الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حوار مع مستشار الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد

حوار مع مستشار الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد
3249 0 675

د.أحمد العسّال ولد في مصر عام 1928م، تخرَّج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر تخصُّص تدريس عام 1958م، عمل في مكتب شيخ الأزهر الأسبق الشيخ محمود شلتوت، يرحمه الله، عام 1960م، تم ابتعاثه إلى قطر لتدريس مادة اللغة العربية في مدارسها الثانوية في الأعوام من 1961 حتى 1965م.
حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية من جامعة كامبردج في لندن عام 1968م.
عمل في تحقيق المخطوطات بجامعة كامبردج حتى عام 1970م.
تولَّى رئاسة قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة العربية السعودية في الأعوام من 1970 حتى 1984م، ورأس قسم الدعوة في كلية الدعوة والإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود عام 1984م.
عُيِّن أستاذاً بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد في الأعوام من 1986 حتى 2002م.
تم تعيينه نائباً فرئيساً ثم مستشاراً للجامعة الإسلامية في إسلام آباد.

فالحوار معه له متعته الخاصة؛ فهو صاحب تجربة ثرية في مجال التعليم وتربية الأجيال على أسس إسلامية ثابتة، مسلَّحة بالعلم وكل أدوات العصر، وموصولة بأمجاد الماضي، وترنو أعناقها لمستقبل لا مكان فيه للضعفاء..

بوصفكم مراقباً جيداً لأحوال الأمة الإسلامية، كيف ترى الحملة التغريبية التي تواجهها أمتنا، ومحاولة إيجاد إسلام يوافق هوى البعض؟
المعركة التي يشعلها خصوم الإسلام بدأت منذ سقوط الشيوعية، فزعموا أنه العدو الجديد للغرب؛ لأنهم يعتقدون أن القوة التي يتمتع بها المسلمون تتمثل في الإسلام. والله سبحانه وتعالى حفظ هذه الأمة بحفظ القرآن، حيث إن كل الكتب السابقة تغيّرت وتبدلّت، أما القرآن فلا يزال محفوظاً بحفظ الله له حتى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وفي سياق التدافع يقول الله تبارك وتعالى: ( وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة: من الآية217)
، فبعد الحرب العالمية الأولى أعد الغرب خطة تقسيم العالم الإسلامي من خلال اتفاقية "سايكس بيكو"، جزء لبريطانيا وجزء لفرنسا، كما عمل الغرب على احتلال فلسطين وأسموه انتداباً، ولم تكن نسبة اليهود في فلسطين تزيد على 1%، وجاؤوا باللورد "أوين" من بريطانيا، وفتح باب الهجرة لليهود، ولم تكن هناك عمليات إرهابية ولا 11 سبتمبر، فالصراع بين الحق والباطل سُنّة من سنن الله.
ومن رحمة الله أن تراث هذه الأمة عظيم، ومظاهر التدين تزداد، ولننظر مثلاً إلى عدد من يذهبون لأداء العمرة ويرتادون المساجد، ولاسيما الشباب، فالله سبحانه متكفّل بحفظ هذا الدين مهما فعل الآخرون.
وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هي خاتم الأمم كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فالذين يحاولون تدمير هذا الدين لن يقدروا على شيء مهما فعلوا.. انظر إلى السُنَّة النبوية كيف حُفظت هذا الحفظ العجيب، وقيَّض الله لها رجالاً يفرزون الصحيح من الضعيف، ويكشفون الموضوع، ويعدُّون ذلك في أسفار ومجلدات، وقد كان الإمام "البخاري" لا يكتب حديثاً إلا بعد الاستماع إلى آخر راوٍٍ. ومن المؤامرات التي تُحاك ضد المسلمين في الفترة الأخيرة محاولات الغرب إعداد كتاب بديل عن القرآن أسموه زوراً "الفرقان الحق"، ما يعد دليلاً على صبيانية الفكر الذي يقف وراء ذلك، وجهله بعظمة الإسلام والقرآن.

ما الذي يمنع تأسيس قنوات فضائية إسلامية بما تعني الكلمة من شمول، بعيدة عن هيمنة الحكومات؟
قلة الموارد المالية أهم الأسباب التي تمنع ظهور قنوات فضائية إسلامية دعوية شاملة، فهناك قنوات: الرسالة، والحوار، والناس.. وقد تحدثت مع مدير قناة الناس ودعاني لأحد البرامج، وتحدثنا عن أسباب عدم وجود قنوات فضائية إسلامية حقيقية، وقال: إنه قد أعد خطة لإنشاء قناة ووضع ميزانيتها، ولكن قلة المال حالت دون قيامها.


الحرب على الإسلام لم تقتصر فقط على الوسائل، بل طالت الدعاة وأبناء الحركة الإسلامية ولاسيما قياداتها، بهدف استئصالها.. هل تعتقد أن أعداء الإسلام سينجحون في مسعاهم؟
أبداً، لا يمكن لأعداء الإسلام تحقيق أهدافهم، لأنهم "ظرفيون" أمام دعوة جذورها ممتدة في الزمن لمدة تزيد على أربعة عشر قرناً.. انظر إلى تاريخ الحروب الصليبية، كيف كان مصيرها الفشل في النهاية! وحملات التتار كيف فشلت في آخر المطاف! لم يكن أحد يتوقع أن يبدأ "عماد الدين زنكي" دفاعه عن الإسلام في وجه الصليبيين، وهو ينادي: "وا إسلاماه"، بينما كان صلاح الدين شاباً صغيراً، يتدرَّب عند ابنه نور الدين محمود، فلما كبر أرسله إلى مصر حيث بقي هناك عشر سنين ينظم ويرتب الأوضاع، ثم قاد الجيش المصري إلى عسقلان ليبدأ ملحمة النصر الخالدة حتى هذا الزمان.. وفي العصر الحديث كانت هزيمة 1967م، هزيمة من ظنوا أن النصر يمكن أن يتحقق بتغييب الإسلام ومحاربة رجاله واستئصال دعاته، أما حرب رمضان 1973م، فقد أعادت الاعتبار جزئياً للإسلام، وأرجعت جزءاً من العدالة المفقودة، وحققت النصر الذي ضيعه البعض، برفعها شعار "الله أكبر".. إذن الأمة فيها قوة، يجب أن تلتفت لها وتتمسك بها، تتمثل في الإسلام وحده.


يرى البعض أن الحركة الإسلامية هي أمل الأمة وخلاصها مما هي فيه اليوم، فهل ترى أن أبناء الحركة على قدر هذه المسؤولية، من حيث الاستعداد للبذل والتضحية؟
هناك تقدم على أكثر من صعيد، ولاسيما على المستوى الإعلامي، وخصوصاً النشاط على الإنترنت.. والمسألة يجب وضعها في إطارها الصحيح، قال تعالى: ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) (الرعد: من الآية17)
، وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم مواقف كثيرة بدت فيها الجماعة المسلمة بقوتها وبضعف بعض أفرادها أو مجموعة منهم، لكن ذلك لم يغيِّر المسار العام أو الخيرية التي تصبغ الجميع في النهاية، أما غير ذلك فيظل على الصعيد الفردي.
وفي الابتلاءات، كانت البداية في شِعب بني هاشم، ذلك الحصار الذي ضربته قريش على بني هاشم، حتى إن المرضع جف صدرها عن رضيعها، وقال سعد بن أبي وقاص: "والله لم يكن لنا طعام إلا من شجر الحبلة في البادية، كنا نأخذ ورقه فنأكله ونتشدق به". وفي السيرة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع الحجر على بطنه في غزوة الأحزاب. والله سبحانه وتعالى يقول:  ( ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:1-3)
.
والانتماء للإسلام لا يكون من أجل منصب أو جاه أو متاع، وإنما يمر عبر طريق الابتلاء وسواء السبيل والبلاء الحسن في خدمته، فالإسلام يحرِّر الإنسان من أنانيته ويجعله محرِّراً للآخرين لا عبداً للقطيفة والدينار.

كان لكم، ولا يزال، دور كبير في ميدان التربية التعليم في أكثر من قطر إسلامي، كان آخرها تجربة الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد التي مازلتم تعملون مستشاراً لها.. فما خلاصة تجربتكم خلال تلك السنوات الطويلة؟
أكرمنا الله عز وجل بالمساهمة في تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، وهيَّأ لنا أن نستقبل أبناء العالم الإسلامي، وأن يكون الرئيس ضياء الحق، يرحمه الله، الرئيس الفخري لتلك الجامعة التي تُعَدُّ منارة للدعوة الإسلامية في العصر الحديث.. وعندما قمنا بإعداد المناهج جعلنا اللغة العربية هي لغة التدريس الأولى ولغة الثقافة. وكنت أحد أعضاء اللجنة التي تختار المدرسين في الجامعة، وكان واجباً علينا أن نختار المدرسين الأكْفاء، وكنا نشترط على المدرس أن يكون راعياً لطلابه، وألا يُلقي عليهم خطبة، وإنما يشرح ويطرح المواضيع للنقاش.. وقام الإخوة في الكويت ببناء وحدات سكنية ومسجد للطلاب الوافدين.. وقسَّمنا الطلاب في هذه الوحدات إلى مجموعات، وطلبنا من كل مجموعة أن تختار لها يوماً إسلامياً، إما الإثنين أو الخميس، يصومون فيه ويفطرون معاً، ويؤدون صلاة قيام حتى يتعودوا على قيام الليل.
وبين فن التعليم وفن التربية ومراتب الإحسان نجحت العملية التعليمية، وكان من بين أولئك الطلبة مجموعة من الصينيين أكرمهم الله عقب خروجهم من بلادهم مباشرة بأداء مناسك الحج، وقد ذهبت لزيارة طلابي في الصين مرتين، ووجدتهم حققوا نجاحات كبيرة، ولأن الصين دولة كبيرة فقد أوصيناهم بالتدريس في الجامعات والتوجيه في المساجد، أي التعليم والتربية، وأوصيناهم كذلك بالاعتناء بالأقلية المسلمة هناك؛ لأن الأغلبية غير مسلمة، وقد حققوا نجاحاً باهراً في هذا المجال، حتى إنهم أطلقوا على إحدى المناطق اسم "مكة الصغرى"، وأقاموا فيها عدة مساجد ومدارس.

كيف تنظرون إلى مستقبل التعليم في العالم الإسلامي؟
التعليم هو أساس نهضة الأمم، وأهم شروط التغيير نحو الأفضل على المستويات كافة؛ فلا تنميةَ بدون تعليم جيد، ولا استثمارَ نافعاً وناجحاً بدون استثمار في الإنسان؛ ولأن محور أي نشاط يهدف للارتقاء إلى المعالي، فلا تعليمَ ناجحاً إذن بدون تربية ناجحة تؤهِّل الإنسان ليكون صالحاً، وأهلاً لخلافة الله في أرضه، وأنفع لأهله وشعبه وأمته والإنسانية جمعاء، فالشخص الصالح المتعلم الذي يمتلك أدوات البحث والتنقيب هو الهدف المنشود الذي نسعى لإيجاده من أجل حاضر زاهر ومستقبل واعد.
ومن ثَمَّ فمستقبل التعليم في العالم الإسلامي رهن بإيجاد الرجل الصالح، أو "القوي الأمين" ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) (القصص:26)، فالقوي بدون أمانة يجلب على الأمة كوارث هي في غنيً عنها، والأمين بلا قوة نافع لنفسه بأمانته، ولكنه غير قادر على تحقيق المراد.. وليس هذا في ميدان التعليم فحسب، بل يشمل كل الميادين مثل السياسة والاقتصاد والتعليم والتثقيف وكل مناشط الحياة، من العامل وحتى الرئيس، نريده قوياً على أداء المهمة المكلف بها، أميناً عليها فلا تزيغ به الأهواء أو المطامع أو ما إلى ذلك، ولا يكون فاسداً مفسداً، يبيع بلاده وشعبه وأمته من أجل مصالحه الشخصية.


هل تعتقدون أن المناهج الدراسية الحالية في العالم الإسلامي قادرة على تحقيق نهضة الأمة، وفي أي اتجاه يجب تغيير المناهج إذا كانت هناك حاجة فعلية للتغيير؟
أخطر ما تواجهه الأمة في الوقت الحاضر هو الاستبداد، والاستبداد بطبيعته قاتل للإبداع، ومانع رئيس لإيجاد حياة طبيعية يتنفس فيها الناس بحرية، ويعبِّرون فيها عن آرائهم بدون خوف أو وصاية من أحد، وهذا ما أصاب الأمة بالشلل، فالله سبحانه وتعالى كرَّر قصة فرعون في القرآن، لأنه أول مَنْ أقرَّ واقع: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ) (غافر: من الآية29)، والتاريخ يعيد نفسه: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: من الآية35)، وأيضاً: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ) (غافر: من الآية34)، فالاستبداد يمنع إيجاد مناهج تعليم تحقق النهضة الحقيقية المرجوة.

هل ترون الأمة قادرة على مقاومة الثقافات الوافدة في عصر العولمة؟
المؤكد هو أن ثقافة العولمة ليس لها منهج وليست لها رؤية إنسانية، ولا غاية نبيلة لصالح الجميع، فهي ثقافة فرض أنماط لخدمة أهداف استعمارية.. وهذه العولمة، التي يُطلَق عليها العولمة المتوحشة، هي العولمة في نسختها الأمريكية، وهناك عولمة غربية تحاول توسيع الهيمنة الأمريكية أو الاحتكار الأمريكي للدخول معها في شراكة تحت لافتة حضارية هي (العولمة الغربية).
نحن نؤيد وجود عولمة "إنسانية" تؤدي إلى تبادل المنافع بين بني البشر بدون استغلال ولا ابتزاز ولا هيمنة، هذه هي العولمة التي ننادي بها، ويجب أن نناضل من أجل ذلك ولا نكتفي بالشعارات، وهناك قوى دولية شعبية ونخبوية في العالم تدعو إلى ذلك، فلسنا وحدنا.. العولمة بصيغتها الحالية متخبطة، هدفها تحقيق أرباح بدون اعتبار للحق والباطل، أو الحلال والحرام.
وثقافة العولمة هذه هي التي دفعت الدول الغربية لسرقة طعام الجياع في إفريقيا من خلال نهب الثروات وترك الشعوب نهباً للفقر والمرض والجوع، وهي التي تؤجِّج الصراعات في كل مكان، وقد فضحها الله في العراق وأفغانستان وفلسطين وغيرها.

ــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة المجتمع 1776، 10/11/2007م بتصرف.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة