الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولا يجوز من النساء على الرضاع أقل من أربع حرائر بوالغ عدول ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ؛ لأن الله تعالى لما أجاز شهادتهن في الدين جعل امرأتين يقومان مقام رجل " . قال الماوردي : اختلف الفقهاء في عدد النساء فيما يشهدون فيه منفردات على أربعة مذاهب : أحدها : وهو مذهب الشافعي وعطاء ، أنه لا يقبل منهن أقل من أربع . والثاني : وهو مذهب الحسن البصري وعثمان البتي ، أنه يقبل منهن ثلاث . والثالث : وهو مذهب مالك أنه يقبل فيه امرأتان . والرابع : وهو مذهب الأوزاعي أنه يقبل منه شهادة الواحدة . واحتج من اعتبر الثلاث بأن الرجل والمرأتين بينة كاملة ، وقد أقيم النساء في هذا الموضع مقام الرجال فأبدل الرجل بامرأتين فصرن ثلاثا . واحتج من اعتبر شهادة امرأتين بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن امرأة شهدت عنده أنها أرضعت رجلا وامرأة فقال : اطلبوا لي معها أخرى ، ولم يفسخ النكاح ، ولأنهن قد أقمن مقام الرجال فاقتصر منهن على عدد الرجال . واحتج من قبل شهادة الواحدة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع شهادة القائلة : ولأنه لما اقتصر على قبول النساء للضرورة قبلت الواحدة ، لأجل الضرورة . والدليل على أنه لا يجوز أن يقبل منهن أقل من أربع قول الله تعالى فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [ البقرة : 282 ] وفيه تأويلان : أحدهما : أن يجعلها كالذكر . والثاني : أن تذكرها إذا نسيت فلما أقام المرأتين مقام الرجل لم يقبل من الرجال أقل من اثنين ، وجب أن لا يقبل من النساء أقل من أربع ، ولأن الشهادة إذا كان للنساء فيها مدخل لم يقتصر على شهادة الواحد كالأموال . فأما شهادة القابلة فالجواب عنه يأتي . [ ص: 403 ] فإن قيل : قد روى ابن أبي مليكة عن أبي مريم قال : تزوجت امرأة فجاءت سوداء ، فقالت : إني أرضعتكما فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقلت : إن السوداء قالت كذا ، وهي كاذبة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : دعها لا خير لك فيها . قيل عنه ثلاثة أجوبة : أحدها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أعرض عنه ، وقال : وكيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما وذلك لا يدل على الحكم بشهادتها في الإمضاء ، ولا في الرد ، وأجراه فجرى الخبر الذي يحتمل الصدق والكذب فلم يقطع بأحدهما . والثاني : أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : دعها لا خير لك فيها طريقه طريق الاختيار والاستحباب دون الالتزام والإيجاب ؛ لقوله لا خير لك فيها ولو حرمت لأخبره بتحريمها . والثالث : أن السوداء التي شهدت كانت أمة وشهادة الأمة غير مقبولة ، وقد روى الحديث على سياقه ابن جريج عن ابن أبي مليكة أن عقبة بن الحارث أخبره أنه نكح أم يحيى بنت أبي إهاب فقالت له أمة سوداء : قد أرضعتكما ، قال : فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأعرض عنها ، قال : فجئت فذكرت ذلك له فقال : وكيف وقد زعمت السوداء أنها أرضعتكما ، قال : فنهى عنها . فدل على أن النهي لم يكن للشهادة وإنما كان للاحتياط . فإن قيل : فقد روى محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عما يجوز في الرضاع فقال رجل أو امرأة . قيل : هذا رواه حرام ، ورواه أيضا عمارة بن حرمي وهو ضعيف ، قال الشافعي حديث حرام قبوله حرام وابن السلماني ضعيف وعلى أنه لو صح لكان محمولا على جواز أن يشهد فيه الرجال إذا انفردوا ويشهد به النساء إذا انفردن ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية