقال ابن شبرمة : من أحدث انتقض وضوءه ، فإن كان إماما قدم رجلا فصلى بقية صلاته ، فإن لم يفعل وصلى كل رجل ما عليه أجزأه . والإمام يتوضأ ويستقبل .

2387 - قال أبو عمر : قد أجمع العلماء على أن الراعف إذا تكلم لم يبن فقضى إجماعهم بذلك على أن المحدث أحرى ألا يبني ؛ لأن الحدث إن لم يكن كالكلام في مباينته للصلاة كان أشد منه الكلام .

2388 - وهذا أوضح لمن أراد الله هداه .

2389 - قال أبو عمر : روى الكوفيون عن علي ، وعن سلمان الفارسي فيمن أحدث في صلاته من بول ، أو ريح ، أو قيء ، أو رعاف ، أو غائط أن يتوضأ ويبني .

2390 - إلا أن أكثر الأحاديث عن علي ليس فيها إلا ذكر القيء والرعاف لا غير ، ولا يصح عنه البناء إلا في القيء والرعاف .

[ ص: 275 ] 2391 - وهو قول ابن شهاب .

2392 - قال أبو عمر : واحتج بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي في هذا الباب بحديث شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه عن النبي - عليه السلام - قال : " لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور " .

2393 - وبحديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا هو أحدث حتى يتوضأ " .

2394 - وقد نوزعوا في تأويل ذلك ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية