الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أبعاد قرار التطهير العرقي الإسرائيلي الأخير

أبعاد قرار التطهير العرقي الإسرائيلي الأخير
3105 1 1257

 

امتداداً لسياستها العدوانية واستمراراً لمواقفها التي تضرب عرض الحائط بكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية وحقوق الإنسان، أصدرت "إسرائيل" مؤخراً وعلى لسان الحاكم العسكري للضفة الغربية قراراً يخول السلطات العسكرية الإسرائيلية ترحيل عشرات الآلاف من الفلسطينيين من مكان إقامتهم في الضفة الغربية إلى قطاع غزة أو الأردن، بحجة عدم حصول هؤلاء السكان على تصاريح الإقامة في بلادهم من قبل السلطات العسكرية الإسرائيلية.

ولعله من المفارقات المثيرة للسخرية والاشمئزاز أن ذلك القرار يأتي وسط تدفق آلاف المستوطنين من كافة أنحاء العالم للإقامة في الضفة الغربية وسط تقديم تسهيلات اقتصادية ومغريات مادية لهؤلاء المستوطنين، بينما يُحرم السكان الفلسطينيون من حق الإقامة في أرض الآباء والأجداد التي توارثوها أباً عن جد منذ آلاف السنين، في حين أن عمر "إسرائيل" يقل عن سبعة عقود فقط، بل إن الأدهى والأمرّ أن من أصدروا القرار -سواء القائد العسكري أو الجهات التي تستتر وراءه- ربما لم يولدوا في أرض فلسطين، وفي أحسن الأحوال فإن والديهم لم يعرفوا فلسطين وأرضها إلا منذ سنوات قليلة، فلماذا تستّرت "إسرائيل" وراء قرار القائد العسكري هذه المرة لممارسة الترانسفير أو التطهير العرقي على الفلسطينيين مرة أخرى؟.

هناك عدة مضامين لهذا القرار، أولها إثبات أن الضفة الغربية تقع ضمن سيادة الجيش الإسرائيلي بالكامل، وأنه لا وجود أو سيطرة للسلطة الفلسطينية على تلك الأرض حتى تلك المسماة بأراضي السلطة الفلسطينية والمصنفة «أ»، مع العلم أن هذا بات أمراً واقعاً منذ حملة السور الواقي الإسرائيلية في العام 2002، وباتت الاجتياحات للمدن الفلسطينية الرئيسية الواقعة فيما كان يعرف بأراضي السلطة الفلسطينية تتم بشكل شبه يومي في تحدّ واضح واستفزاز لمشاعر الفلسطينيين أفراداً ومسؤولين، في إشارة واضحة إلى تكريس الاحتلال العسكري لكافة أراضي فلسطين، تمشياً مع عقيدة اليمين الصهيوني بإقامة ما يعرف بدولة "إسرائيل" على كافة أراضي فلسطين، وعدم الاعتراف بوجود للسلطة الفلسطينية حتى على أراضيها التي حصلت عليها شكلاً وليس موضوعاً من خلال اتفاقات أوسلو عام 1993.

إن تكليف الجيش الإسرائيلي بتطبيق سياسة الإبعاد والترحيل، بل قل التطهير العرقي ضد الفلسطينيين، يأتي لتكريس وتأكيد استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، ومن أجل تكريس الانقسام بين شطري الوطن الفلسطيني في غزة والضفة الغربية، ويأتي كذلك استفزازاً لمشاعر الدول العربية خاصة الأردن، ومن أجل طرد الفلسطينيين إليها من أجل إخلاء فلسطين من سكانها وابتلاع أراضيها، وكذلك من أجل استمرار الدفع بسياسة الوطن البديل للفلسطينيين في الأردن، وهو أشد ما يقلق السلطات الأردنية بشكل خاص والعربية بشكل عام.

لكن، لماذا اختارت "إسرائيل" هذا التوقيت بالذات؟ أغلب الظن أنه كلما اشتد الضغط الدولي خاصة من قبل أميركا على الدولة العبرية من أجل تقديم التنازلات لإقامة الدولة الفلسطينية ووقف الاستيطان وحل الصراع عن طريق الدولتين، تسارع "إسرائيل" إلى فتح ملفاتها القديمة وخلط الأوراق واتخاذ قرارات متطرفة تعطي الانطباع أنها ليست معنية بالتسوية مع الفلسطينيين، وأن كل ما تسعى إليه هو تفريغ الأراضي الفلسطينية من أصحابها ليسهل عليها ابتلاع أراضيهم ومن ثم صرف انتباه الرأي العام العالمي عن الدفع باتجاه الحل السلمي وانسحاب "إسرائيل" من الأراضي الفلسطينية وفقاً للشرعية الدولية والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتحويل الانتباه إلى قضايا جانبية وفرعية مثل: هل يجب تسفير الفلسطينيين أم لا؟ وما ثمن ذلك؟ والرشوة التي يجب دفعها ل"إسرائيل" نظير عدم قيامها بذلك، وكذلك الإثبات لبعض رموز الإدارة الأميركية الحالية أن إسرائيل هي صاحبة الأمر والنهي في تلك الأراضي، وعليهم التعامل مع إسرائيل من هذا المفهوم أو المنطق.

إن مدلولات هذا القرار الإسرائيلي خطيرة جداً ويمكن الاستنتاج أن "إسرائيل" لا تقيم وزناً لأية دولة عربية منفردة ولا للدول العربية مجتمعة، سواء تلك التي وقعت معها اتفاقيات سلام أو تلك التي لم تقم مثل تلك العلاقات معها.

ومن قراءة متأنية لما بين سطور هذا القرار يستشف منها أن "إسرائيل" ما زالت تعتبر الدول العربية التي قدم منها هؤلاء الفلسطينيون دولاً معادية، فالقرار الأصلي رقم 1650 الصادر عام 1968 يعرف المتسلل إلى أراضي الضفة الغربية بأنه من قدم من دولة معادية ويجب إعادته إليها، وهنا يكون المقصود بالقرار هو الأردن أو مصر أو كلتاهما، وكأنه لا توجد اتفاقيات سلام بينهما وبين "إسرائيل" ولا توجد سفارات متبادلة ولا تبادل اقتصادي وسياحي وعلمي وما إلى ذلك من تطبيع للعلاقات، كل هذا ألغته "إسرائيل" بجرة قلم القائد العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية، من أجل إعطاء الانطباع بأن الحال الآن كما كانت عليه منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية في العام 1967، وهي تبعث بهذه الرسالة إلى تلك الدول غير آبهة برد فعل الدول العربية مجتمعة، سواء منها من أقام علاقات مع "إسرائيل" أو تلك التي لم تفعل، فماذا يا ترى سيفعل العرب؟

لقد تعودت "إسرائيل" على عدم مواجهة ردود عربية فاعلة على كافة الاعتداءات والاستفزازات التي قامت بها طوال عقود من الزمن، ولكن هل يا ترى سيبادر العرب إلى مواجهة القرار الإسرائيلي الأخير هذه المرة؟ إن المطلوب من تلك الدول في هذه الحالة ليس شن حرب ساحقة ماحقة ضد "إسرائيل"، وكلنا نعلم أن الأنظمة العربية أسقطت هذا الخيار قولاً وفعلاً منذ اتفاقات كامب ديفيد عام 1977،(وما بعدها من خطوات كإلغاء المقاطعة الاقتصادية...) ولكن المطلوب منها اتخاذ خطوات متواضعة مثل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية وغيرها من العلاقات إلى حين تتراجع "إسرائيل" عن هذا القرار، وكذلك التوجه إلى المحافل الدولية والمنظمات الدولية وكشف زيف ادعاء "إسرائيل" أنها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط وهي التي تمارس سياسة التطهير العرقي بحق الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومصادرة أراضيهم بدعوى المنفعة العامة، علماً بأن "إسرائيل" قد خدعت العالم لعقود طويلة من الزمن بعرض نفسها على أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في شرق أوسط يمارس الاضطهاد والقمع ضد سكانه، وعليه، فهل سيبادر العرب إلى القيام بمثل هذه الخطوة المتواضعة هذه المرة؟

إن قرار الجامعة العربية الأخير في هذا السياق الداعي لعدم اعتراف الفلسطينيين بذلك القرار أمر يثير السخرية والإحباط ولا يبشر بخير من مواقف الأنظمة العربية تجاه الاستهتار الصهيوني بالعالم العربي بأجمعه.

ـــــــــــــــــ

العرب القطرية ( بتصرف يسير)

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق