الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عندما يصدح غلاة الثقافة العلمانية قدحا ضد الإسلام

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:16/01/2011
  • التصنيف:ثقافة و فكر
  •  
3977 0 890

لا يترك غلاة الثقافة العلمانية ودعاة التنوير الزائف مناسبة إلا ويصبون فيها جام غضبهم على الآخر، والآخر هنا في مفهومهم ليس إسرائيل أو أمريكا أو غيرهما من دعاة القدح في الإسلام، بل هم حسب تعبيرهم المقيت أنصار الثقافة الجادة، وأصحاب الفكر الإسلامي

العويل الدائم ضد أنصار الثقافة الجادة من جانب دعاة التزييف يكاد يصبح مادة يرتكز عليها أمثال هؤلاء، وكأن أنصار هذه الثقافة هم العائق الأساس وليس غيرهم ضد جهود الإنجاز الحضاري، وتحقيق التقدم للأمة العربية والإسلامية، للدرجة التي جعلتهم يغالون في وصف غيرهم بأنهم أنصار الثقافة الظلامية، القائمة على النبش من التراث، والنهل منه، والارتكاز عليه!!
على هذا النحو يفهم غلاة الثقافة العلمانية مخالفيهم، ونعتهم بمثل هذه الأوصاف، وهى النعوت التي أصبحت معبأة في صناديق جاهزة، يتم إخراجها لوصف غيرهم بها، دون أدنى نقاش أو حوار، حتى أصبحت أوصافا جاهزة ومعدة مسبقا. 

هذه التوصيفات التي اعتاد غلاة العلمانيين عليها، بوصف أصحاب الفكر الإسلامي وأنصار الثقافة الجادة بها صارت تلوكها ألسنة أمثال هؤلاء من دعاة العلمانية وغلاة التزييف، حتى أضحوا يصدحون بها في مؤتمراتهم وندواتهم وكتاباتهم، وكان ذلك مدخلا لهم للولوج إلى أجهزة ووسائل الإعلام العربية، التي تفتح لهم منذ زمن بعيد شاشاتها، وتنصب أجهزة ميكروفوناتها لدعايتهم الممجوجة، وتوزع عليهم أوراق صحفهم، فضلا عما تجود بها عليهم من روافد ثقافية.

على هذا النحو يسير أمثال هؤلاء في فلكهم، مستغلين فتح الفضائيات على مصراعيها لهم، وجعل معظم المناصب الثقافية في العالم العربي شاغرة لهم، فينفثون منها سمومهم ضد كل من يتمسك بثوابت العقيدة، أو ينهل من تراثه، بدعوى أن أنصار الثقافة الجادة ينهلون من كتب عفى عليه الزمن، وجار عليها التاريخ، بل وأصبحت في معيته، حتى صاروا يطلقون على كتب التراث والحضارة والفكر "الكتب الصفراء"، ونسى هؤلاء أو تناسوا أن هذه المؤلفات رسمت للأمة تاريخا، ووضعت لأهلها حضارة، لا يزال الغرب ينهل منها ويطورها، بعدما استمد منها أصولها وبنى عليها، في الوقت الذي تراجع فيه أنصارها، بعدما قاموا بمحاكاة غيرهم، وأصبحوا أداة في يد غيرهم، فنهلوا من فكره، حتى وإن كان متجاوزا لعقيدتهم وثوابتهم، أو حتى مخالفا لعاداتهم وتقاليدهم.

هذه الحالة تعكس الوضع الذي أصبح عليه أمثال هؤلاء، الذين لم يكتفوا بالاستحواذ على الساحة الثقافية، بل راحوا يعملون على الانفراد بها، وإقصاء كل من يحاول الإبداء برأيه أو فكره بعيدا عن هذه الساحة، واعتبروا كل من يتحدث عن التراث أو التمسك بالفكر الإسلامي، أو المطالبة بالنهل من الحضارة الإسلامية، اعتبروه ظلاميا، يخالف التنوير، ويعارض الاستنارة، وينبش في أمهات كتب صارت صفراء، على حد زعمهم وافتراءاتهم!!

أمثال هؤلاء كأنهم أرادوا بذلك احتكار الثقافة، فراحوا يسوقون لها تعريفات خاصة بهم، وأن من يخالفها ليس مثقفا، وأن من لم يدرس الموسيقى ويقرأ في السينما، ويطلع على حضارة الباروك،  ليس مثقفا.

على هذا النحو كانت هذه معاييرهم في تعريف المثقف، ووصم من عداه بالظلامي تارة، وبالجهل تارة أخرى، وكأن المحك الأساس للثقافة، هو الردة عن التراث، والتخلي عما يمكن أن يمت للدين الإسلامي بصلة، وبالأخص الظاهر منه، حيث تزعجهم اللحية تارة، وتؤذيهم العفة تارة أخرى، ناهيك عن الجلباب وارتداء النقاب، أو حتى الحد الأدنى من العفاف.

هؤلاء ومن لف لفيفهم فتحت أمامهم معظم المؤسسات الفكرية والثقافية على نطاق واسع، حتى صارت تغازلهم بجوائز تارة، وبرعاية لأفكارهم وإبداعاتهم البالية تارة أخرى.

وبنظرة على جل الدوائر الثقافية والمؤسسات الإعلامية في عالمنا العربي، فان العديد من فعالياتها وأنشطتها المختلفة دائما ما يكون أمثال هؤلاء ضيوفها، وكأنهم هم الذين يحتكرون الحقيقة والثقافة في آن، وما عداهم فليس لهم إلا الإقصاء، وهو الخطر الحقيقي الذي يجني ثماره متلقو إبداعاتهم، إن كانت ترقى بالأساس إلى مستوى الإبداع، ذلك المعنى الذي أصبحت تجور عليه دعايات تهاجم الدين، وتنال من الوطن، وتقف بالمرصاد ضد الأمة العربية والإسلامية، بدعوى الاستنارة والعقلانية، وتغليب العقل على النقل، ولم يدركوا بجهل أن هذا قدح في الدين، وجور عليه. 

وفي المقابل أصبح أصحاب الثقافة الجادة في معزل عن روافد العالم العربي الثقافية والإعلامية، نتيجة الإقصاء المتكرر، وهو الإقصاء الذي يطول كثيرا من الأسماء اللامعة في سماء الفكر والثقافة الإسلامية.لذلك أصبح من واجب المؤسسات الجادة أن تعمل على تحقيق أهداف احتواء أنصار الفكر والثقافة الإسلامية والجادة في عالمنا العربي والإسلامي. وذلك عبر جهود تتمثل في:

*تشجيع المثقفين وأصحاب الفكر الإسلامي على الاستكتاب في الدوريات والفضائيات والمواقع العربية والإسلامية.

* التواصل الدائم بين المثقفين والمفكرين الإسلاميين من خلال روابط مهنية تبرز أفكارهم، وتعمل على توحيد صفوفهم ضد جبهة غلاة العلمانية، ودعاة التزييف.

*عدم التقوقع بإتاحة الساحة الفكرية والثقافية أمام أمثال هؤلاء الغلاة، بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة المختلفة، لإبراز الصوت الثقافي الجاد والفكر الإسلامي وتوضيحه لأمثال هؤلاء، لعل الله تعالى يرفع عنهم الغمة، ونير عقولهم، ويزيل الران من فوق صدورهم، وينير الطريق لغيرهم ممن حاد على طريق الصواب.

*دفع الجهود في مجال البحث والتأليف والترجمة، لتكون هذه المؤلفات بمثابة حائط صد ضد أبواق القدح والعلمانية.

بمثل هذه الجهود وغيرها من أطروحات المفكرين والمثقفين الإسلاميين، يمكن أن تكون لنا قدم على طريق التنوير الحقيقي، بمزاحمة غلاة العلمانية، ودعاة الاستنارة الزائفة، حتى لا يجدوا أمامهم الطرق فسيحة، فيطلقون من خلالها أبواقهم، التي تنفث حقدا، وتبث سموما بحق الإسلام وأهله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علا محمود سامي

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.

الأكثر مشاهدة اليوم

ثقافة و فكر

من تأليف السجون

مر بالكاتب والأديب ظروف وتجارب لم تكن في حسبانه؛ ولم يكن ليختار أكثرها بإرادته !! والسجن ـ بحق أو بغير حق ـ من هذه...المزيد