الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : [ القول في صفة الأداء ] :

                                                                                                                                            فأما الفصل الثالث في صفة الأداء : فيعتبر في المحدث إذا روى بعد ما قدمناه من شروط التحمل شرطان :

                                                                                                                                            أحدهما : بذكر إسناده .

                                                                                                                                            والثاني : التحري في لفظ متنه .

                                                                                                                                            [ ص: 91 ] وله حالتان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يحدث من حفظه فيصح السماع منه إذا وثق بحفظه .

                                                                                                                                            والحال الثانية : أن يحدث من كتابه .

                                                                                                                                            فإن كان أعمى لم تصح روايته من كتابه ، لأن الكتب قد تشتبه عليه .

                                                                                                                                            وإن كان بصيرا صح أن يروي من كتابه بشرطين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون واثقا بكتابه .

                                                                                                                                            والثاني : أن يكون ذاكرا لوقت سماعه .

                                                                                                                                            فإن أخل بأحدهما لم تصح روايته وإن جمعهما صحت .

                                                                                                                                            ومنع أبو حنيفة أن يروي إلا من حفظه كما لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا من حفظه .

                                                                                                                                            ودليلنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " قيدوا العلم بالكتاب " ولو لم يصح الرجوع إليه لكان الأمر بتقييده عينا . وروي أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النسيان فقال له : " حرك يدك - أي اكتب - حتى ترجع إذا نسيت إلى ما كتبت " وقد كتب عثمان - رضي الله عنه - حتى جمع القرآن عدة مصاحف وأنفذها إلى الأمصار فحفظ المسلمون منها القرآن .

                                                                                                                                            [ القول في الفرق بين الشهادة والحديث ] :

                                                                                                                                            والفرق بين الشهادة والحديث : أن الشهادة يفترق فيها حال الشاهد والمشهود عليه فتغلظت بالحفظ ، كما تغلظت بالعدد ، والحديث يشترك فيه المحدث والمستمع فتخففت بالكتاب كما تخففت في العدد .

                                                                                                                                            وقد صارت الرواية في عصرنا من الكتاب أثبت عند أصحاب الحديث من الحفظ لما يرجعون إليه من شواهد الأصول في صحة السماع .

                                                                                                                                            ويجوز أن يقول المحدث في روايته : " حدثنا " و " أخبرنا " وهما عند الشافعي سواء في الحكم غير أن الأولى في عرف أصحاب الحديث إن سمع من لفظ المحدث أن يقول : " حدثنا " وإن قرأه على المحدث أن يقول : " أخبرنا " وإن سمع وحده قال : " حدثني " و " أخبرني " وإن سمع مع جماعة قال : " حدثنا " و " أخبرنا " لتكون هذه الفروق تذكيرا بأحوال السماع وإن كانت في الحكم سواء .

                                                                                                                                            [ ص: 92 ] ويجوز أن تقبل رواية المحدث فيما يعود إليه نفعه ولا يجوز في الشهادة أن يجر بها نفعا ، لاشتراك الناس في السنن والديانات وافتراقهم في الشهادات .

                                                                                                                                            [ القول في إنكار الراوي ونسيانه للحديث ] :

                                                                                                                                            وإذا أسند الراوي حديثه عن رجل فأنكر ذلك الرجل الحديث أو نسيه لم يقدح في صحة الرواية ، ولا يجوز للمحدث أن يرويه عن المستمع إن أنكره ، ويجوز أن يرويه عنه إن نسيه ، قد روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد ثم نسي سهيل الحديث فأخبره به ربيعة فصار سهيل يقول أخبرني ربيعة عني أنني حدثته عن أبي ، عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد .

                                                                                                                                            [ عمل الراوي بخلاف روايته ] :

                                                                                                                                            وإذا عمل الراوي بغير روايته لم يقدح في صحة الرواية قد روى أبو هريرة : غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا وأفتى بغسله ثلاثا فعملوا على روايته دون فتياه لجواز أن يكون قد نسي الرواية فأفتى بغيرها وروايته حجة وفتياه ليست بحجة .

                                                                                                                                            [ القول في تفسير الراوي للحديث ] .

                                                                                                                                            فأما تفسير الراوي للحديث الذي رواه ؛ فإن كان من الصحابة الذين سمعوا لفظ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوا مخرج كلامه كان الحديث محمولا على تفسيره كما فسر ابن عمر ما رواه من افتراق المتبايعين في خيار المجلس أنه التفرق بالأبدان دون الكلام : فحمل على تفسيره . وإن كان هذا المحدث من دون الصحابة لم يكن تفسيره حجة : لأنه وغيره فيه سواء .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية