1. الرئيسية
  2. الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
  3. كتاب الحج
  4. باب الإحرام والتلبية
  5. مسألة أركان الحج والعمرة ومناسكهما المرأة والرجل فيهما سواء وإنما يختلفان في شيء من هيئات الأركان الأربعة

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " والمرأة في ذلك كالرجل إلا ما أمرت به من الستر ، وأستر لها أن تخفض صوتها بالتلبية وإن لها أن تلبس القميص والقباء والدرع والسراويل والخمار والخفين والقفازين ، وإحرامها في وجهها فلا تخمره وتسدل عليه الثوب وتجافيه عنه ولا تمسه وتخمر رأسها فإن خمرت وجهها عامدة افتدت وأحب إلي أن تختضب للإحرام قبل أن تحرم ، وروي عن عبد الله بن عبيد وعبد الله بن دينار قال : من السنة أن تمسح المرأة بيديها شيئا من الحناء ولا تحرم وهي غفل وأحب لها أن تطوف ليلا ولا رمل عليها ولكن تطوف على هينتها " .

قال الماوردي : أما أركان الحج والعمرة ومناسكهما ، فالمرأة والرجل فيهما سواء ، وإنما يختلفان في شيء من هيئات الأركان الأربعة ، الإحرام ، والوقوف ، والطواف ، والسعي ، فأما هيئات الإحرام ، فالمرأة فيها مخالفة للرجل في خمسة أشياء :

أحدها : أن المرأة مأمورة بلبس الثياب المخيطة ، كالقميص ، والقباء ، والسراويل ، والخفين ، ولبس ما هو أستر لها : لأن عليها ستر جميع بدنها ، إلا وجهها وكفيها ، ولا فدية عليها ، والرجل منهي عن لبس ذلك مأمور بالفدية فيه .

والثاني : أن المرأة مأمورة ، بخفض صوتها بالتلبية ، والرجل مأمور برفع صوته بالتلبية ،

لأن صوت المرأة يفتن سامعه ، وربما كان أفتن من النظر ، قال الشاعر :

[ ص: 93 ]

يا قوم أذني لبعض الحج عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا

والثالث : أن حرم المرأة في وجهها فلا تغطيه ، كما كان حرم الرجل في رأسه فلا يغطيه ، لرواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنتقب المرأة وهي محرمة وتلبس القفازين " . وروى نافع عن ابن عمر موقوفا ، وبعضهم يرويه مسندا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إحرام المرأة في وجهها فلا تغطيه " .

فإذا ثبت أن على المرأة كشف وجهها في الإحرام ، فليس لها أن تغطي شيئا منه ، إلا ما استعلى من الجبهة واتصل بقصاص الشعر الذي لا يمكن للمرأة ستر رأسها بالقناع إلا بشده : لأن ما لم يمكن ستر العورة إلا به فهو كالعورة في وجوب ستره ، فإن سترت سوى ذلك من وجهها ، بما يماس البشرة ، فعليها الفدية ، قليلا كان أو كثيرا ، ولو غطته بكفيها ، لم تفتد ، كالرجل يفتدي إذا غطى رأسه ، ولا يفتدي إذا غطاه بكفيه ، فإن أسدلت على وجهها ثوبا من غير أن يماس البشرة ، جاز ذلك أن تأخذ ثوبا فتشده عند قصاص الشعر ، كالكور ، وتسدل عليه الثوب وتمسكه بيديها حتى لا يماس وجهها ، فإنما جاز ذلك لما روى مجاهد عن عائشة قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل الراكب يأمرنا أن نسدل على وجوهنا سدلا " ولأن للمحرم أن يظلل فوق رأسه ويغطيه ، كذلك المحرمة في وجهها .

والرابع : لبس القفازين في كفيها ، فيه قولان منصوصان :

أحدهما : قاله في هذا الموضع ، فلها لبسهما ، ولا فدية عليها فيها ، وبه قال سعد بن أبي وقاص ، وأبو حنيفة : لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جعل حرم المرأة في وجهها ، دل على انتفائه عن سائر بدنها .

ولأنه شخص محرم ، فوجب أن يتعلق حرمه بموضع واحد من بدنه كالرجل ، ولأن الإحرام لو منع من تغطية كفيها بالقفازين ، لمنع من تغطيتها بالكمين ، كالوجه الذي لا يحرم بتغطيته بشيء دون شيء ، فلما جاز تغطية كفيها بالكمين ، جاز بالقفازين .

والقول الثاني : نص عليه في القديم والأم : ليس لها لبسهما ، فإن لبستهما أو أحدهما فعليها الفدية ، وبه قالت عائشة ، وابن عمر لرواية ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تنتقب المرأة وهي محرمة وتلبس القفازين " . ولأن ما ليس بعورة من الحرة ، يقتضي أن يتعلق الإحرام به كالوجه : لأن الرجل لما لم يتعلق حكم الإحرام برأسه في وجوب كشفه تعلق بسائر بدنه في المنع من لبس المخيط فيه ، مع جواز تغطيته ، كذلك المرأة لما [ ص: 94 ] تعلق حكم الإحرام بوجهها في وجوب كشفه وجب أن يتعلق حكمه بموضع من بدنها في المنع من لبس المخيط فيه مع جواز تغطيته .

والخامس : أن من المستحب لها أن تختضب لإحرامها بالحناء ، ولا يكون عسفا لرواية موسى بن عبيدة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : المرأة المحرمة فلتلطخ بدنها بالحناء . ولما روي أن امرأة أخرجت يدها لتبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرآها بيضاء ، فقال : هذا كف سبع أين الحناء ؟ ولأن فيه مباينة للرجال ، وقد روي عنه عليه السلام أنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال . فأما الخضاب في حال إحرامها ، فقد قال الشافعي : كرهت ذلك لها ، ولا فدية عليها فيه ، وإن خالف أبو حنيفة فيه ، على ما سيأتي الكلام معه . ثم ينظر فإن طلت يدها بالحناء من غير أن تلف عليها الخرق ، فلا شيء عليها ، وإن لفت عليها الخرق وشدتها بالعصائب ، فإن قلنا : إن لبس القفازين جائز ، فلا فدية عليها ، وإن قلنا : إن لبس القفازين غير جائز ، وأن الفدية في لبسهما واجبة ، فهل عليها الفدية في الخرق والعصائب ؟ على وجهين :

أحدهما : عليها الفدية تشبها بالقفازين .

والوجه الثاني : لا فدية عليها تشبها بالكمين .

التالي السابق


الخدمات العلمية