الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
232 [ ص: 41 ] ( 2 ) باب ما جاء في الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب

202 - ذكر فيه مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إذا قلت لصاحبك : أنصت والإمام [ ص: 42 ] يخطب يوم الجمعة ، فقد لغوت " .


5779 - وبعض الرواة عن مالك يقول فيه : والإمام يخطب يوم الجمعة .

5780 - وكذلك اختلفت فيه الألفاظ عن أبي هريرة ، وقد ذكرناها في " التمهيد " .

5781 - ولمالك فيه غير هذا الإسناد ، وقد ذكرناه في " التمهيد " .

[ ص: 43 ] 5782 - ومعنى قوله : " قد لغوت " : أي جئت بالباطل ، وما ليس بحق ، واللغو : الباطل .

5783 - قال قتادة في قوله تعالى : " وإذا مروا باللغو مروا كراما " ( الآية ( 72 ) من سورة الفرقان ) قال : لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم .

5784 قال : والزور : الكذب .

5785 - وقال أبو عبيد : اللغو : كل شيء من الكلام ليس بحسن ، والفحش أشد من اللغو ، واللغو والهجر في القول سواء ، واللغو واللغا لغتان .

5786 قال العجاج :


عن اللغا ورفث التكلم



5787 - ولا خلاف عليه بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات للخطبة على من سمعها .

5788 - واختلف فيمن لم يسمعها ، وجاء في هذا المعنى خلاف عن بعض [ ص: 44 ] المتأخرين :

5789 - فروي عن الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وأبي بردة أنهم كانوا يتكلمون والإمام يخطب إلا في حين قراءة القرآن في الخطبة خاصة .

5790 - وفعلهم هذا مردود عند أهل العلم بالسنة المذكورة في هذا الباب ، وأحسن أحوالهم أن يقال : إنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك ; لأنه حديث انفرد به أهل المدينة ، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به .

5791 - واختلف العلماء في وجوب الإنصات على من شهد الخطبة إذا لم يسمعها لبعده من الإمام :

5792 - فذهب مالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي إلى أن الكلام لا يجوز لكل من شهد الخطبة سمع أو لم يسمع .

5792 م - وقد كان عثمان يقول في خطبته : استمعوا وأنصتوا .

5793 - فإن المنصت الذي لا يسمع له من الأجر مثل ما للمستمع الصامت .

5794 - وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الإمام ، ولا مخالف لهؤلاء من الصحابة .

5795 - فسقط قول من قال بقول الشعبي ومن تابعه .

5796 - وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن حماد عن إبراهيم قال : إني لأقرأ حزبي إذا لم أسمع الإمام بالخطبة يوم الجمعة .

[ ص: 45 ] 5797 - وعن ابن جريج ، عن عطاء قال : يحرم الكلام ما كان الإمام على المنبر ، وإن كان قد ذهب في غير ذكر الله ، قال : ويوم عرفة والعيدين كذلك في الخطبة .

5798 - قال ابن جريج : قلت لعطاء : أسبح وأهلل وأدعو الله في نفسي يوم الجمعة وأنا أعقل الخطبة ؟ قال : لا ، إلا الشيء اليسير ، واجعله بينك وبين نفسك .

5799 - قلت لعطاء : كنت لا أسمع الإمام أسبح وأهلل وأدعو الله لنفسي ولأهلي وأسميهم بأسمائهم ؟ قال : نعم .

5800 - وعن معمر قال : سئل الزهري عن التسبيح والتكبير والإمام يخطب قال : كان يؤمر بالصمت .

5801 - قلت : فإن ذهب الإمام في غير ذكر الله في الجمعة ؟ قال : تكلم إن شئت .

5802 - قال معمر : وقال قتادة : إن حدثوا فلا تحدث .

5803 - وقد مضى في " التمهيد " من هذا كثير .

5804 - وممن يرى أنه إذا أخذ الإمام في غير ذكر الله والموعظة أن يتكلم : الليث بن سعد ، وعروة بن الزبير ، وابنه عبد الله بن عروة .

5805 - والأسانيد عنهم في " التمهيد " .

5806 - وأما عكرمة وعطاء بن عبد الله الخراساني فقالا : من قال : [ ص: 46 ] صه والإمام يخطب فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له .

5807 - قال أبو عمر : يريد في تمام أجر الذي شاهد الخطبة صامتا أي لا جمعة له مثل جمعة هذا ، والله أعلم ; لأن الفقهاء في جميع الأمصار يقولون إن جمعته مجزية عنه ، ولا يصلي أربعا .

5808 - قال ابن وهب : من لغا كانت صلاته ظهرا يعني في الفضل .

5809 - قال : ولم تكن له جمعة ، وحرم فضلها .

5810 - وقال ابن جريج : قلت لعطاء : هل تعلم شيئا يقطع جمعة الإنسان حتى يجب عليه أن يصلي أربعا من كلام أو تخطي رقاب الناس أو غير ذلك ؟ قال : لا .

5811 - وعلى هذا جماعة الفقهاء ; لأن الصلاة وإن كانت قصرت للخطبة كما زعم بعض الفقهاء فإنها لا يفسدها ما كان قبل الإحرام منها ; فقد يدرك المصلي من الجمعة ركعة ، وتفوته الخطبة ، فتجزيه صلاة ركعتين .

5812 - وقال بعض الفقهاء : لو أدركه في التشهد صلى ركعتين .

5813 - وسيأتي القول في ذلك في موضعه من هذا الكتاب - إن شاء الله .

5814 - واختلفوا في تشميت العاطس ورد السلام في الخطبة ، فقال مالك وأصحابه : لا يرد السلام ، ولا يشمت العاطس والإمام يخطب إلا أن يرد [ ص: 47 ] إشارة كما يرده في الصلاة .

5815 - وهو قول أكثر أهل المدينة ، منهم سعيد بن المسيب وعروة .

5816 - وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه قالوا : لا يرد السلام ، ولا يشمت العاطس .

5817 - وقال الثوري والأوزاعي وغيرهما : لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب .

5818 - وهو قول الحسن البصري والنخعي والحكم وحماد والشعبي والزهري .

5819 - واختلف في ذلك قول الشافعي ، فقال بالعراق كقول مالك ، وقال بمصر : ولو سلم رجل لم يسمع الخطبة كرهت ذلك ، ورأيت أن يرد عليه بعضهم لأن رد السلام فرض .

5820 - قال : ولو شمت عاطسا قد حمد الله رجوت أن يسعه فضله لأن التشميت سنة .

5821 - واختاره المزني ، وحكى البويطي عنه : أنه لا بأس برد السلام وتشميت العاطس والإمام يخطب في الجمعة وغيرها .

5822 - وكذلك حكى إسحاق بن منصور عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه .

5823 - وكذلك حكى الأثرم عن أحمد أيضا .

5824 وقد روي عن أحمد أيضا : إذا لم يسمع الخطبة شمت ورد السلام ، [ ص: 48 ] وهو قول عطاء .

5825 - وقال الطحاوي : لما كان مأمورا بالإنصات للخطبة كما هو مأمور بالإنصات في الصلاة لم يشمت كما لا يشمت في الصلاة .

5826 - قال : فإن قيل : رد السلام فرض ، والصمت للخطبة سنة ، قيل له : الصمت فرض ; لأن الخطبة فرض ، وإنما يصح بالخاطب والمخطوب عليهم .

5827 - قال أبو عمر : الذي عليه أصحابنا أن الصمت فرض واجب بسنة النبي - عليه السلام - وهي سنة مجتمع عليها ، معمول بها .

5828 - وقد أجمعوا أن من تكلم ولغا لا إعادة عليه للجمعة ، ولا يقال له : صلها ظهرا ، فلما أجمعوا على ما وصفنا دل على أن الإنصات ليس من فرائضها ; لأن الشأن في فرائض الصلاة أن يفسد العمل بتركها ، فهذا يدلك على أن الإنصات ليس بفرض ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية