الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

صفحة جزء
فصل : [ القول في صفة الأداء ] :

فأما الفصل الثالث في صفة الأداء : فيعتبر في المحدث إذا روى بعد ما قدمناه من شروط التحمل شرطان :

أحدهما : بذكر إسناده .

والثاني : التحري في لفظ متنه .

[ ص: 91 ] وله حالتان :

أحدهما : أن يحدث من حفظه فيصح السماع منه إذا وثق بحفظه .

والحال الثانية : أن يحدث من كتابه .

فإن كان أعمى لم تصح روايته من كتابه ، لأن الكتب قد تشتبه عليه .

وإن كان بصيرا صح أن يروي من كتابه بشرطين :

أحدهما : أن يكون واثقا بكتابه .

والثاني : أن يكون ذاكرا لوقت سماعه .

فإن أخل بأحدهما لم تصح روايته وإن جمعهما صحت .

ومنع أبو حنيفة أن يروي إلا من حفظه كما لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا من حفظه .

ودليلنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " قيدوا العلم بالكتاب " ولو لم يصح الرجوع إليه لكان الأمر بتقييده عينا . وروي أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النسيان فقال له : " حرك يدك - أي اكتب - حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت " وقد كتب عثمان - رضي الله عنه - حتى جمع القرآن عدة مصاحف وأنفذها إلى الأمصار فحفظ المسلمون منها القرآن .

[ القول في الفرق بين الشهادة والحديث ] :

والفرق بين الشهادة والحديث : أن الشهادة يفترق فيها حال الشاهد والمشهود عليه فتغلظت بالحفظ ، كما تغلظت بالعدد ، والحديث يشترك فيه المحدث والمستمع فتخففت بالكتاب كما تخففت في العدد .

وقد صارت الرواية في عصرنا من الكتاب أثبت عند أصحاب الحديث من الحفظ لما يرجعون إليه من شواهد الأصول في صحة السماع .

ويجوز أن يقول المحدث في روايته : " حدثنا " و " أخبرنا " وهما عند الشافعي سواء في الحكم غير أن الأولى في عرف أصحاب الحديث إن سمع من لفظ المحدث أن يقول : " حدثنا " وإن قرأه على المحدث أن يقول : " أخبرنا " وإن سمع وحده قال : " حدثني " و " أخبرني " وإن سمع مع جماعة قال : " حدثنا " و " أخبرنا " لتكون هذه الفروق تذكيرا بأحوال السماع وإن كانت في الحكم سواء .

[ ص: 92 ] ويجوز أن تقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه ولا يجوز في الشهادة أن يجر بها نفعا ، لاشتراك الناس في السنن والديانات وافتراقهم في الشهادات .

[ القول في إنكار الراوي ونسيانه للحديث ] :

وإذا أسند الراوي حديثه عن رجل فأنكر ذلك الرجل الحديث أو نسيه لم يقدح في صحة الرواية ، ولا يجوز للمحدث أن يرويه عن المستمع إن أنكره ، ويجوز أن يرويه عنه إن نسيه ، قد روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد ثم نسي سهيل الحديث فأخبره به ربيعة فصار سهيل يقول أخبرني ربيعة عني أنني حدثته عن أبي ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد .

[ عمل الراوي بخلاف روايته ] :

وإذا عمل الراوي بغير روايته لم يقدح في صحة الرواية قد روى أبو هريرة : غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا وأفتى بغسله ثلاثا فعملوا على روايته دون فتياه لجواز أن يكون قد نسي الرواية فأفتى بغيرها وروايته حجة وفتياه ليست بحجة .

[ القول في تفسير الراوي للحديث ] .

فأما تفسير الراوي للحديث الذي رواه ؛ فإن كان من الصحابة الذين سمعوا لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوا مخرج كلامه كان الحديث محمولا على تفسيره كما فسر ابن عمر ما رواه من افتراق المتبايعين في خيار المجلس أنه التفرق بالأبدان دون الكلام : فحمل على تفسيره . وإن كان هذا المحدث من دون الصحابة لم يكن تفسيره حجة : لأنه وغيره فيه سواء .

التالي السابق


الخدمات العلمية