الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1041 [ ص: 116 ] [ ص: 117 ] 23 - كتاب الضحايا [ ص: 118 ] [ ص: 119 ] بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما ( 1 ) - باب ما ينهى عنه من الضحايا

998 - مالك ، عن عمرو بن الحارث ، عن عبيد بن فيروز ، عن البراء بن عازب ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، سئل : [ ص: 120 ] ماذا يتقى من الضحايا ؟ فأشار بيده ، وقال : [ ص: 121 ] " أربعا " وكان البراء يشير بيده ويقول : يدي أقصر من يد رسول [ ص: 122 ] الله - صلى الله عليه وسلم - " العرجاء البين ظلعها ، والعوراء البين عورها ، والمريضة البين مرضها . والعجفاء التي لا تنقي " .


21251 - هكذا روى مالك حديث البراء هذا عن عمرو بن الحارث ، عن عبيد بن فيروز .

21252 - لم يختلف الرواة عن مالك في ذلك ، والحديث رواه عمرو بن الحارث ، عن سليمان بن عبد الرحمن ، ولا يعرف هذا الحديث إلا لسليمان بن عبد الرحمن هذا ، لم يروه غيره عن عبيد بن فيروز ، ولا يعرف عبيد بن فيروز إلا بهذا الحديث ، وبرواية سليمان هذا عنه .

[ ص: 123 ] 21253 - ورواه عن سليمان جماعة : منهم عمرو بن الحارث بن يعقوب المصري ، شيخ مالك هذا ومنهم : الليث بن سعد ، وشعبة بن الحجاج ، ويزيد بن أبي حبيب ، وابن لهيعة .

21254 - وقد ذكرنا الأسانيد بذلك عنهم في " التمهيد " .

[ ص: 124 ] 21255 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني ابن زهير قال : حدثني عفان ، وعاصم بن علي ، قالا : حدثني شعبة ، عن سليمان بن عبد الرحمن - مولى بني أسد - قال - : سمعت عبيد بن فيروز - مولى بني شيبان - قال : سألت البراء : ما كره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأضاحي ، وما نهى عنه فقال : . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويدي أقصر من يده : العوراء البين عورها ، والعرجاء البين ظلعها ، والمريضة البين مرضها ، والكسير التي لا تنقي قلت للبراء : إني أكره أن يكون في السن نقص ، أو في الأذن نقص ، أو في القرن نقص .

21256 - قال : ما كرهته ، فدعه ، ولا تحرمه على أحد .

21257 - قال أبو عمر : أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث ، فمجتمع عليها ، لا أعلم خلافا بين العلماء فيها ، ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها . فإذا كانت العلة في ذلك قائمة ، ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز في الضحايا ، فالعمياء أحرى ألا تجوز ، وإذا لم تجز العرجاء ، فالمقطوعة الرجل أحرى ألا تجوز ، وكذلك ما كان مثل ذلك كله .

[ ص: 125 ] 21258 - وفي هذا الحديث دليل على أن المرض الخفيف يجوز في الضحايا ، والعرج الخفيف الذي تلحق به الشاة في الغنم ؟ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : البين مرضها ، والبين ظلعها ، وكذلك النقطة في العين إذا كانت يسيرة ، لقوله : العوراء البين عورها ، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال ؟ لقوله : والعجفاء التي لا تنقي ، يريد بذلك التي لا شيء فيها من الشحم والنقي : الشحم .

21259 - كذلك جاء في هذا الحديث لبعض رواته ، وقد ذكرناه ، في التمهيد ، ولا خلاف في ذلك أيضا .

21260 - ومعنى قول شعبة فيه : والكسير التي لا تنقي ، يريد الكسير ، التي لا تقوم ، ولا تنهض من الهزال .

[ ص: 126 ] 21261 - قال مالك : العرجاء التي لا تلحق الغنم ، فلا تجوز في الضحايا .

21262 - وقد زعم بعض العلماء أن ما عدا الأربعة العيوب المذكورة في هذا الحديث تجوز في الضحايا ، والهدايا بدليل الخطاب في أن ما عدا المذكور بخلافه ، وهو لعمري وجه من وجوه القول ، لولا أنه قد جاء عن النبي - عليه السلام - في الأذن ، والعين ما يجب أن يكون مضموما إلى الأربعة المذكورة في حديث البراء .

21263 - وكذلك ما كان في معناها عند جمهور العلماء .

21264 - حدثني سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثني محمد بن وضاح ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، قال : أخبرنا إسرائيل ، قال : حدثني عن أبي إسحاق ، عن شريح بن النعمان ، عن علي - رضي الله عنه - قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن ، ولا نضحي بمقابلة ، ولا مدابرة ، ولا شرقاء ، ولا خرقاء .

[ ص: 127 ] 21265 - وبه عن أبي بكر ، قال : حدثني وكيع ، قال : حدثني سفيان بن عيينة ، عن سلمة بن كهيل ، عن حجية بن عدي ، عن علي - رضي الله عنه - قال : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستشرف العين ، والأذن .

21266 - قال أبو عمر : المقابلة عند أهل الفقه ، وأهل اللغة : ما قطع [ ص: 128 ] طرف أذنها ، والمدابرة ما قطع من جانبي الأذن ، والشرقاء المشقوقة الأذن ، والخرقاء المثقوبة الأذن .

21267 - لا خلاف علمته : بين العلماء أن قطع الأذن كلها ، أو أكثرها عيب يتقى في الضحايا .

21268 - واختلفوا في الصكاء ، وهي التي خلقت بلا أذنين .

21269 - فذهب مالك ، والشافعي ؟ أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة لم تجز ، وإن كانت صغيرة الأذنين جازت .

21270 - وروى بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل ذلك .

21271 - وذكر محمد بن الحسن عنه ، وعن أصحابه أنها إذا لم يكن لها أذن خلقة أجزأت في الضحايا .

272 1 2 - قال : والعمياء خلقة لا تجوز في الضحايا .

21273 - وقال ابن وهب ، عن مالك ، والليث : المقطوعة الأذن لا تجوز ، والشق للميسم يجزي .

21274 - وهو قول الشافعية ، وجماعة الفقهاء .

[ ص: 129 ] 21275 - واختلفوا في جواز الأبتر في الضحية .

21276 - فروي عن ابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وإبراهيم أنه يجزئ في الضحية .

21277 - وذكر ابن وهب عن الليث ، عن يحيى بن سعيد ، أنه سمعه يقول : يكره ذهاب الذنب ، والعور ، والعجف ، وذهاب الأذن ، أو نصفها .

21278 - قال ابن وهب ؟ وكان الليث يكره الضحية بالأبتر .

21279 - قال أبو عمر : قد روي في الأبتر حديث مرفوع من حديث شعبة عن جابر الجعفي ، عن محمد بن قرظة ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : اشتريت كبشا لأضحي به ، فأكل الذئب من ذنبه ، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : " ضح به " .

21280 - وحديث جابر الجعفي لا يحتج به ، وإن كان حافظا ; لسوء مذهبه ، فقد روى عنه الأئمة منهم : الثوري ، وشعبة ، ويحتمل أن يكون أكل من ذنبه اليسير ، وإن كان كذلك ، فهو جائز عند العلماء ، وقد تكلمنا على هذا الحديث في [ ص: 130 ] التمهيد .

التالي السابق


الخدمات العلمية