الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
1118 [ ص: 63 ] ( 3 ) باب ما جاء في الصداق والحباء

1069 - مالك ، عن أبي حازم بن دينار ، عن سهل بن سعد الساعدي ; [ ص: 64 ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك . فقامت قياما طويلا . فقام رجل ، فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ " فقال : ما عندي إلا إزاري هذا . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن أعطيتها إياه ، جلست لا إزار لك . فالتمس شيئا " فقال : ما أجد شيئا . قال : " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا . فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هل معك من القرآن من شيء ؟ " فقال : نعم . معي سورة كذا ، وسورة كذا ، لسور سماها . فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " قد أنكحتكها بما معك من القرآن "


[ ص: 65 ] 23345 - قال أبو عمر : هذا الحديث يدخل في التفسير المسند في قوله عز وجل : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي [ الأحزاب : 50 ] .

23346 - والموهوبة بلا صداق خص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل : خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم [ الأحزاب : 50 ] يعني من الصداق ، فلا بد لكل مسلم من صداق - قل أو كثر - على حسب ما للعلماء في ذلك من التحديد في قليله دون كثيره ، فإنهم لم يختلفوا في الكثير منه لقول الله عز وجل : وآتيتم إحداهن قنطارا الآية [ النساء : 20 ] .

23347 - وفي القياس أن كل ما يجوز بيعه والبدل منه والمعاوضة عليه [ ص: 66 ] جازت هبته ، إلا أن الله - عز وجل - خص النساء بالمهور المعلومات ثمنا لأبضاعهن ، قال الله عز وجل : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة [ النساء : 4 ] .

23348 - قال أبو عبيدة : عن طيب نفس بها دون جبر وحكومة .

23349 - قال : وما أخذ بالحكام ، فلا يقال له نحلة .

23350 - وقد قيل : إن المخاطبين بهذه الآية هم الآباء ; لأنهم كانوا يستأثرون بمهور بناتهم .

23351 - وقال سعيد بن المسيب : ومكحول ، وابن شهاب : لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .

23352 - وروى ابن عيينة ، عن أيوب بن موسى ، عن يزيد بن قسيط ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو أصدقها سوطا حلت له .

23353 - ذكره ابن أبي شيبة ، والشافعي ، وغيرهما ، عن ابن عيينة .

23354 - وروى وكيع عن سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لو رضيت بسوط كان مهرها .

23355 - قال أبو عمر : قال الله ، عز وجل : [ ص: 67 ] والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن [ المائدة : 5 ] يعني مهورهن .

23356 - وقال في الإماء : فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف [ النساء : 25 ] يعني صدقاتهن .

23357 - وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له دون رقبته ، وأنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق مسمى ، دينا أو نقدا ، وأن المفوض إليه لا يدخل حتى يسمي صداقا ، فإن وقع الدخول في ذلك ، لزم فيه صداق المثل .

23358 - واختلفوا في عقد النكاح بلفظ الهبة ، مثل أن يقول الرجل : قد وهبت لك ابنتي ، أو وليتي ، وسمى صداقا أو لم يسم ، وهو يريد بذلك النكاح :

23359 - فقال الشافعي : لا يحل الصداق بهبته بلفظ الهبة ، ولا ينعقد النكاح حتى يقول : قد أنكحتك ، أو زوجتك .

23360 - وهو قول سعيد بن المسيب ، وربيعة ، قالا : لا يجوز النكاح بلفظ الهبة .

[ ص: 68 ] 23361 - وهو قول المغيرة ، وابن دينار ، وابن أبي سلمة .

23362 - وبه قال أبو ثور ، وداود ، وغيرهم .

23363 - واختلف في ذلك أصحاب مالك ، واختلفت الرواية عنه في ذلك على قولين :

23364 - ( أحدهما ) : أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة إذا أرادوا النكاح ، وفرضوا الصداق .

23365 - ( والثاني ) : كقول الشافعي ، وربيعة .

23366 - وقال ابن القاسم عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .

23367 - قال : وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح ، وإنما وهبها له ليحضنها ، أو ليكفلها ، فلا أرى بذلك بأسا .

23368 - قال ابن القاسم : وإن وهب ابنته ، وهو يريد إنكاحها ، فلا أحفظه عن مالك ، وهو عندي جائز كالبيع .

23369 - وقال مالك : من قال : أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا ، فهو بيع .

23370 - وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من المالكيين البغداديين ، قالوا : إذا قال الرجل : قد وهبت لك ابنتي على دينار ، جاز ، وكان نكاحا صحيحا ، [ ص: 69 ] وكان قياسا على البيع .

23371 - وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي : ينعقد النكاح بلفظ الهبة إذا أشهد عليه ، ولها المهر المسمى إن كان سمى ، وإن لم يسم فلها مهر مثلها .

23372 - ومما احتج به أيضا أصحاب أبي حنيفة في هذا أن الطلاق يقع بالتصريح ، وبالكناية ، قالوا فكذلك النكاح .

23373 - قالوا : والذي خص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعري البضع من العوض ، لا النكاح بلفظ الهبة .

23374 - قال أبو عمر : لما أجمعوا أنه لا تنعقد هبة بلفظ النكاح ، وجب ألا ينعقد النكاح بلفظ الهبة ، وبالله التوفيق .

23375 - ومن جهة النظر ، النكاح مفتقر إلى التصريح ليقع الإشهاد عليه ، وهو ضد الطلاق ، فكيف يقاس عليه .

23376 - وقد أجمعوا أنه لا ينعقد نكاح بقوله : قد أحللت ، وقد أبحت لك ، فكذلك لفظ الهبة .

[ ص: 70 ] 23377 - وفي هذا الحديث دليل على أن مبلغ الصداق غير مقدر ، وأنه يجوز بالقليل ، والكثير مما تصلح به الإجازات والبياعات ، وأنه يجوز بالإجارة والخدمة .

23378 - وهذا كله مختلف فيه ، كما أنهم اختلفوا في النكاح على تعليم القرآن ، ونذكر ذلك كله هاهنا ، إن شاء الله .

23379 - فأما اختلافهم في مقدار مبلغ الصداق الذي لا يجوز عقد النكاح بدونه :

23380 - فقال مالك في آخر هذا الباب : لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار ، وذلك أدنى ما يجب فيه القطع .

[ ص: 71 ] 23381 - قال أبو عمر : هذا قول مالك ، وأصحابه ، حاشا ابن وهب ، لا يجوز عندهم أن يكون صداق أقل من ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم من الورق كيلا ، أو قيمة ذلك من العروض التي يجوز ملكها .

23382 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز أقل من عشرة دراهم [ ص: 72 ] كيلا ، قياسا على ما تقطع فيه اليد .

23383 - وكذلك قاسه مالك على ما تقطع اليد عنده فيه .

23384 - وقال له الدراوردي : تعرقت فيها يا أبا عبد الله ؟ يقول : ذهبت فيها مذهب أهل العراق .

23385 - ولا أعلم أحدا قال ذلك بالمدينة قبل مالك .

23386 - واحتجوا لما ذهبوا إليه من ذلك ; بأن البضع عضو مستباح ببدل من المال ، فلا بد أن يكون مقدرا قياسا على قطع اليد .

23387 - واحتجوا أيضا بأن الله - عز وجل - لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء ، وأباحه لمن لم يجد طولا ، دل على أن الطول لا يجده كل الناس ، ولو كان الفلس والدانق والقبضة من الشعير ونحو ذلك طولا لما عدمه أحد .

23388 - ومعلوم أن الطول في معنى هذه الآية : المال . ولا يقع اسم مال عندهم على أقل من ثلاثة دراهم ، فوجب أن يمنع من استباحة الفروج باليسير الذي لا يكون طولا .

23389 - قال أبو عمر : هذا كله ليس بشيء ; لأنهم لا يفرقون في مبلغ أقل الصداق بين صداق الحرة والأمة ، والله أعلم .

23390 - وإنما شرط الطول في نكاح الحرائر دون الإماء ، وهم لا يجيزون [ ص: 73 ] نكاح الأمة بأقل من ربع دينار كما لا يجيزون نكاح الحرة بأقل من ربع دينار .

23391 - وأما القياس على قطع اليد ، فقد عارضهم مخالفوهم بقياس مثله ، أذكره بعد ، إن شاء الله عز وجل .

23392 - وأما حجة الكوفيين بحديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا صداق بأقل من عشرة دراهم " فلا معنى لها ; لأنه حديث لا يثبته أحد من أهل العلم بالحديث .

23393 - وما رووه عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : لا صداق أقل من عشرة دراهم ، فإنما يرويه جابر الجعفي ، عن الشعبي ، عن علي .

23394 - وهو منقطع عندهم ضعيف .

23395 - وقال ابن شبرمة : أقل المهر خمسة دراهم ، وفي ذلك تقطع اليد عنده .

[ ص: 74 ] 23396 - وعن النخعي ثلاثة أقاويل :

( أحدها ) : أنه كره أن يتزوج أحد بأقل من أربعين درهما .

23397 - وروي عنه أنه قال : أكره أن يكون مثل مهر البغي ، ولكن العشرة ، والعشرون .

23398 - ( والثالث ) : كقول أبي حنيفة : عشرة دراهم .

23399 - ويحتمل أن تكون أقوال النخعي في ذلك على سبيل الاختيار ; لأنه لا يجوز عنده أقل مما اختاره .

23400 - وكذلك مما روي عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب أن يكون المهر خمسين درهما .

23401 - وقال سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسائر فقهاء التابعين بالمدينة : لا حد في مبلغ الصداق ، ويجوز بما تراضوا عليه من المال .

23402 - وهو قول ربيعة ، وأبي الزناد ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعثمان البتي ، والحسن البصري ، وعبيد الله بن الحسن ، وعمرو بن دينار ، وابن [ ص: 75 ] جريج ، والشافعي ، وأصحابه ، ومسلم بن خالد الزنجي ، والليث بن سعد ، والثوري ، والحسن بن صالح بن حي ، وابن أبي ليلى ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، ومحمد بن جرير الطبري .

23403 - كلهم يجيز النكاح بقليل المال ، وكثيره .

23404 - إلا أن الحسن بن حي يعجبه أن لا يكون الصداق أقل من دينار ، أو عشرة دراهم ، ويجيزه بدرهم .

23405 - وقال الأوزاعي : كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاض .

23406 - قال : والصداق ما تراضى عليه الزوجان من قليل أو كثير .

23407 - وقال الشافعي : كل ما كان ثمنا لشيء أو أجرة ، جاز أن يكون صداقا .

23408 - وقال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا حلت .

23409 - وأنكح ابنته بصداق ; درهمين من عبد الله بن وداعة السهمي .

23410 - وقال عبيد الله بن الحسن : الفلس صداق يجب به النكاح ، ولكني أستقبح صداق درهمين .

23411 - وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وعثمان البتي : يجوز [ ص: 76 ] النكاح على درهم .

23412 - وقال أبو الزناد ، وابن أبي ذئب : المهر ما تراضى عليه الأهلون .

23413 - وهو قول القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار .

23414 - وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : الثوب والسوط والنعلان صداق إذا رضيت .

23415 - وكان عبد الله بن وهب صاحب مالك يستحب ألا ينقص الصداق من ربع دينار ، ويجيزه بدرهم ، وبنصف درهم .

23416 - وقد قال ابن القاسم : لو أصدقها درهمين ، ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع إلا بدرهم واحد .

23417 - حدثني أحمد بن سعيد بن بشر ، قال : حدثني ابن أبي دحيم ، قال : حدثني ابن وضاح ، قال : سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول : كان وكيع بن الجراح يرى التزويج بدرهم .

23418 - أخبرنا خلف بن قاسم ، قال : أخبرنا أحمد بن قاسم بن شعبان ، قال : حدثني سليمان بن زكريا ، قال : حدثني خشيش بن أصرم ، قال : حدثني عبد الوارث ، قال : حدثني عمر أن ابن موسى زكريا ، قال [ ص: 77 ] حدثني عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : النكاح جائز على موزة إذا هي رضيت .

23419 - حدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثني أبو الورد ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن عبد الله اليسري ، قال : جاءنا علي بن خشرم ، قال : حدثني وكيع ، قال : سمعت الثوري يقول : إن تراضوا على درهم في المهر فجائز .

23420 - قال أبو عمر : قوله ، صلى الله عليه وسلم : " التمس ولو خاتما من حديد " يدل على أن لا تحديد في مبلغ الصداق .

23421 - وقد أجمعوا أن لا حد ولا توقيت في أكثره ، فكذلك لا حد في أقله ولا توقيت .

23422 - وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : " إن أعطيتها إزارك ، جلست لا إزار لك " دليل على أن الرجل إذا أصدق امرأته خادما قبضتها أنه لا يحل له وطؤها ; لأنها ليست له بملك .

23423 - وقد قال الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [ المؤمنون : 5 - 7 ] .

[ ص: 78 ] 23424 - وهذا يشهد بصحة قول من قال : إن من وطئ جارية امرأته ، فهو زان ، وعليه الحد ، وسيأتي القول فيها بما للعلماء من التنازع في إيجاب الحد على الزوج إذا وقع عليها في موضعه ، إن شاء الله عز وجل .

23425 - وقد اختلف الفقهاء فيما تملكه المرأة من صداقها قبل الدخول :

23426 - فالظاهر من مذهب مالك أنها لا تملك منه قبل الدخول بها إلا نصفه ، وأن الصداق إذا كان شيئا بعينه ، فهلك ، ثم طلق قبل الدخول لم يكن لها عليه شيء ، ولا له عليها .

23427 - ولو سلم الصداق ، وطلق قبل الدخول أخذ نصفه ناقصا ، أو ناميا ، والتمام والنقصان بينهما .

23428 - وقال بهذا طائفة من أصحاب مالك ، وقد روي عن مالك .

23429 - وقالت به أيضا طائفة من أصحابه تستحق المرأة المهر كله بالعقد .

23430 - واستدل القائلون بذلك بالموت قبل الدخول ، وأنه لا يستحق به الصداق كله .

[ ص: 79 ] 23431 - وكذلك وجوب الزكاة في الماشية إذا كانت بعينها ، ولا يقال للزوج : أد الزكاة عنها .

23432 - وكذلك تدخل بامرأتك . ولو كانت بينهما لم يجب عليها في أربعين شاة ، أو خمس ذود إلا نصف شاة ، فلما أوجب عليها شاة علم أنها كلها على ملكها .

23433 - وبهذا القول قال الشافعي ، وأصحابه ، واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته المرأة أو كان معينا في غير ذمة الزوج .

23434 - وهكذا قبل الدخول كان منها ، وكان له أن يدخل بها بغير شيء .

23435 - واعتلوا أيضا بأن الصداق لو كان أبوها عتق عليها عقيب العقد ، ولم ينظر الدخول .

23436 - وقد زدنا هذه المسألة بيانا ، واعتلالا في " التمهيد " .

23437 - وفي هذا الحديث دليل على جواز اتخاذ الخاتم من الحديد .

23438 - وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم الحديد .

23439 - فكرهه قوم ، منهم : عبد الله بن مسعود ، وابن عمر .

[ ص: 80 ] 23440 - وقال أبو عمر : ما ظهرت كف فيها خاتم من حديد .

23441 - وروى ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن خاتم الذهب والحديد .

23442 - ومن حديث بريدة الأسلمي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى على رجل خاتما من حديد ، فقال له : " ما لي أرى عليك حلية أهل النار " .

23443 - ومن لم يصح هذه الآثار ، فقال : الأشياء على الإباحة حتى يصح الحظر ، وقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " التمس ، ولو خاتما من حديد ، فدل على [ ص: 81 ] جواز استعماله والانتفاع به ، والله أعلم .

23444 - وفي هذا الحديث - أيضا - دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا ; لأنه قال للرجل : " التمس ، ولو خاتما من حديد " ، فلما لم يقدر عليه ، قال له : " هل معك من القرآن شيء ، فذكر له سورا ، فقال : " قد زوجتكها على ما معك من القرآن " .

23445 - وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء .

23446 - فقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يكون تعليم القرآن مهرا .

23447 - وهو قول الليث بن سعد ، والمزني صاحب الشافعي .

23448 - وحجة من ذهب هذا المذهب أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال ، لذكر الله تعالى الطول في النكاح .

23449 - والطول : المال ، والقرآن ليس بمال ; لأن التعليم يختلف ولا يكاد يضبط ، فأشبه الشيء المجهول .

23450 - قالوا : ومعنى قوله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " قد [ ص: 82 ] أنكحتك على ما معك من القرآن " إنما هو على جهة التعظيم للقرآن وأهله ، لا على أنه مهر ، وإنما زوجه إياها لكونه من أهل القرآن ، كما روي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه ; لأنه أسلم فتزوجها .

23451 - وقد ذكرنا الخبر بذلك في " التمهيد " .

23452 - وكان المهر مسكوتا عنه في الحديثين معا ; لأنه معهود معلوم أنه لا بد منه .

23453 - وقال الشافعي ، وأصحابه : جائز أن يكون تعليم القرآن أو سورة منه مهرا .

23454 - وقال إسحاق : هو نكاح جائز .

23455 - وكان أحمد يكرهه .

23456 - وقال الشافعي : فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجر التعليم .

23457 - هذه رواية المزني عنه .

[ ص: 83 ] 23458 - وروى عنه الربيع في " الموطأ " إنه إن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف مهر مثلها ; لأن تعليم النصف لا يوقف على حده .

23459 - ومن الحجة للشافعي ومن قال بقوله ، أن تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه ، فجاز أن يكون صداقا .

23460 - قالوا : ولا معنى لما اعترضوا عليه من دفع ظاهر الحديث من قوله ، صلى الله عليه وسلم : " قد زوجتكها بما معك من القرآن " لأن ظاهر الحديث ، وساقته يبطل تأويله ; لأنه التمس فيه الصداق بالإزار ، وخاتم الحديد ، ثم تعليم القرآن ، ولا فائدة لذكر القرآن في الصداق غير ذلك .

23461 - وقد أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني محمد بن عمر بن لبابة ، قال : أخبرني مالك بن علي القرشي ، عن يحيى بن يحيى بن مضر حدثه عن مالك بن أنس في الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح بما معه من القرآن - أن ذلك في أجرته على تعليمها ما معه من القرآن .

[ ص: 84 ] 23462 - وقال ابن القاسم ، عن مالك : لا خير في هذا النكاح ، ويفسخ قبل الدخول ، ويكون لها بعد الدخول صداق المثل .

23463 - قال ابن القاسم : وكذلك من تزوج بقصاص ، وجب له عليها .

23464 - وقال سحنون : النكاح جائز ، دخل أو لم يدخل .

23465 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف فيمن تزوج على خدمة سنة : إن كان عبدا ، فلها خدمته سنة ، وإن كان حرا ، فلها مهر مثلها .

23466 - وقال محمد : لها قيمة خدمته إن كان حرا .

23467 - وقال الأوزاعي : إن تزوجها على أن يحج بها ، ثم طلقها قبل الدخول بها ، فهو ضامن لنصف حجها من الحملان والكسوة .

23468 - وقال الشافعي ، والحسن بن حي النكاح جائز على الخدمة إذا كان وقتا معلوما .

23469 - قال الشافعي : وكذلك كل عمل مسمى معلوم ، مثل أن يعلمها قرآنا ، أو يعلم لها عبدا عملا .

23470 - وقال ابن حبيب في الذي يتزوج المرأة على أن يؤاجرها نفسه سنة [ ص: 85 ] أن ذلك جائز ، ولا يدخل بها حتى يقدم من الأجرة شيئا يكون قدر ربع دينار .

23471 - قال أبو عمر : قال بعض المتأخرين من أصحابنا المالكيين في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث هذا الباب : " التمس شيئا " ، و " هل عندك من شيء " أنه أراد : هل عندك من شيء تقدمه إليها من صداقها ؟ لأن عادتهم جرت أن يقدموا من الصداق بعضه ، لا أن خاتم الحديد الصداق كله .

23472 - قال أبو عمر : المستحب عند مالك أن يكون ما يقدمه قبل الدخول ربع الدينار .

23473 - وهذا خلاف ما تأول عليه هذا القائل الحديث .

23474 - وأما أصحاب الشافعي ، فيقولون في قوله : التمس شيئا ، وهل عندك من شيء تصدقها إياه .

23475 - قالوا : ويقتضي أن كل شيء وجده يكون ثمنا لشيء جاز أن يكون صداقا ، والله أعلم .

23476 - وفي هذا الحديث جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وأخذ البدل على الوفاء به ونحو ذلك ; لأنه إذا جاز أن يكون مهرا جاز أن يؤخذ عليه العوض في كل ما ينتفع به منه .

[ ص: 86 ] 23477 - وإلى هذا المعنى ذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، وداود .

23478 - ومن حجتهم في ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية ، فنزلوا بحي ، فسألوهم الكراء أو الشراء فلم يفعلوا ، فلدغ سيد الحي ، فقال لهم : هل فيكم من راق ؟ فقالوا : لا ، حتى تجعل لنا على ذلك جعلا ، فجعلوا لهم قطيعا من غنم ، فأتاهم رجل منهم ، فقرأ عليه فاتحة الكتاب ، فبرئ ، فذبحوا ، وشووا ، وأكلوا ، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له فقال : " ومن أين علمتم أنها رقية ؟ من أخذ برقية باطل فقد أخذتم برقية حق ، اضربوا لي معكم بسهم " .

[ ص: 87 ] 23479 - ورواه أبو المتوكل الناجي ، وسليمان بن قتة وأبو نضرة ، كلهم عن أبي سعيد الخدري .

23480 - وروى الشعبي ، عن خارجة بن الصلت ، عن عمه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

23481 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز أن يؤخذ على تعليم القرآن أجر على كل من يسأل منه شيئا يقرأه ، وأن يعلمه لمن سأله ، إلا أن يضر ذلك به ويشغله عن معيشته .

23482 - واعتلوا بأحاديث مرفوعة كلها ضعيفة ، منها حديث علي بن عاصم ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي جرهم ، عن أبي هريرة ، قال هكذا : علي بن عاصم ، عن حماد ، عن أبي جرهم . وغيره يرويه عن حماد ، عن أبي المهزم ، [ ص: 88 ] عن أبي هريرة .

23483 - وأبو جرهم لا يعرفه أحد ، وأبو المهزم مجتمع على ضعفه . قال : قلت يا رسول الله ! ما تقول في المعلمين ؟ قال : درهمهم حرام وقولهم سحت ، وكلامهم ربا .

23484 - وهذا حديث منكر .

23485 - وحديث المغيرة بن زياد ، عن عبادة بن نسي ، عن الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة سورة من القرآن ، فأهدى إليه قوسا ، فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن سرك أن يطوقك الله به طوقا من نار ، فاقبله " .

[ ص: 89 ] 23486 - ومن حديث أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

23487 - ورواه موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب ، وهو منقطع .

23488 - ومن حديث ابن شبل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " اقرءوا القرآن ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به " .

23489 - وبحديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " بلغوا عني ولو آية " .

23490 - فاستدلوا بهذا على أن تعليم القرآن فرض ، وبأحاديث مثل هذه ، كلها ضعيفة ، لا حجة في شيء منها .

23491 - ومن هذا المعنى اختلف الفقهاء في المصلي بالناس مكتوبة بأجرة :

23492 - فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من يستأجر في رمضان يقوم بالناس ؟ فقال : أرجو ألا يكون به بأس ، وإن كان به بأس ، فعليه ، لا على من صلى خلفه .

[ ص: 90 ] 23493 - وروى عنه ابن القاسم أنه كرهه .

23494 - قال : وهو أشد كراهة له في الفريضة .

23495 - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .

23496 - وحجتهم حديث عثمان بن أبي العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتخذ مؤذنا ، لا يأخذ على أذانه أجرا .

23497 - قال أبو عمر : قد ذكرنا في كتاب الصلاة قول من جعل الأذان فرضا على الكفاية ، وفرضا متعينا ، وفرضا على الدار ، ومن جعله نافلة ، وجعل الأمر به ندبا ، ومن جعله سنة مؤكدة في الجماعة .

23498 - وقال الشافعي : لا بأس بأخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة النافلة ، والمكتوبة ، ولا بأس بالصلاة خلفه .

23499 - وقال أصحاب الشافعي : أولى ما تؤخذ عليه الأجرة أعمال [ ص: 91 ] البر ، وعمل الخير إذا لم يلزم المرء القيام بها لنفسه ، كمراقبة شهود الجماعة ، والتزام الإمامة ، والأذان في الصلاة ، وتعليم القرآن ، وما كان مثل ذلك .

23500 - وذكر الوليد بن يزيد ، عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل أم قوما وأخذ على ذلك أجرا ؟ قال : لا صلاة له .

23501 - قال أبو عمر : كأنه قال : من أدى الفرض عن نفسه استحال أن يأخذ عليه عوضا ، ولذلك أبطل صلاته .

23502 - وفي المسألة اعتلال يطول ذكره .

التالي السابق


الخدمات العلمية