الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث سهل بن سعد في المرأة التي وهبت نفسها للنبي

جزء التالي صفحة
السابق

1118 [ ص: 63 ] ( 3 ) باب ما جاء في الصداق والحباء

1069 - مالك ، عن أبي حازم بن دينار ، عن سهل بن سعد الساعدي ; [ ص: 64 ] أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءته امرأة فقالت : يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك . فقامت قياما طويلا . فقام رجل ، فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هل عندك من شيء تصدقها إياه ؟ " فقال : ما عندي إلا إزاري هذا . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن أعطيتها إياه ، جلست لا إزار لك . فالتمس شيئا " فقال : ما أجد شيئا . قال : " التمس ولو خاتما من حديد " فالتمس فلم يجد شيئا . فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " هل معك من القرآن من شيء ؟ " فقال : نعم . معي سورة كذا ، وسورة كذا ، لسور سماها . فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " قد أنكحتكها بما معك من القرآن "

[ ص: 65 ]

التالي السابق


[ ص: 65 ] 23345 - قال أبو عمر : هذا الحديث يدخل في التفسير المسند في قوله عز وجل : وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي [ الأحزاب : 50 ] .

23346 - والموهوبة بلا صداق خص بها النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله عز وجل : خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم [ الأحزاب : 50 ] يعني من الصداق ، فلا بد لكل مسلم من صداق - قل أو كثر - على حسب ما للعلماء في ذلك من التحديد في قليله دون كثيره ، فإنهم لم يختلفوا في الكثير منه لقول الله عز وجل : وآتيتم إحداهن قنطارا الآية [ النساء : 20 ] .

23347 - وفي القياس أن كل ما يجوز بيعه والبدل منه والمعاوضة عليه [ ص: 66 ] جازت هبته ، إلا أن الله - عز وجل - خص النساء بالمهور المعلومات ثمنا لأبضاعهن ، قال الله عز وجل : وآتوا النساء صدقاتهن نحلة [ النساء : 4 ] .

23348 - قال أبو عبيدة : عن طيب نفس بها دون جبر وحكومة .

23349 - قال : وما أخذ بالحكام ، فلا يقال له نحلة .

23350 - وقد قيل : إن المخاطبين بهذه الآية هم الآباء ; لأنهم كانوا يستأثرون بمهور بناتهم .

23351 - وقال سعيد بن المسيب : ومكحول ، وابن شهاب : لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .

23352 - وروى ابن عيينة ، عن أيوب بن موسى ، عن يزيد بن قسيط ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لم تحل الموهوبة لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولو أصدقها سوطا حلت له .

23353 - ذكره ابن أبي شيبة ، والشافعي ، وغيرهما ، عن ابن عيينة .

23354 - وروى وكيع عن سفيان ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لو رضيت بسوط كان مهرها .

23355 - قال أبو عمر : قال الله ، عز وجل : [ ص: 67 ] والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن [ المائدة : 5 ] يعني مهورهن .

23356 - وقال في الإماء : فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف [ النساء : 25 ] يعني صدقاتهن .

23357 - وأجمع علماء المسلمين أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجا وهب له دون رقبته ، وأنه لا يجوز له وطء في نكاح بغير صداق مسمى ، دينا أو نقدا ، وأن المفوض إليه لا يدخل حتى يسمي صداقا ، فإن وقع الدخول في ذلك ، لزم فيه صداق المثل .

23358 - واختلفوا في عقد النكاح بلفظ الهبة ، مثل أن يقول الرجل : قد وهبت لك ابنتي ، أو وليتي ، وسمى صداقا أو لم يسم ، وهو يريد بذلك النكاح :

23359 - فقال الشافعي : لا يحل الصداق بهبته بلفظ الهبة ، ولا ينعقد النكاح حتى يقول : قد أنكحتك ، أو زوجتك .

23360 - وهو قول سعيد بن المسيب ، وربيعة ، قالا : لا يجوز النكاح بلفظ الهبة .

[ ص: 68 ] 23361 - وهو قول المغيرة ، وابن دينار ، وابن أبي سلمة .

23362 - وبه قال أبو ثور ، وداود ، وغيرهم .

23363 - واختلف في ذلك أصحاب مالك ، واختلفت الرواية عنه في ذلك على قولين :

23364 - ( أحدهما ) : أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة إذا أرادوا النكاح ، وفرضوا الصداق .

23365 - ( والثاني ) : كقول الشافعي ، وربيعة .

23366 - وقال ابن القاسم عن مالك : لا تحل الهبة لأحد بعد النبي ، صلى الله عليه وسلم .

23367 - قال : وإن كانت هبته إياها ليست على نكاح ، وإنما وهبها له ليحضنها ، أو ليكفلها ، فلا أرى بذلك بأسا .

23368 - قال ابن القاسم : وإن وهب ابنته ، وهو يريد إنكاحها ، فلا أحفظه عن مالك ، وهو عندي جائز كالبيع .

23369 - وقال مالك : من قال : أهب لك هذه السلعة على أن تعطيني كذا وكذا ، فهو بيع .

23370 - وإلى هذا ذهب أكثر المتأخرين من المالكيين البغداديين ، قالوا : إذا قال الرجل : قد وهبت لك ابنتي على دينار ، جاز ، وكان نكاحا صحيحا ، [ ص: 69 ] وكان قياسا على البيع .

23371 - وقال أبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي : ينعقد النكاح بلفظ الهبة إذا أشهد عليه ، ولها المهر المسمى إن كان سمى ، وإن لم يسم فلها مهر مثلها .

23372 - ومما احتج به أيضا أصحاب أبي حنيفة في هذا أن الطلاق يقع بالتصريح ، وبالكناية ، قالوا فكذلك النكاح .

23373 - قالوا : والذي خص به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعري البضع من العوض ، لا النكاح بلفظ الهبة .

23374 - قال أبو عمر : لما أجمعوا أنه لا تنعقد هبة بلفظ النكاح ، وجب ألا ينعقد النكاح بلفظ الهبة ، وبالله التوفيق .

23375 - ومن جهة النظر ، النكاح مفتقر إلى التصريح ليقع الإشهاد عليه ، وهو ضد الطلاق ، فكيف يقاس عليه .

23376 - وقد أجمعوا أنه لا ينعقد نكاح بقوله : قد أحللت ، وقد أبحت لك ، فكذلك لفظ الهبة .

[ ص: 70 ] 23377 - وفي هذا الحديث دليل على أن مبلغ الصداق غير مقدر ، وأنه يجوز بالقليل ، والكثير مما تصلح به الإجازات والبياعات ، وأنه يجوز بالإجارة والخدمة .

23378 - وهذا كله مختلف فيه ، كما أنهم اختلفوا في النكاح على تعليم القرآن ، ونذكر ذلك كله هاهنا ، إن شاء الله .

23379 - فأما اختلافهم في مقدار مبلغ الصداق الذي لا يجوز عقد النكاح بدونه :

23380 - فقال مالك في آخر هذا الباب : لا أرى أن تنكح المرأة بأقل من ربع دينار ، وذلك أدنى ما يجب فيه القطع .

[ ص: 71 ] 23381 - قال أبو عمر : هذا قول مالك ، وأصحابه ، حاشا ابن وهب ، لا يجوز عندهم أن يكون صداق أقل من ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم من الورق كيلا ، أو قيمة ذلك من العروض التي يجوز ملكها .

23382 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز أقل من عشرة دراهم [ ص: 72 ] كيلا ، قياسا على ما تقطع فيه اليد .

23383 - وكذلك قاسه مالك على ما تقطع اليد عنده فيه .

23384 - وقال له الدراوردي : تعرقت فيها يا أبا عبد الله ؟ يقول : ذهبت فيها مذهب أهل العراق .

23385 - ولا أعلم أحدا قال ذلك بالمدينة قبل مالك .

23386 - واحتجوا لما ذهبوا إليه من ذلك ; بأن البضع عضو مستباح ببدل من المال ، فلا بد أن يكون مقدرا قياسا على قطع اليد .

23387 - واحتجوا أيضا بأن الله - عز وجل - لما شرط عدم الطول في نكاح الإماء ، وأباحه لمن لم يجد طولا ، دل على أن الطول لا يجده كل الناس ، ولو كان الفلس والدانق والقبضة من الشعير ونحو ذلك طولا لما عدمه أحد .

23388 - ومعلوم أن الطول في معنى هذه الآية : المال . ولا يقع اسم مال عندهم على أقل من ثلاثة دراهم ، فوجب أن يمنع من استباحة الفروج باليسير الذي لا يكون طولا .

23389 - قال أبو عمر : هذا كله ليس بشيء ; لأنهم لا يفرقون في مبلغ أقل الصداق بين صداق الحرة والأمة ، والله أعلم .

23390 - وإنما شرط الطول في نكاح الحرائر دون الإماء ، وهم لا يجيزون [ ص: 73 ] نكاح الأمة بأقل من ربع دينار كما لا يجيزون نكاح الحرة بأقل من ربع دينار .

23391 - وأما القياس على قطع اليد ، فقد عارضهم مخالفوهم بقياس مثله ، أذكره بعد ، إن شاء الله عز وجل .

23392 - وأما حجة الكوفيين بحديث جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا صداق بأقل من عشرة دراهم " فلا معنى لها ; لأنه حديث لا يثبته أحد من أهل العلم بالحديث .

23393 - وما رووه عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : لا صداق أقل من عشرة دراهم ، فإنما يرويه جابر الجعفي ، عن الشعبي ، عن علي .

23394 - وهو منقطع عندهم ضعيف .

23395 - وقال ابن شبرمة : أقل المهر خمسة دراهم ، وفي ذلك تقطع اليد عنده .

[ ص: 74 ] 23396 - وعن النخعي ثلاثة أقاويل :

( أحدها ) : أنه كره أن يتزوج أحد بأقل من أربعين درهما .

23397 - وروي عنه أنه قال : أكره أن يكون مثل مهر البغي ، ولكن العشرة ، والعشرون .

23398 - ( والثالث ) : كقول أبي حنيفة : عشرة دراهم .

23399 - ويحتمل أن تكون أقوال النخعي في ذلك على سبيل الاختيار ; لأنه لا يجوز عنده أقل مما اختاره .

23400 - وكذلك مما روي عن سعيد بن جبير أنه كان يستحب أن يكون المهر خمسين درهما .

23401 - وقال سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسائر فقهاء التابعين بالمدينة : لا حد في مبلغ الصداق ، ويجوز بما تراضوا عليه من المال .

23402 - وهو قول ربيعة ، وأبي الزناد ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وعثمان البتي ، والحسن البصري ، وعبيد الله بن الحسن ، وعمرو بن دينار ، وابن [ ص: 75 ] جريج ، والشافعي ، وأصحابه ، ومسلم بن خالد الزنجي ، والليث بن سعد ، والثوري ، والحسن بن صالح بن حي ، وابن أبي ليلى ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، ومحمد بن جرير الطبري .

23403 - كلهم يجيز النكاح بقليل المال ، وكثيره .

23404 - إلا أن الحسن بن حي يعجبه أن لا يكون الصداق أقل من دينار ، أو عشرة دراهم ، ويجيزه بدرهم .

23405 - وقال الأوزاعي : كل نكاح وقع بدرهم فما فوقه لا ينقضه قاض .

23406 - قال : والصداق ما تراضى عليه الزوجان من قليل أو كثير .

23407 - وقال الشافعي : كل ما كان ثمنا لشيء أو أجرة ، جاز أن يكون صداقا .

23408 - وقال سعيد بن المسيب : لو أصدقها سوطا حلت .

23409 - وأنكح ابنته بصداق ; درهمين من عبد الله بن وداعة السهمي .

23410 - وقال عبيد الله بن الحسن : الفلس صداق يجب به النكاح ، ولكني أستقبح صداق درهمين .

23411 - وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وعثمان البتي : يجوز [ ص: 76 ] النكاح على درهم .

23412 - وقال أبو الزناد ، وابن أبي ذئب : المهر ما تراضى عليه الأهلون .

23413 - وهو قول القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، وسليمان بن يسار .

23414 - وقال يحيى بن سعيد الأنصاري : الثوب والسوط والنعلان صداق إذا رضيت .

23415 - وكان عبد الله بن وهب صاحب مالك يستحب ألا ينقص الصداق من ربع دينار ، ويجيزه بدرهم ، وبنصف درهم .

23416 - وقد قال ابن القاسم : لو أصدقها درهمين ، ثم طلقها قبل الدخول لم يرجع إلا بدرهم واحد .

23417 - حدثني أحمد بن سعيد بن بشر ، قال : حدثني ابن أبي دحيم ، قال : حدثني ابن وضاح ، قال : سمعت أبا بكر بن أبي شيبة يقول : كان وكيع بن الجراح يرى التزويج بدرهم .

23418 - أخبرنا خلف بن قاسم ، قال : أخبرنا أحمد بن قاسم بن شعبان ، قال : حدثني سليمان بن زكريا ، قال : حدثني خشيش بن أصرم ، قال : حدثني عبد الوارث ، قال : حدثني عمر أن ابن موسى زكريا ، قال [ ص: 77 ] حدثني عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : النكاح جائز على موزة إذا هي رضيت .

23419 - حدثني خلف بن قاسم ، قال : حدثني أبو الورد ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن عبد الله اليسري ، قال : جاءنا علي بن خشرم ، قال : حدثني وكيع ، قال : سمعت الثوري يقول : إن تراضوا على درهم في المهر فجائز .

23420 - قال أبو عمر : قوله ، صلى الله عليه وسلم : " التمس ولو خاتما من حديد " يدل على أن لا تحديد في مبلغ الصداق .

23421 - وقد أجمعوا أن لا حد ولا توقيت في أكثره ، فكذلك لا حد في أقله ولا توقيت .

23422 - وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : " إن أعطيتها إزارك ، جلست لا إزار لك " دليل على أن الرجل إذا أصدق امرأته خادما قبضتها أنه لا يحل له وطؤها ; لأنها ليست له بملك .

23423 - وقد قال الله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [ المؤمنون : 5 - 7 ] .

[ ص: 78 ] 23424 - وهذا يشهد بصحة قول من قال : إن من وطئ جارية امرأته ، فهو زان ، وعليه الحد ، وسيأتي القول فيها بما للعلماء من التنازع في إيجاب الحد على الزوج إذا وقع عليها في موضعه ، إن شاء الله عز وجل .

23425 - وقد اختلف الفقهاء فيما تملكه المرأة من صداقها قبل الدخول :

23426 - فالظاهر من مذهب مالك أنها لا تملك منه قبل الدخول بها إلا نصفه ، وأن الصداق إذا كان شيئا بعينه ، فهلك ، ثم طلق قبل الدخول لم يكن لها عليه شيء ، ولا له عليها .

23427 - ولو سلم الصداق ، وطلق قبل الدخول أخذ نصفه ناقصا ، أو ناميا ، والتمام والنقصان بينهما .

23428 - وقال بهذا طائفة من أصحاب مالك ، وقد روي عن مالك .

23429 - وقالت به أيضا طائفة من أصحابه تستحق المرأة المهر كله بالعقد .

23430 - واستدل القائلون بذلك بالموت قبل الدخول ، وأنه لا يستحق به الصداق كله .

[ ص: 79 ] 23431 - وكذلك وجوب الزكاة في الماشية إذا كانت بعينها ، ولا يقال للزوج : أد الزكاة عنها .

23432 - وكذلك تدخل بامرأتك . ولو كانت بينهما لم يجب عليها في أربعين شاة ، أو خمس ذود إلا نصف شاة ، فلما أوجب عليها شاة علم أنها كلها على ملكها .

23433 - وبهذا القول قال الشافعي ، وأصحابه ، واعتلوا بالإجماع على أن الصداق إذا قبضته المرأة أو كان معينا في غير ذمة الزوج .

23434 - وهكذا قبل الدخول كان منها ، وكان له أن يدخل بها بغير شيء .

23435 - واعتلوا أيضا بأن الصداق لو كان أبوها عتق عليها عقيب العقد ، ولم ينظر الدخول .

23436 - وقد زدنا هذه المسألة بيانا ، واعتلالا في " التمهيد " .

23437 - وفي هذا الحديث دليل على جواز اتخاذ الخاتم من الحديد .

23438 - وقد اختلف العلماء في جواز لباس خاتم الحديد .

23439 - فكرهه قوم ، منهم : عبد الله بن مسعود ، وابن عمر .

[ ص: 80 ] 23440 - وقال أبو عمر : ما ظهرت كف فيها خاتم من حديد .

23441 - وروى ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن خاتم الذهب والحديد .

23442 - ومن حديث بريدة الأسلمي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى على رجل خاتما من حديد ، فقال له : " ما لي أرى عليك حلية أهل النار " .

23443 - ومن لم يصح هذه الآثار ، فقال : الأشياء على الإباحة حتى يصح الحظر ، وقد قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " التمس ، ولو خاتما من حديد ، فدل على [ ص: 81 ] جواز استعماله والانتفاع به ، والله أعلم .

23444 - وفي هذا الحديث - أيضا - دليل على أن تعليم القرآن جائز أن يكون مهرا ; لأنه قال للرجل : " التمس ، ولو خاتما من حديد " ، فلما لم يقدر عليه ، قال له : " هل معك من القرآن شيء ، فذكر له سورا ، فقال : " قد زوجتكها على ما معك من القرآن " .

23445 - وهذا موضع اختلف فيه الفقهاء .

23446 - فقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يكون تعليم القرآن مهرا .

23447 - وهو قول الليث بن سعد ، والمزني صاحب الشافعي .

23448 - وحجة من ذهب هذا المذهب أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال ، لذكر الله تعالى الطول في النكاح .

23449 - والطول : المال ، والقرآن ليس بمال ; لأن التعليم يختلف ولا يكاد يضبط ، فأشبه الشيء المجهول .

23450 - قالوا : ومعنى قوله ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " قد [ ص: 82 ] أنكحتك على ما معك من القرآن " إنما هو على جهة التعظيم للقرآن وأهله ، لا على أنه مهر ، وإنما زوجه إياها لكونه من أهل القرآن ، كما روي عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج أبا طلحة أم سليم على إسلامه ; لأنه أسلم فتزوجها .

23451 - وقد ذكرنا الخبر بذلك في " التمهيد " .

23452 - وكان المهر مسكوتا عنه في الحديثين معا ; لأنه معهود معلوم أنه لا بد منه .

23453 - وقال الشافعي ، وأصحابه : جائز أن يكون تعليم القرآن أو سورة منه مهرا .

23454 - وقال إسحاق : هو نكاح جائز .

23455 - وكان أحمد يكرهه .

23456 - وقال الشافعي : فإن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف أجر التعليم .

23457 - هذه رواية المزني عنه .

[ ص: 83 ] 23458 - وروى عنه الربيع في " الموطأ " إنه إن طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف مهر مثلها ; لأن تعليم النصف لا يوقف على حده .

23459 - ومن الحجة للشافعي ومن قال بقوله ، أن تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه ، فجاز أن يكون صداقا .

23460 - قالوا : ولا معنى لما اعترضوا عليه من دفع ظاهر الحديث من قوله ، صلى الله عليه وسلم : " قد زوجتكها بما معك من القرآن " لأن ظاهر الحديث ، وساقته يبطل تأويله ; لأنه التمس فيه الصداق بالإزار ، وخاتم الحديد ، ثم تعليم القرآن ، ولا فائدة لذكر القرآن في الصداق غير ذلك .

23461 - وقد أخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني محمد بن عمر بن لبابة ، قال : أخبرني مالك بن علي القرشي ، عن يحيى بن يحيى بن مضر حدثه عن مالك بن أنس في الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينكح بما معه من القرآن - أن ذلك في أجرته على تعليمها ما معه من القرآن .

[ ص: 84 ] 23462 - وقال ابن القاسم ، عن مالك : لا خير في هذا النكاح ، ويفسخ قبل الدخول ، ويكون لها بعد الدخول صداق المثل .

23463 - قال ابن القاسم : وكذلك من تزوج بقصاص ، وجب له عليها .

23464 - وقال سحنون : النكاح جائز ، دخل أو لم يدخل .

23465 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف فيمن تزوج على خدمة سنة : إن كان عبدا ، فلها خدمته سنة ، وإن كان حرا ، فلها مهر مثلها .

23466 - وقال محمد : لها قيمة خدمته إن كان حرا .

23467 - وقال الأوزاعي : إن تزوجها على أن يحج بها ، ثم طلقها قبل الدخول بها ، فهو ضامن لنصف حجها من الحملان والكسوة .

23468 - وقال الشافعي ، والحسن بن حي النكاح جائز على الخدمة إذا كان وقتا معلوما .

23469 - قال الشافعي : وكذلك كل عمل مسمى معلوم ، مثل أن يعلمها قرآنا ، أو يعلم لها عبدا عملا .

23470 - وقال ابن حبيب في الذي يتزوج المرأة على أن يؤاجرها نفسه سنة [ ص: 85 ] أن ذلك جائز ، ولا يدخل بها حتى يقدم من الأجرة شيئا يكون قدر ربع دينار .

23471 - قال أبو عمر : قال بعض المتأخرين من أصحابنا المالكيين في قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث هذا الباب : " التمس شيئا " ، و " هل عندك من شيء " أنه أراد : هل عندك من شيء تقدمه إليها من صداقها ؟ لأن عادتهم جرت أن يقدموا من الصداق بعضه ، لا أن خاتم الحديد الصداق كله .

23472 - قال أبو عمر : المستحب عند مالك أن يكون ما يقدمه قبل الدخول ربع الدينار .

23473 - وهذا خلاف ما تأول عليه هذا القائل الحديث .

23474 - وأما أصحاب الشافعي ، فيقولون في قوله : التمس شيئا ، وهل عندك من شيء تصدقها إياه .

23475 - قالوا : ويقتضي أن كل شيء وجده يكون ثمنا لشيء جاز أن يكون صداقا ، والله أعلم .

23476 - وفي هذا الحديث جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وأخذ البدل على الوفاء به ونحو ذلك ; لأنه إذا جاز أن يكون مهرا جاز أن يؤخذ عليه العوض في كل ما ينتفع به منه .

[ ص: 86 ] 23477 - وإلى هذا المعنى ذهب مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأحمد ، وداود .

23478 - ومن حجتهم في ذلك حديث أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية ، فنزلوا بحي ، فسألوهم الكراء أو الشراء فلم يفعلوا ، فلدغ سيد الحي ، فقال لهم : هل فيكم من راق ؟ فقالوا : لا ، حتى تجعل لنا على ذلك جعلا ، فجعلوا لهم قطيعا من غنم ، فأتاهم رجل منهم ، فقرأ عليه فاتحة الكتاب ، فبرئ ، فذبحوا ، وشووا ، وأكلوا ، فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكروا ذلك له فقال : " ومن أين علمتم أنها رقية ؟ من أخذ برقية باطل فقد أخذتم برقية حق ، اضربوا لي معكم بسهم " .

[ ص: 87 ] 23479 - ورواه أبو المتوكل الناجي ، وسليمان بن قتة وأبو نضرة ، كلهم عن أبي سعيد الخدري .

23480 - وروى الشعبي ، عن خارجة بن الصلت ، عن عمه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

23481 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : لا يجوز أن يؤخذ على تعليم القرآن أجر على كل من يسأل منه شيئا يقرأه ، وأن يعلمه لمن سأله ، إلا أن يضر ذلك به ويشغله عن معيشته .

23482 - واعتلوا بأحاديث مرفوعة كلها ضعيفة ، منها حديث علي بن عاصم ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي جرهم ، عن أبي هريرة ، قال هكذا : علي بن عاصم ، عن حماد ، عن أبي جرهم . وغيره يرويه عن حماد ، عن أبي المهزم ، [ ص: 88 ] عن أبي هريرة .

23483 - وأبو جرهم لا يعرفه أحد ، وأبو المهزم مجتمع على ضعفه . قال : قلت يا رسول الله ! ما تقول في المعلمين ؟ قال : درهمهم حرام وقولهم سحت ، وكلامهم ربا .

23484 - وهذا حديث منكر .

23485 - وحديث المغيرة بن زياد ، عن عبادة بن نسي ، عن الأسود بن ثعلبة ، عن عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفة سورة من القرآن ، فأهدى إليه قوسا ، فقال له رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " إن سرك أن يطوقك الله به طوقا من نار ، فاقبله " .

[ ص: 89 ] 23486 - ومن حديث أبي بن كعب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله .

23487 - ورواه موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه ، عن أبي بن كعب ، وهو منقطع .

23488 - ومن حديث ابن شبل ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " اقرءوا القرآن ، ولا تأكلوا به ، ولا تستكثروا به " .

23489 - وبحديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " بلغوا عني ولو آية " .

23490 - فاستدلوا بهذا على أن تعليم القرآن فرض ، وبأحاديث مثل هذه ، كلها ضعيفة ، لا حجة في شيء منها .

23491 - ومن هذا المعنى اختلف الفقهاء في المصلي بالناس مكتوبة بأجرة :

23492 - فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من يستأجر في رمضان يقوم بالناس ؟ فقال : أرجو ألا يكون به بأس ، وإن كان به بأس ، فعليه ، لا على من صلى خلفه .

[ ص: 90 ] 23493 - وروى عنه ابن القاسم أنه كرهه .

23494 - قال : وهو أشد كراهة له في الفريضة .

23495 - وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .

23496 - وحجتهم حديث عثمان بن أبي العاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يتخذ مؤذنا ، لا يأخذ على أذانه أجرا .

23497 - قال أبو عمر : قد ذكرنا في كتاب الصلاة قول من جعل الأذان فرضا على الكفاية ، وفرضا متعينا ، وفرضا على الدار ، ومن جعله نافلة ، وجعل الأمر به ندبا ، ومن جعله سنة مؤكدة في الجماعة .

23498 - وقال الشافعي : لا بأس بأخذ الأجرة على الإمامة في الصلاة النافلة ، والمكتوبة ، ولا بأس بالصلاة خلفه .

23499 - وقال أصحاب الشافعي : أولى ما تؤخذ عليه الأجرة أعمال [ ص: 91 ] البر ، وعمل الخير إذا لم يلزم المرء القيام بها لنفسه ، كمراقبة شهود الجماعة ، والتزام الإمامة ، والأذان في الصلاة ، وتعليم القرآن ، وما كان مثل ذلك .

23500 - وذكر الوليد بن يزيد ، عن الأوزاعي أنه سئل عن رجل أم قوما وأخذ على ذلك أجرا ؟ قال : لا صلاة له .

23501 - قال أبو عمر : كأنه قال : من أدى الفرض عن نفسه استحال أن يأخذ عليه عوضا ، ولذلك أبطل صلاته .

23502 - وفي المسألة اعتلال يطول ذكره .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث