الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " والاستئمار للبكر على استطابة النفس ، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وشاورهم في الأمر لا على أن لأحد رد ما رأى صلى الله عليه وسلم ، ولكن لاستطابة أنفسهم ، وليقتدى بسنته فيهم ، وقد أمر نعيما أن يؤامر أم بنته " .

قال الماوردي : أما الثيب فاستئذانها واجب : لأنها أحق بنفسها من وليها وإذنها يكون بالقول الصريح ، وأما البكر فيلزم غير الأب والجد أن يستأذنها سواء كانت صغيرة أو كبيرة : لأنه يجوز له إجبارها .

وقال أبو حنيفة وداود : يلزمه استئذانها : استدلالا بقوله صلى الله عليه وسلم : والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صماتها .

والدليل على أن استئذان الأب لها لا يجب وإنما يستحب ما قدمناه من جواز إجبارها على النكاح صغيرة وكبيرة : وما رواه صالح بن كيسان عن نافع ، عن ابن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس للولي مع الثيب أمر ، واليتيمة وصمتها إقرارها ، فلما خص اليتيمة بالاستئمار - وهي التي لا أب لها - دل على أن ذات الأب لا يلزم استئمارها .

فأما قوله : والبكر تستأمر في نفسها فيحمل مع غير الأب على الإيجاب ومع الأب على الاستحباب كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أمته فقال تعالى : وشاورهم في الأمر [ آل عمران : 159 ] لا على أن لأحد رد ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 57 ] قال الشافعي : ولكن على استطابة أنفسهم وليقتدوا بسنته فيهم . واختلف فيما أمر بمشاورتهم فيه ، فقال قوم : في الحرب ومكائد العدو خاصة .

وقال آخرون : في أمور الدنيا دون الدين .

وقال آخرون : في أمور الدين تنبيها لهم على علل الأحكام وطريق الاجتهاد ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر نعيما أن يؤامر أم ابنته ، وقال : وأمروا الأمهات في بناتهن " ، وإنما ذلك على استطابة أنفسهن لا على وجوب استئمارهن ، وكذلك استئمار الأب للبكر على استطابة النفس لا على الوجوب .

التالي السابق


الخدمات العلمية