الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عالمية الأدب الإسلامي

1679 0 650
العالمية ، كلمة لها بريق خاص في الأدب والنقد ، فهي صفة يتباهى بها - حتى الغُرور - الأديب الذي يوصف إبداعه بها . وحلم تسعى إليه أمم عدة ، لأنها في أبسط دلالاتها شهادة للإبداع الأدبي بنوع من التميز والتفوق ، واستيعاب التجربة الإنسانية العامة ، التي تتجاوز الحدود الجغرافية ، وربما تتجاوز الزمان أيضًا إلى كل زمان ومكان ، فالنص الذي ينجح في مخاطبة وجدانات بشرية متعددة المشارب ، ومتعددة البيئات والظروف ، ويؤثر فيها ، هو نص يستبطن التجربة الإنسانية المشتركة بين هذا القدر الهائل من الناس ، ويقف على شاطئ الحقيقة (الوجدانية) المطلقة ، ولأن - العالمية - أيضًا الطريق إلى مكاسب معنوية - وربما مادية - هائلة .
لذا تجتهد بعض الأمم في تحقيق أكبر قدر ممكن من العالمية ، وتبذل في سبيل ذلك جهودًا ضخمة ، فتقوم بترجمة غُرر أعمالها الأدبية إلى لغات الشعوب الأخرى ، وتعقد الندوات والمؤتمرات ، وترعى الكراسي الجامعية التي تدرّسها في الآفاق ، وتنفق عليها ، وتهتم اهتمامًا فائقًا بالأدباء من غير أبنائها ، الذين يكتبون أعمالاً أدبية بلغتها ، وتغمرهم بالجوائز السخية ، وأقرب الأمثلة إلينا فرنسا ، التي تسعى عبر (الفرانكفونية) لتمد ظلالها الأدبية إلى الجهات الأربع ، فتنشئ - أو تعزز - روابط نفسية بين أكبر قدر ممكن من الشعوب ، تتمحور حول المبادئ والقيم التي تتبناها ، وتحقق لها - من ثم - مكاسب سياسية واقتصادية لا تحصى .
هكذا تصبح عالمية الأدب - على المستويين الفردي والأممي - هدفـًا ترتبط به أهداف أخرى ، ومكسبًا تتحقق من ورائه مكاسب كثيرة .
عن طريق الترجمة
وتتحقق العالمية للأدب عندما ينتقل - بطريق الترجمة غالبًا ، وبلغته الأم أحيانًا - من المجتمع الذي أبدع فيه إلى مجتمعات أخرى ، وينتشر فيها متجاوزًا الحدود الجغرافية والسياسية واللغوية ، فمثلاً يمكن أن نقول عن أدب شكسبير إنه بلغ مرتبة العالمية ؛ لأنه تُرجم إلى معظم لغات العالم ، وقرأته شعوب كثيرة بلغاتها المحلية - فضلاً عن الأفراد المتميزين في تلك الشعوب الذين قرؤوه بلغته الأم - فالعالمية هنا هي عالمية الشيوع والانتشار ، وتكون بعد مرحلة الشيوع المحلي عادة ، وتتدخل فيها عوامل خارجية كثيرة ، منها الظروف السياسية والحضارية للأمة ، والجهود التي تبذلها في نقل آدابها إلى الآخرين ، وقد استطاعت كل من إنجلترا وفرنسا أن تنشر آدابها في المجتمعات التي سيطرت عليها في القرن الميلادي الماضي وشطر من القرن الحالي ، كما استطاعت أمريكا أن تنشر قدرًا من آدابها بفضل الجهود والترجمات المكثفة التي تقوم بها ، أو ترعاها ، مؤسساتها الثقافية المختلفة ، فلا يكون تميز التجربة الإنسانية وتفوقها السبب الوحيد في عالميتها ، وقد يكون مستواها الفني دون المستوى الفني بكثير لأعمال في المجتمعات المستقبِلة ، ولكن هذه لم تتهيأ لها وسائل التوصيل والترويج
بين الانتشار والجودة
وثمة نوع آخر من العالمية لا يقتصر على عالمية الانتشار ، بل يتجاوزها إلى عالمية الإبداع أيضًا ، فتجد التجربة الإنسانية بملامحها الرئيسية تتكرر في مجتمعات مختلفة اللغات والظروف ، وتجد النصوص الأدبية تجتمع على موضوعات ومضامين ، وعلى ألوان من الاستقاء والتأثر ، وعلى صياغات متقاربة - إن لم تكن متماثلة - للصورة الفنية ، فتصبح الأعمال الأدبية التي تتصف بهذه الصفات فصولاً متنوعة في كتاب كبير واحد .
