الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
مسألة : قال الشافعي : " وليس للإمام أن يصالح أحدا منهم على أن يسكن الحجاز بحال ، ولا يبين أن يحرم أن يمر ذمي بالحجاز مارا لا يقيم بها أكثر من ثلاث ليال وذلك مقام مسافر ، لاحتمال أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها ولا بأس أن يدخلها الرسل لقوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك الآية ولولا أن عمر - رضي الله عنه - أجل من قدم المدينة منهم تاجرا ثلاثة أيام لا يقيم فيها بعد ثلاث لرأيت أن لا يصالحوا على أن لا يدخلوها ولا يتركوا يدخلونها إلا بصلح كما كان عمر - رضي الله عنه - يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة " .

قال الماوردي : اعلم أن بلاد الإسلام ثلاثة أقسام : حرم ، وحجاز ، وما عداهما .

فأما الحرم ، فهو أشرفها ، لما خصه الله تعالى من بيته الحرام الذي علق عليه الصلاة والحج ، وشرفه بهاتين العبادتين ما ميزه من سائر البلاد بحكمين :

أحدهما : أن لا يدخله قادم إلا محرم بحج أو عمرة .

والثاني : تحريم صيده أن يصاد ، وشجره أن يعضد .

ولما كانت له هذه الحرمة ، فلا يجوز أن يدخله مشرك من كتابي ، ولا وثني لمقام ، ولا اجتياز .

وقال أبو حنيفة : يجوز دخولهم إليه للتجارة وحمل الميرة من غير استيطان ، ويمنعون من الطواف بالبيت ، احتجاجا بأن شرف البقاع لا يمنع من دخولهم إليها كالمساجد ، ولما لم تمنع الجنابة من دخوله لم يمنع منه المشرك .

وقال جابر بن عبد الله ، وقتادة : يجوز أن يقيم فيه الذمي دون الوثني ، والعبد المشرك إذا كان ملكا لمسلم : لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من نصراني بمكة يقال له موهب ، ولا تؤخذ الجزية إلا من مستوطن ، وهذا خطأ ، لقول الله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : 28 ] . وفي قوله : نجس ثلاثة تأويلات :

أحدها : أنهم أنجاس الأبدان ، كنجاسة الكلب والخنزير ، وهذا قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري ، حتى أوجب الحسن البصري الوضوء على من ضاجعهم .

والثاني : أنه سماهم أنجاسا لأنهم يجنبون ، فلا يغتسلون ، فصاروا لوجوب الغسل عليهم كالأنجاس ، وإن لم يكونوا أنجاسا ، وهذا قول قتادة .

[ ص: 335 ] والثالث : أنه لما كان علينا أن نجتنبهم كالأنجاس صاروا بالاجتناب في حكم الأنجاس ، وهذا قول جمهور أهل العلم .

وقوله : فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا [ التوبة : 28 ] . يريد به الحرم ، فعبر عنه بالمسجد ، لحلوله فيه ، كما قال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام [ الإسراء : 1 ] . يريد به مكة : لأنه أسري به من منزل أم هانئ ، وهكذا كل موضع ذكر الله تعالى ، فقال الله المسجد الحرام ، فإنما أراد به الحرم إلا في قوله : فول وجهك شطر المسجد الحرام [ البقرة : 144 ] . يريد به الكعبة .

وإذا كان كذلك ، وقد منع أن يقربه مشرك ، وجب أن يكون المنع محمولا على عمومه في الدخول والاستيطان .

وقال تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا [ البقرة : 126 ] . يعني مكة ، وحرمها ، وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا [ البقرة : 126 ] . يعني بمكة ، وهو قبل فتحها ، فدل على تحريمها على الكافر بعد فتحها .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك ، وهذا محمول على القصد ، فكان على عمومه ، ولأنه لما اختص الحرم بما شرفه الله تعالى فيه على سائر البقاع تعظيما لحرمته ، كان أولى أن يصان ممن عانده ، وطاعنه ، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ذكر فضائل الأعمال في البقاع ، فضله على غيره ، فقال : صلاة في مسجدي بألف صلاة ، وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في مسجدي هذا ، وهذا التفضيل يوجب فضل العبادة .

فأما الجواب عن أخذ الجزية من موهب النصراني بمكة ، فهو أنه قبل نزول هذه الآية : لأنها نزلت سنة تسع .

وأما الجواب عن دخول المساجد ، فهو أن حرمة الحرم أعظم ، لتقدم تحريمه ، ولوجوب الإحرام في دخوله ، وللمنع من قتل صيده .

وأما الجواب عن المسلم الجنب ، فهو أنه لما لم يمنع الجنب والحائض من الاستيطان لم يمنع من الدخول ، والمشرك ممنوع من الاستيطان ، فمنع من الدخول .

فإذا تقرر أنه لا يجوز أن يدخل الحرم مشرك ، وورد المشرك رسولا إلى الإمام ، وهو في الحرم ، خرج الإمام إليه ، ولم يأذن له في الدخول ، فلو دخل مشرك إلى الحرم لم يقتل ، وعزر إن علم بالتحريم ، ولم يعزر إن جهل ، وأخرج ، فإن مات في الحرم لم يدفن فيه ، فلو دفن فيه نبش ، ونقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلي ، فيترك كسائر الأموات في الجاهلية .

[ ص: 336 ] ولو أراد مشرك أن يدخل الحرم ، ليسلم به منع من دخوله ، حتى يسلم ، ثم يدخله بعد إسلامه ، فلو صالح الإمام مشركا على دخول الحرم بمال بذله كان الصلح باطلا ، ويمنع المشرك من الدخول ، فإن دخل إليه أخرج منه ، ولزمه المال الذي بذله مع فساد الصلح ، لحصول ما أراد من الدخول ، واستحق عليه ما سماه دون أجرة المثل ، وإن فسد : لأنه لا أجرة لمثله لتحريمه .

وحد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال .

ومن طريق العراق على ثنية خل بالمقطع على سبعة أميال .

ومن طريق الجعرانة من شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال .

ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال .

ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال .

التالي السابق


الخدمات العلمية