وتبنى من مجموعة العناصر المتماثلة كيانًا أدبيًا عالميًا ، يحس به ويتذوقه المتذوقون في كل مكان يصل إليه ، فيحسون أنه يخاطب وجداناتهم ويؤثر فيها ، وكأنه صدر عنها أو أنشئ فيها . وهذا اللون من العالمية - في يقيني أقوى وأعمق من عالمية الانتشار وحدها ، وهو اللون الذي يتميز به الأدب الإسلامي .
العوامل المؤدية
فعالمية الأدب الإسلامي تبدأ من مرحلة الإبداع وتزدهر فيها ، وتخضع في مرحلة الشيوع لعوامل سياسية وثقافية تجعلها بين مد وجزر .
ذلك أن الأدب الإسلامي ينتجه كل مجتمع مسلم ، أيًا كانت لغته وجغرافيته ، وأحواله السياسية … ينتجه أدباء مبدعون في تلك المجتمعات ، امتلأت وجداناتهم بوهج الإيمان ، واستوت نظراتهم للحياة من خلال رؤى الإسلام ، وتفاعلوا مع الأحداث التي واجهوها في مجتمعاتهم بتلك الرؤى ، وأبدعوا أعمالاً أدبية بلغاتهم المحلية ، وبرؤىً إسلامية تتغلغل في موضوعاتها ، أو مضمونها - وفي عدد من أدواتها الأسلوبية - إسلامية كاملة ، لا يمنعها انتقالها من لغتها الأم إلى لغات أخرى من أن تؤثر في القارئ المسلم أيًا كانت بلده ولغته ، وأن تهز وجدانه ، فيحس بها وكأنها ولدت لتخاطبه ، وأن الانفعالات التي تحملها جزء من الانفعالات التي يتلجلج بها صدره ، وأنها جسر متين بينه وبين الأديب الذي أبدعها ، وأنها - من ثم - لبنة في بناء عالمي كبير ، تتجاور في لبنات أخرى من هذا المجتمع وذاك ، في تناسق وتناغم كاملين .
فالأديب المسلم التركي أو الفارسي أو الهندي أو الأندونيسي.. إلخ ، عندما يكون مؤمنًا ملتزمًا بإسلامه عقيدة وفكرًا ومنهج حياة ، يتعامل مع أحداث مجتمعه من خلال إسلامه ، وتتجه عواطفه وفق المؤشرات الإيمانية ، وتحمل تجربته الأدبية انفعالاته الإيمانية بتلك الأحداث ، وتصوغها في عمل أدبي إسلامي ، يتذوقه ويتأثر به كل متذوق مسلم يطلع عليه ويفهمه ، وهذه حقيقة واقعة في آداب الشعوب الإسلامية غير العربية كلها .
ففي كل أدب من تلك الآداب أعمال أدبية ذات صبغة إسلامية واضحة ، أبدعها أدباء مسلمون ملتزمون بإسلامهم يتفاعلون مع الأحداث من زاوية إيمانية ، وإذا انتقلت هذه الأعمال إلينا بالترجمة - أو بلغتها الأم إذا كنا نعـرف تلك اللغة - أحسسنا بأن التجارب التي تحملها جزء من تجاربنا ، والانفعالات التي تموج بها تلامس أعماق قلوبنا ، والقضايا التي تعرضها هي بعض اهتماماتنا .
وأقرب الأمثلة لدينا الآداب الفارسية والتركية والأردية… التي تشكلت بعد انتشار الإسلام في أرضها شكلاً جديدًا تأثرت فيه بالإسلام ، بل وتأثرت حتى بالتراث العربي الذي اطلع عليه بعض الأدباء والمثقفين فيها .
وسنعرض نماذج من آداب الشعوب الإسلامية المختلفة في آسيا وأوربا وإفريقيا تمثل كمًا هائلاً من النصوص يكمن في تلك الآداب ، وننظر في مدى قابليتها لتكون لبنة في بناء الأدب الإسلامي العالمي ، الذي يخاطب وجدان المسلم أيًا كان زمنه ومكانه ولغته . ونبدأ بالأدب الفارسي :
الأدب الإسلامي في اللغة الفارسية
من المعلوم أن الأدب الفارسي بدأ مرحلة جديدة تمامًا بعد انتشار الإسلام في إيران ، ذلك أن لغة الأدب قبل الفتح الإسلامي كانت (الفهلوية) ، فحلت محلها منذ منتصف القرن الثالث الهجري اللغة (الدريّة) التي نهضت في رعاية من كانوا ذوي لسانين عربي وفارسي ، وفي ظل الإمارات الفارسية التي قامت في العصر العباسي : إمارات الطاهريين والصفويّين والسامانيين ثم الغزنويين ومن وليهم ، وترك الإيرانيون خطوطهم القديمة التي كانوا يستخدمونها في كتابة لغاتهم - وغالبًا ما كانوا يستعيرونها من الآشورية والآرامية - فاستبدلوا بها الخط العربي لأنه أيسر كتابة وأكثـر وضوحًا . وقد تأثر الشعر الفارسي بالشعر العربي من جهة ، وبالقيم الإسلامية من جهة أخرى تأثرًا كبيرًا ، في جميع مناحيه الشكلية والمضمونية ، تأثر به في عَروضه وفي صوره البيانية وفي معانيه ، واستمد عدد من الشعراء موضوعاتهم من القصص القرآنية وصنعوا منها قصصًا شعرية مختلفة ، وجنح بعضهم إلى صوفية مغرقة بينما ظلت قصائد المديح والحكمة والوعظ أقل جنوحًا وتطرفًا ، وظهرت المعاني الإسلامية في معظم ذلك الشعر ، وراجت ملاحم شعرية تاريخية ، منها (ما اتخذ مادته من الدين الإسلامي مثل "ظفر نامة" لحمد لله مستوفي القزويني ، وموضوعها تاريخ إيران منذ ظهور الإسلام حتى عند المؤلف المتوفي عام 750هـ) .وظهرت قصص رمزية فلسفية مادتها إسلامية ، مثل : منطق الطير لفريد الدين عطار ، وقصة يوسف وزليخا لعبد الرحمن الجامي ، وبعيدًا عن الشطحات الصوفية والخيالات المتطرفة تبقى في الشعر الفارسي والأدب الفارسي القديم بعامة روح إسلامية ، وتظهر في قصائد يصح أن نعدها من الأدب الإسلامي الخالص .
ونتجزأ من هذا التراث الضخم بقصيدة للشاعر سعدي شيرازي ، قالها في رثاء بغداد بعد أن اجتاحها التتار عام 656هـ . ومطلع القصيدة - كما ترجمها الدكتور محمد غنيمي هلال - :
حق للسماء أن تمطر الأرض دمًا
على زوال الملك المستعصم أمير المؤمنين
ويقول في القصيدة :
ارفع عينيك أنت يا من رأى شوكة البيت المنيع
حيث قياصرة الروم رؤوسهم على التراب
وخاقان الصين طريح الثرى أريقت دماء أولاد عم المصطفى
على تلك الأرض ، حيث كان السلاطين يضعون الجبين
بعد هذا لا ينبغي أن تؤمل الراحة في الدنيا
يبقى القار في الخاتم حينما ينفصل منه الفص
ماء دجلة دم منذ الآن ، كلما انسابت في منحدره
جعل من نخيل البطحاء عجينًا من الدمعبس وجه البحر من هذا الحدث الأليم
وآية ذلك ما على وجهه من قطوب الموج
على أن وجه الإسلام وطريق الرحمة داعيهما
أن يحترق قلب المحبين على فراق الأعزاء
لا يليق النواح على دم الشهداء
فأقل سعادة لهم هو الخلد في عليّين
فانتظر حتى الغد ، حيث يوم العدل والقيامة
ولا يقتصر الأدب الإسلامي الفارسي على الأدباء الذين عاشوا في إيران ، بل يتعدى إيران إلى البلاد المجاورة التي اتخذت اللغة الفارسية لغة لها كبعض الولايات في الهند وأفغانستان والباكستان وأوزبكستان .
وقد ظهر في تلك البلاد أدباء أبدعوا أعمالاً أدبية إسلامية باللغة الفارسية ، إضافة إلى الأعمال الأدبية التي أبدعوها بلغاتهم المحلية ، ومن هؤلاء الشاعر الإسلامي الكبير محمد إقبال الذي كتب عدة دواوين بالفارسية ، منها .. أرمغان حجاز ، أسرار خودي ، رموز بي خودي .
الأدب الإسلامي في اللغة التركية
يمثل الأدب الإسلامي في تركيا نموذجًا عاليًا لإرتباط أدب الشعوب الإسلامية غير العربية بالإسلام ، فهو الجذر الأول للأدب التركي بعامة ، وهو الذي تفرّد بساحته الأدبية لعدة قرون ثم تحول إلى تيار مواز لتيارات أدبية قومية واشتراكية ، وواجه أقسى ظروف التحول وصمد في وجه العلمانية حتى تجاوز ظروف المحنة ، ووصل إلى وقتنا المعاصر ، حيث استطاع أن يستعيد قدرًا وافرًا من وجوده وانتشاره .
ويذكر مؤرخو الأدب التركي ، أن الأتراك كانوا قبل إسلامهم قبائل تعيش حياة رعوية في الغالب ، فلما دخلوا في الإسلام استقروا في مناطق الأناضول وأقاموا إمارات إسلامية ازدهرت في عهد السلاجقة ، حيث بدأت لغتهم تنتقل من مرحلة المشافهة إلى مرحلة التدوين ، وبدأ الأدب التركي يتشكل وينتشر .
ويقرر بعضهم أن الشاعر الفارسي جلال الدين الرومي ارتحل في القرن الثامن الهجري إلى قونية - وكانت عاصمة سلاجقة الروم - وأراد أن يخاطب العوام بشعره وكانوا يجهلون اللغة الفارسية - لغة مثقفي ذلك العهد - ولا يعرفون سوى التركية ، فاضطر أن ينظم شعرًا بالتركية يدعوهم إلى الزهد والتصوف.. فنشأ الأدب التركي أدبًا تعليميًا دينيًا ، وجاء بعده في القرن التاسع الهجري شعراء آخرون عمقّوا هذا الاتجاه مثل يوسف إمره ، وعاشق باشا ، وسليمان جلبي ، وهذا الأخير بلغ شعره منزلة عالية بين الأتراك ، بفضل قصيدته المطولة في السيرة النبوية ، والتي ما زال الأتراك حتى اليوم ينشدونها في المناسبات الدينية في المساجد والمنازل .
مدائح نبوية تخلو من الصوفية
وقد ظهرت في الشعر التركي أنواع عديدة من الشعر الديني ، منها المدائح النبوية التي شابتها بصمات صوفية ، ومنها "المحمدية" وهي على العكس من المدائح النبوية (تخلو تمامًا من أية نزعة صوفية وربما اختص بها أهل السنة معارضين غلاة الصوفية) ، فهي تبدأ بالتوحيد وبالتنويه بأن الصفات الذاتية لله سبحانه وتعالى في أسمائه الحسنى ، ثم تعرض صفات الرسول - صلى الله عليه وسلم - دون مبالغات أو تهويلات ، وتتبعها بصفات الخلفاء الراشدين ، ومكارم أخلاقهم.. وربما تعرض بعض قصص الأنبياء .
ومع تطور الأدب في تركيا ، وتعدد فنونه وموضوعاته ، انتشرت الآثار الإسلامية في عدد من فنونه الجديدة وموضوعاته ، فضلاً عن الفنون والموضوعات الدينية المحضة ، فظهرت آثاره في الشعر الديواني ، وهو مزيج من المشاعر الدينية والغزلية العفيفة ، ويعد الشاعر (باقي) رائدًا كبيرًا من رواده ، كما ظهرت الآثار الإسلامية في النثر الفني المرسل ، الذي يعتمد على معانٍ دينية أيضًا .
ومع بداية التطورات القومية في الدولة العثمانية ، وظهورها نزعةً قوية عند بعض الأدباء الأتراك في نهاية القرن التاسع عشر ، ظهر تيار مضاد يحافظ على القيم الإسلامية ويعمقها في الأدب التركي الحديث ، ويعالج مشكلات المسلمين في الدولة العثمانية المتهاوية ، وقد تزعم هذا التيار الشاعر الكبير محمد عاكف أرصوي الذي عاصر معاناة تركيا في الحرب العالمية الأولى ، واحتلال جيوش الحلفاء أرضها ، وسقوط الخلافة ، والذي جعل شعره منبرًا إسلاميًا قويًا ، يستثير المشاعر الإيمانية في نفوس الأتراك ، ليدافعوا عن دينهم وأرضهم ، وقد شاعت قصائده بين الأتراك بقوة ، وصارت إحداها فيما بعد النشيد القومي التركي.. وما زالت حتى الآن - بعد حذف عبارات قليلة منها - ، ويعد محمد عاكف رائد مدرسة أدبية كاملة ، حملت هموم المسلمين في تركيا وتطلعاتهم طوال الفترة الكمالية ، واستطاعت هذه المدرسة أن تتصدى للتيار القومي والعلماني ، وأن تحافظ على النسيج الإسلامي في الأدب التركي ، وأن تعززه .
ومن شعره الإسلامي في المحنة قصيدة بعنوان (لا يأس) افتتحها بقوله تعالى (ومن يقنط من رحمة ربه إلا القوم الضالون) ثم قال يحذّر الأتراك من الاستسلام لليأس ويستنهضهم لإعادة مجدهم الإسلامي :
أين مني نفحة من الأمل فيك ،
أتحسب أنه قط انطفأ ؟ما كان لفجر الحق الأزلي أن يُمْحى
أيها الظالم !
بعد قليل ترى ما أظلم أيام غدك
ويا أيها القلب المؤمن الذي حار وهو يعبد الحق ،
إن صدرًا واحدًا فقط يعيش بدون أمل ، وهو صدر الكافر !
أيجتمع اليأس والإيمان ؟
حاشا لله ، وقد علمت وأيقنت أنه ضرب من المحال ؛
فلماذا إذن أذللت عنقك ووقفت مطرّق الرأس ؟
ألا تشفق على ذريتك ، إن لم تشفق على نفسك ؟
لو أطبقت على الآفاق آلاف الكوارث ،لما انهارت هذه الأمة . ما دمنا نتجنب أن نقول : "إنها سوف تضمحل"
ما كانت لتنهار ، كلا ، لن تنهار ولن تسقط !
فاقتل أنت اليأس العاوي وأيقظ العزم ؛
  فحسبها نفحة من الإيمان حتى تعود إلى الحياة ، فلينتعش أملك ، ما هذه الخيبة ؟ وما هذا الخسران ؟
إبدا بإسكات الآلام الماضية ،
وبث الأمل القوى في أبنائك ؛
وتوكل على الله واعتصم بحبل السعي واخضع للحكمة …
هذا هو الطريق ، ولا أعرف صراطًا مستقيمًا سواه .
الأدب الإسلامي في اللغة الأردية
وإذا انتقلنا إلى الأدب الأردي الذي ينتشر بين ملايين المسلمين في شبه القارة الهندية ، وبين مئات الألوف المهاجرين منها إلى آفاق العالم ، فسنجد صورة أخرى للعلاقة الحميمة بين الأدب الإسلامي ، تناظر زميلتها التركية ، وتكاد تفوقها ، لولا قرب العهد بهذا الأدب .
ذلك أن اللغة الأردية قد تشكّلت في صورتها الحالية في القرن الحادي عشر الهجري ، وكانت قبل ذلك لغة محلية متأثرة بالهندية القديمة ، ثم تأثرت بالحضارة الإسلامية وباللغة العربية التي انتقلت إليها مع الإسلام ، وبالفارسية أيضًا ، وعندما احتل الإنجليز الهند وفرضوا ثقافتهم عليها ، دخلت اللغة الأردية عناصر من اللغة الإنجليزية أيضًا . غير أن الآثار العربية هي أقوى الآثار فيها ، فقد استفادت الأردية من العربية في قواعدها وعروضها وحروف الكتابة ، وفي بعض الجوانب البلاغية ، وفي عدد كبير من الألفاظ ، مباشرة أو عن طريق الفارسية التي نقلت من العربية ، واستفادت من اللغة الفارسية في تلك الجوانب أيضًا ولكن بقدر أقل .
وقد أصبحت الأردية لغة الثقافة بين المسلمين ، بفضل الأعمال الأدبية التي كتبها عدد من الأدباء البارعين ، أمثال ميرزا غالب ، والسيد أحمد خان ، ومحمد حسن آزاد ، ومنشي سجاد حسين ، وألطاف حسين "حالي" ، ومحمد إقبال.. إلخ إضافة إلى الكتابات الفكرية والإسلامية التي كتبها الدعاة والمصلحون .
وقد ارتبط الأدب الأردي بالقيم الإسلامية من خلال أوضاع المسلمين في الهند ، والتحديات السياسية ، والصدام مع الهندوس ، والتحديات الثقافية الغربية ، وكان عدد من الأدباء الكبار منهمكين في القضايا السياسية ، ومهتمين بإصلاح أوضاع المسلمين ، وتعزيز العقيدة فيهم ، وإغنائهم بالثقافة الإسلامية ، فجعلوا إبداعهم الأدبي منبرًا من منابر التوجيه الإسلامي الحي . وساعدتهم في ذلك مواهبهم الكبيرة ، فأبدعوا أعمـالاً أدبية إسلامية ، انتشرت بقوة بين المسلمين وأثرت فيهم تأثيرًا قويًا ، ومن تلك الأعمال : المنظومة المطولة "مسدس" للشاعر ألطاف حسين الملقب بـ (حالي) الذي يستعرض فيها واقع الحياة قبل البعثة النبوية ، والجاهلية القائمة فيها ، وسوء أحوال الإنسان ، ثم يعرض الانقلاب الهائل الذي أحدثه الإسلام في الحياة ، وظهور الحضارة الإسلامية ، وأثرها في تطور الحياة الإنسانية بعامة ، ثم يعرض ضعف المسلمين وانشغالهم بأمور الدنيا ، وتفرقهم وسقوط دولتهم ، والأحوال السيئة التي أصبحوا فيها في كل قطر ، وخاصة في الهند ، ويدعو إلى نهضة جديدة ، بالعودة الصحيحة القوية للإسلام ، وبناء حضارته من جديد .. وتبلغ المطولة قرابة ثلاثمائة مقطع ، في كل مقطع ستة أبيات .
ومن الأدباء الذي كان لهم أثر كبير بين المسلمين في الهند ، وتجاوزت شهرتهم إلى البلاد الإسلامية والعربية الشاعر الكبير محمد إقبال .ولإقبال مكانة كبيرة في الأدب الإسلامي بغير العربية ، فهو من المبدعين المتميزين الذين كانت لهم رؤية خاصة في الحياة ، وكان صاحب نظرية تؤمن بأن الشخصـية الإسلامية هي الشخصية المهيئة لقيادة العالم ، وبناء الحضارة الصحيحة ، كما أنه كان يدعو إلى قيام كيان إسلامي خاص لمسلمي الهند ، تحقق فيما بعد في قيام دولة باكستان .
وإقبال نموذج للأديب الإسلامي العالمي ، فقد تجاوز شعره منطقته وانتشر بين مسلمي الهند ، كما تجاوز الهند ليصبح إبداعًا إنسانيًا عالميًا ، وترجم إلى لغات عدة منها اللغة العربية ، وقد ترجم الدكتور عبد الوهاب عزام عددًا من دواوينه شعرًا ، ونحا نحوه الصاوي شعلان ، ومحمد حسن الأعظمي في كتابهما (فلسفة إقبال والثقافة الإسلامية في الهند وباكستان) ، ونجتزئ بأبيات من إحدى قصائده ، وبترجمة هذين الكاتبين النثرية ، ثم الشعرية لها . والقصيدة بعنوان "شكوى" يتجه فيها إلى الله سبحانه وتعالى ، شاكيًا ما أصـاب المسلمين ، من تخلف وفرقة وضعف ، بعد أن كانوا بناة الحضارة ، ورواد الأمم .
نراه في مطلع قصيدة "شكوى" يصور أشجانه وآلامه ، ثم يوجه العتب المرير إلى نفسه واستسلامها للمحن ، ثم يناجي الله عز وجل ، وفي فمه التراب ، ليعلن صرخة المسلمين ويجأر بدعواتهم ، يقول :
"ربـاه إليك شكوى عبيدك الأوفياء ، الذين لم يتعودوا إلا إزجاء الحمد ، وترتيل الثناء" .
لقد كانت الدنيا قبل هذا الدين الإسلامي عالمًا تسوده الوثنية ، وتحكمه الأصنام ، وفي بقاع هذا المعمور كانت سجدات هذا الإنسان لا تعرف غير الأوثان ، ولم يكن الإنسان يعبد غير التماثيل المنحوتة من الأحجار ، والصور المصنوعة من الأشجار ، وحارت فلسفة اليونان وتشريع الرومان ، وضلت حكمة الصين في الفلوات .
ولكن ساعد المسلم القوي قَطَعَ من الأرض شجرة الإلحاد . وأسطع على الإنسانية نورًا من التوحيد وظلاً من الاتحاد .
وبعد :فستطول بنا الرحلة لو جئنا نستعرض نماذج من الأدب الإسلامي في الشعوب الإسلامية غير العربية.. فهذه الشعوب تنتشر في مساحات واسعة من الكرة الأرضية ، تمتد من أندونيسيا شرقًا إلى شاطئ الأطلسي غربًا ، ومن القوقاز شمالاً إلى جز المالديف جنوبًا ، فضلاً عن الجاليات الإسلامية الكثيرة التي تنتشر في بلاد كثيرة ، فما من مجتمع مسلم إلا وفيه أدباء يملأ الإيمان قلوبهم ، ويصبغ بألوانه الزاهية إبداعاتهم الأدبية.. بل ما من مجتمع مسلم إلا وفي تراثه الأدبي نصوص تدخل في نسيجها قيم الإسلام وتصوراته .
ومن المؤسف أن معرفتنا بآداب الشعوب الإسلامية قليلة ، وأن حركة الترجمة من لغات تلك الشعوب إلى اللغة العربية ، وبالعكس ، قليلة ونادرة أحيانًا ، وأنـّا بعامة نجهل الكثير عن أحوال تلك الشعوب وتاريخها وآدابها.. وباستثناء الدارسين المختصين لا نكاد نجد أحدًا يعرف شيئًا عن شعوب ما وراء النهر ، وشعوب الجمهوريات الإسلامية التي استقلت أخيرًا عن الاتحاد السوفياتي ، وشقيقاتها التي ما زالت مدمجة في دولة الصين الشيوعية . اللهم إلا ما أبرزته الأحداث والأخبار هنا وهناك ، وطبيعي والحالة هذه أن تكون معرفتنا بآداب تلك الشعوب نادرة أو معدومة .
إن النصوص القليلة التي تترجم بين الحين والآخر ، وتنشر في الدوريات ، أو تشير إليها الدراسات تحمل تأشيرات كثيرة وقوية على وجود أدب إسلامي حي لدى الشعوب الإسلامية غير العربية كلها.. والأمر في اعتقادي يحتاج إلى جهود موجهة وكبيرة ؛ لتتبع هذا الأدب وإظهاره .
وقد بدأت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية خطوة رائدة في هذا المجال ، فنشرت كتابًا عن الأدب الإسلامي التركي ، وكتابًا آخر عن الأدب الإسلامي الأردي ، وتعد فيما علمت لإصدار كتاب عن الأدب السواحلي ، ولو أن بعض المؤسسات الثقافية الأخرى أسهمت في هذا العمل المتميز لكان ذلك شكلاً من أشكـال توثيق الروابط بين المسلمين في أطراف الأرض . وتعريف بعضهم ببعض .
وقد نصت رابطة الأدب الإسلامي العالمية في أهدافها المعلنة على هذا العمل فذكرت في المادة الثالثة من النظام الأساسي أن من أهداف الرابطة نقل الأدب الإسلامية العربي إلى لغات الشعوب الإسلامية وبالعكس ، وتحقيق عالمية الأدب الإسلامي .
وقامت مؤخرًا بخطوة عملية ، فأعلنت عن مسابقة لترجمة النصوص الإبداعية لأدب الشعوب الإسلامية إلى اللغة العربية ، في مجالات الرواية والقصة والمسرحية والشعر ، والأمل أن تحقق هذه الخطوة - وخطوات أخرى قادمة تقوم بها مؤسسات ثقافية إسلامية أخرى وفي مقدمتها الجامعات ودور النشر - تقدمًا في هذا الميـدان ، فتصدر ترجمات لأعمال إبداعية أدبية ، ودراسات عن آداب تلك الشعوب ، وأن تقوم حركة ترجمة مقابلة من اللغة العربية إلى لغات الشعوب الإسلامية غير العربية ؛ فتقوم جسور جديدة من المعرفة والعلائق الثقافية بين الشعوب الإسلامية .
إن القدر المحدود المتوافر في مكتبتنا العربية ، من آداب الشعوب الإسلامية ، ومن الدراسات عنه يبيح لنا أن نقول : إن الإسلام قد أثّر في آداب الشعوب الإسلامية كافة ، وجعل الأدباء الملتزمين به يبدعون أعمالاً أدبية إسلامية : إسلامية في موضوعاتها ، أو في المواقف والرؤى التي تظهر فيها ، أو في الآثار العامة التي يخرج القارئ بها …
وإن هذه الأعمال في تلك اللغات هي التي تعطي الأدب الإسلامي بُعده الثالث ، بُعْد العالمية ، عالمية الإبداع ، وعالمية التأثر بالقيم الإسلامية ، وعالمية ظهورها في أعمال أدبية تتجاوز حدود اللغات ، والقوميات ، والخريطة الجغراف

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق

الأكثر مشاهدة اليوم

دراسات ومقالات

القصة القصيرة جداً تطالب بتجنيسها

لا يزال الجدل يدور حول استقلالية القصة القصيرة جداً ، وعدها جنساً أدبياً، يملك مقوماته الخاصة، التي تميزه عن بقية الأجناس الأدبية، في حين نجد بعض الكتّاب يفضلون اعتبارها شكلاً من أشكال القصة، وُجدَ منذ فترات زمنية بعيدة،...المزيد