الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

د.البازعي .. وتأثيرات الثقافة اليهودية في الفكر الغربي

  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:05/01/2003
  • التصنيف:حوارات
  •  
2975 1 522

الثقافة اليهودية تأثيراتها كبيرة في الفكر الغربي !!

يشتغل الدكتور سعد البازعي منذ فترة طويلة في بحث فكري مهم أسماه (المكون اليهودي في الثقافة الغربية المعاصرة), وفي هذا البحث يؤكد البازعي أن لليهود إسهامات كبيرة في تشكل الثقافة الغربية تبدو غير واضحة في أحيان كثيرة, وقال الدكتور سعد الأستاذ في جامعة الملك سعود بالرياض : إن تأثير اليهود في الثقافة الغربية يجعلهم يؤثرون على العرب والمسلمين بشكل غير مباشر نتيجة لتواصل هؤلاء بصفة مستمرة مع ثقافة الغرب, وكشف البازعي في بحثه سعي اليهود الدائم إلى دعم وتعزيز حركة العلمنة في العالم من الناحية الفكرية من خلال طروحاتهم في العلوم الإنسانية والنظرية التي برزوا فيها أكثر من العلوم التطبيقية البحتة.

بداية نريد أن تعرفنا بأبرز ملامح وسمات مشروعكم البحثي الأخير ؟
هذا البحث هو نتيجة اهتمام قديم نما في الفترة الأخيرة عند وقوفي على عدد من المواضع في الكتابات النقدية والفلسفية الغربية التي تؤكد في مجملها أن لليهود حضورا مميزا ومهما في تشكل الثقافة الغربية, ففي مجال النقد الأدبي مثلا أعرف منذ فترة طويلة أن هناك نقادا يهودا مهمين, كما أن فروع المعرفة الأخرى مملوءة بأعداد كبيرة ممن ينتمون إلى عرق أو ثقافة يهودية, فنتيجة لهذا قررت أن أستكشف الموضوع بشكل أكثر تفصيلاً معتمدًا في ذلك على ما أنجزه بعض الباحثين العرب من قبل، مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري والدكتور حسن ظاظا وبعض الباحثين الآخرين وباحثين غربيين كثر، ودهشت كثيرا عند اكتشافي أن الباحثين الغربيين مهتمون أيضا بهذا الموضوع, لأنه ليس في كل الأحوال متعاطفا مع ذلك الحضور اليهودي, فمن الغربيين من ألف ليكشف عن بعض الممارسات المتحيزة لليهود أي التي يخدمون من خلالها ثقافتهم وانتماءهم أكثر مما يخدمون ثقافة البلاد التي يعيشون فيها .

ما الأهمية التي تمثلها هذه الدراسة بالنسبة للمسلمين والعرب؟
لا شك أن الأهمية كبيرة, فنحن في صراع حضاري على كل المستويات مع اليهود ممثلين في دولة إسرائيل, وإن كنا لسنا بالضرورة على صراع مع اليهود كيهود في كل مكان, ولكن إسرائيل هي تَجلٍّ للثقافة اليهودية وأطماع اليهود في تحقيق دولة لهم، وهذا يحدث على حساب الأمة العربية والإسلامية, لذلك فمن باب أولى أن نكون الأكثر انشغالا بهذا البحث الذي يهدف في أساسه إلى فهم الثقافة الغربية ومكوناتها, ومن ناحية أخرى, إلى أن تكون علاقتنا بهذه الثقافة وأخذنا منها أو إفادتنا منها على مستوى يحمي ثقافتنا مما قد يتسلل إليها من مفاهيم أو أفكار قد تكون ضارة .

إلى أي حد تأثر العلماء اليهود الذين تناولتهم في الدراسة بموروثهم الثقافي؟ وهل استطاعوا أن يوظفوا هذا الفكر لخدمة كيانهم ؟
هذا سؤال في غاية الأهمية, فليس من السهل اكتشاف ما هو يهودي في منجز هؤلاء المفكرين الذين أتحدث عنهم, ويلاحظ أن أولئك المفكرين أو النقاد أو المبدعين ليسوا بالضرورة ممن ينتمون إلى اليهود أو ممن يصنفون كيهود في كل الحالات, فلو جئنا مثلا إلى الفلسفة لوجدنا أن هناك من يعرفون في المعاجم والموسوعات على أنهم فلاسفة يهود أو علماء يهود، ولكن البعض الآخر لا يصنف على هذا الأساس, وبالتالي فإن تناول أعمال هذا المفكر أو ذاك الباحث من منطلق كونه يهوديًا ليس دائما بالسهولة أو بالوضوح الذي قد يبدو، وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء يعلن عن انتمائه لليهود ، سواء من الناحية العرقية أم من ناحية الثقافة ، فإن انتماء بعضهم إلى اليهودية ليس واضحا، كما هو الحال في كتابات مؤسس الصهيونية هيرتزل أو بن جورين, وعندما تعود إلى عصور سابقة تجد فلاسفة لا غبار على انتمائهم، فمسألة القول بأن فرويد يهودي أو أن عمله يهودي، وهذا هو الأهم وليس انتماءه الشخصي, ينبغي أن ينطلق من وعي أو معرفة جيدة بأعمال هذا المفكر أو العالم , والواقع أن هذا محل جدال بين الباحثين المختصين بعلم النفس وبفرويد تحديدا, لكن على كلٍِِّ هناك كثيرون من الباحثين الغربيين أنفسهم ممن يؤكدون أن التحليل النفسي الذي ابتدعه فرويد والذي يعد أهم إضافاته لعلم النفس, له جذور في الثقافة اليهودية، بل إنه انطلق كمشروع يهودي لخدمة اليهود كفئة مستضعفة ومهمشة أو كفئة مهددة دائما, في حالة فرويد هناك أدلة وشواهد كثيرة كما هو الحال في علماء غيره قد لا يكونون بنفس الوضوح، ولكن مشروعي يهدف إلى إدراج هذا الجانب غير الواضح، وأود أن أوضح هنا أن ما أطرحه حاليا هو في الواقع تلخيص، أو ربما يكون مقدمة، لمشروع ما يزال في طور التنامي ولم يكتمل بعد، ومن ثم فإني ما أزال في طور استكشاف جوانب أخرى للموضوع تتضح لي فيها باستمرار مسائل لم أكن أتوقعها، وأحيانا أقوم بتعديل بعض ما توصلت إليه ، لكن الأطروحة الأساسية ما تزال في اعتقادي صحيحة ويمكن إثباتها.

من خلال البحث ماهي أبرز المجالات الفكرية التي اتضح لكم أن اليهود قدموا فيها إسهامات مهمة ؟
يكاد يكون الحضور اليهودي موجودًا ومهمًا في كل مجالات العلم والمعرفة المعاصرة أو معظمها , انشتاين وماكس بلانك في الفيزياء وهؤلاء أسسوا نظريات مهمة في هذا المجال, وفي علم الاجتماع هناك عدد كبير منهم ماكس فيبر ، وفي علم النفس هناك فرويد وفي الفلسفة هناك اسبينوزا وكارل ماركس هو أيضا يهودي، وفي النقد الأدبي هناك هارم دبلونا وجورج اشتاينر, في السينما المعاصرة لا ننسى ودي الن , كل هؤلاء يعتبرون أعلاما في مجالاتهم , وهناك إحصائية في أمريكا أوضحت أن 35% من المتميزين في كل الحقول الأكاديمية في الجامعات والمعاهد البحثية هم من اليهود, وأريد أن أسجل هنا ملاحظة أن اليهود ليس لهم نفس الحضور المؤثر في المجالات التطبيقية، مثل علم الحاسب الآلي والهندسة وبعض العلوم ذات الصبغة التطبيقية, حضورهم أكثره في العلوم الإنسانية وفي العلوم النظرية حتى في الفيزياء تجدهم متميزين في الفيزياء النظرية, فالتأثير في العلوم التطبيقية سيكون بالتأكيد بعيدا عن أي انتماء, فلا يمكن أن يتأثر طبيب أو جراح بكونه يهوديا، لكنه متوقع أن يتأثر عالم الاجتماع أو عالم النفس أو الناقد الأدبي، فالتراث اليهودي من ناحية له صلة بهذه الموضوعات، ومن ناحية أخرى هذه العلوم الإنسانية أقرب إلى التعبير عن مشكلات الإنسان، والذي تبين لي أن كثيرا من الإنجاز اليهودي في العلوم الإنسانية تحديدا جاء متأثرا بكونهم أقلية، أو فئة تعيش مخاوف وحالة من الشعور بالاختلاف عن بقية المجتمع، ولا يزال الهلوكست في أذهانهم ويؤثر في طريقة تناولهم للأشياء، فالانتماء اليهودي سيكون واضحا في المجالات التي تسمح بالتعبير عن المشاعر أكثر من أن يؤثر في مجالات تظل في النهاية ذات طابع علمي أو تطبيقي بحت يصعب ربطه بجنس أو بفئة بشرية معينة, وهناك في علم اللغة الحديث أهم عالم معاصر هو تشومسكي اليهودي، وهو معروف بأنه كاتب سياسي بالدرجة الأولى , تأثر بانتمائه اليهودي وعاش في إسرائيل فترة، وجرب حياة الجيتو          (ghito) أو المجتمعات المعزولة عن المدن, ولهذا العالم مواقف معادية لإسرائيل, غير أن ذلك ليس ما يهم البحث، ولكن ما يهم هو استكشاف العناصر الثقافية التي أثرت في تكوينه الفكري, وإلى أي حد يمكن أن نقول إن هذا مفكر يهودي أو عالم يهودي؟ أو أن إنتاجه تأثر بهذا الانتماء؟ هذا هو السؤال المهم والصعب في نفس الوقت الذي نحاول أن نجيب عليه.

هل نستطيع فهم بحثكم على أنه محاولة لدرس دور الجماعات والأقليات في تاريخ ثقافة معينة وتأثيرهم فيها ؟
نعم هو بحث في كيفية تعامل الأقليات مع الثقافة السائدة، وبعض ما يمكن قوله عن اليهود يمكن أن يقال عن غيرهم من الفئات، ولا شك أن هناك صلات مشتركة , الدكتور المسيري توصل إلى نظرية من دراسته لليهود، وهي دراسة امتدت لأكثر من ثلاثين عاما , توصل إلى أن اليهود ينتمون إلى ما يسميه الجماعات ا لوظيفية، وهي جماعات تؤدي وظائف معينة في المجتمعات التي تسكنها, المجتمع الكبير المسيطر تأتي وتعيش فيه جماعة يهودية محدودة العدد , يفرض عليها هذا المجتمع أداء وظائف معينة سواء كانت وظائف مرغوبًا فيها أو غير مرغوب فيها , واليهود طوال تاريخهم كانوا يقومون بدور اقتصادي كسماسرة، وكانوا يعيشون في مناطق معزولة في المدن ( الجيتو) وهذه وظائف فرضت عليهم واستمروا في أدائها, لكن اليهود مروا بمرحلة تغير مهمة جدا في نهاية القرن الثامن عشر وهي مرحلة تسمى مرحلة الخلاص انتقلوا فيها من عزلتهم القديمة تدريجيا إلى المجتمع بشكل عام واندمجوا فيه, هذا الذي حدث في القرنين الأخيرين هو أن اليهود تشعبوا وامتزجوا امتزاجا قويا في المجتمعات الأوربية إلى حد أنه صار من الصعب تمييزهم عن غيرهم، وهذا ما يجعل موضوع البحث في تأثر هؤلاء اليهود الذين اندمجوا أكثر إثارة وأهمية في الوقت نفسه, لكن لا نشك أن كثيرًا من هؤلاء على الرغم من اندماجهم وتخوف البعض من ذوبانهم التام, قد احتفظوا وما يزالون يحتفظون بصلتهم الثقافية سواء من خلال نشاطهم الفكري أم العلمي, فهم حريصون على خدمة الثقافة اليهودية أو الدراسات المتعلقة باليهود وإبراز بعضهم, فنجد الناقد الأدبي يدرس كاتبا يهوديا أكثر مما يدرس كتابا آخرين, وتجد الناقد السينمائي يركز على ممثلين يهود ، وهكذا هناك نوع من الدعم المشترك يلاحظه أهل هذه الحقول.

تحدثت عن تأثير اليهود في الثقافة الغربية المعاصرة , ولم تركز على تأثيرهم في الثقافة العربية فما السبب؟
الثقافة العربية هي الهاجس الأساسي وراء البحث وهذا الاهتمام ؛ لأن لنا صلة يومية وحيوية جدا بالثقافة الغربية، ولذلك من الضروري أن نعرف هذه الثقافة التي نتواصل معها، ولا شك أن حضور اليهود وتأثيرهم في هذه الثقافة يجعلهم مؤثرين علينا بطريقة غير مباشرة، وأحيانا بطريقة مباشرة، بمعنى أننا عندما ندرس علم النفس ندرس علماء يهود، وكذلك عندما ندرس علم الاجتماع , هكذا تتسرب إلينا المقولات والأفكار من خلال هذا التعرض, وفي اعتقادي أن الثقافة العربية ليست على مستوى كاف من الوعي النقدي بما تأخذه من الثقافة الغربية، فإننا نأخذ كثيرا دون تمحيص, الذين يقولون إن العلم ليس له مكان، وعلم كوني وعالمي ولذلك فيجب ألا نشك في مصداقية هذا العالم أو ذاك, هو قول يجانب الصواب، فلابد من الانتقاء، ولابد من الوعي بما نأخذه ونستفيد منه، وإذا كان في الغربيين أنفسهم من يحاول أن يزيد من الوعي الغربي بالمؤثرات المختلفة، سواء كانت يهودية أم غيرها، فالأحرى بنا أن ندرك هذا الحضور, ليس طبعا لكي نرفض ما يأتينا من الغرب أو حتى ما يأتي من اليهود أنفسهم، فقد يكون في هذا الذي نأخذه ما يفيدنا، لأ ن الحكمة تظل ضالة المؤمن، لكن المشكلة أنها قد لا تكون حكمة أحيانا, ينبغي أن نفرق بين ما هو حكمة وبين ما هو غير ذلك، هذا المنطلق أساسي في الثقافة الغربية, نعرف جميعا أن الثقافة الغربية لها مكون مسيحي رئيسي، وهناك مكون روماني ويوناني, لكن قلما نتوقف عند المكون اليهودي، وأعتقد أن هذا المكون لعب في القرنين الأخيرين دورا ربما يفوق أي مكون آخر، إذا استثنينا المكون المسيحي الذي يشكل السائد والعام في الثقافة الغربية.

ما موقف الانتجلنسيا العربية حال اكتشافها أن نتاج عالم معين تأثر بخلفيته الثقافية اليهودية وانحاز إليها ؟
في هذه الحالة سأنظر في هذا الذي أمامي، لن أرفضه لمجرد أنه يهودي ولكني سأنظر إلى العلم نفسه، وأتساءل هل أنا في حاجة إليه، وهل هو متناقض مع تكويني و رؤيتي الثقافية بشكل عام, لقد اتضح أن لليهود تأثيرا كبيرا في دعم التوجه العلماني في الثقافة الغربية، عالم مثل فرويد له رؤية علمانية قوية أثرت في فكره وفي أطروحته العلمية، من هذه الناحية نتساءل عندما نريد أن نتبنى مقولات ومفاهيم أو أطروحات نظرية لهذا العالم أو ذاك, إلى أي حد تخدم هذه المقولات رؤيتي الثقافية، وهل أنا فعلا مؤمن بما فيها من مقولات فلسفية أو مضامين, المشكلة في الثقافة العربية وكثير من ثقافات العالم الثالث هي أنها تتبنى كثيرا من المفاهيم والمصطلحات ظنا منها أن لها دلالة معينة، بينما في الواقع لها دلالات أخرى، قد لا يكون الشخص واعيا بها، وضربت أمثلة كثيرة في السنوات السابقة عندما كنت أتعرض لبعض المفاهيم الغربية، وستجد في دليل النقد الأدبي أنه يقف عند كثير من المفاهيم، ويحاول أن يكتشف ما فيها من تحيزات ثقافية لو علم بها بعض الباحثين الذين يتبنونها, لربما رفضوها, مفهوم البنية مثلا في البنيوية أو التقويضية أو التفكيكية, كثير من الناس ينظر إلى هذه المفاهيم وهذه المناهج على أنها مجرد طرق علمية لفهم الظواهر وفهم الأدب واللغة، ولكنها في الواقع مفاهيم مؤسسة على رؤية فلسفية معينة، غالبا ما يكون الباحث غير الغربي لا يدركها، لأنه ليس ابن الثقافة التي جاءت منها هذه المفاهيم, فهذا البحث محاولة لرفع معدل الوعي بهذا التحيز الموجود، سواء كان في التحليل النفسي أو في بعض مفاهيم علم الاجتماع أو الفلسفة، ويتضح لنا أن هذه ليست بالضرورة علوما دائما، وليست مفاهيم موضوعية صالحة لكل زمان ومكان، بل هي مرتبطة بسياق معين ربما نأخذها، لكن بشرط أن نكون واعين بما تدل عليه، ولدينا القدرة والاستعداد على تعديلها ووضعها في سياق مختلف تماما، وإن كان الطموح ليس أن نظل نأخذ كل ما يلفظ به الغربيون، وإنما نصطنع مفاهيمنا ونظرياتنا ومصطلحاتنا التي تعبر عن واقعنا ورؤيتنا للعالم وليس رؤية ثقافة أخرى .

ما طبيعة التغييرات التي أحدثتها الإسهامات اليهودية في الثقافة المعاصرة ؟
التغيرات كثيرة ويصعب اختصارها، لكن حركة العلمنة في الثقافة الغربية ربما تكون من أبرز التأثيرات اليهودية, ظهر كتاب في أوائل هذا العام عنوانه (التنوير المتطرف) للكاتب اليهودي "جونفان إسرائيل" يدرس فيه مرحلة التنوير في الثقافة الغربية، ويتوقف عند المفكرين الذين أسسوا لهذه المرحلة، ومن أبرزهم المفكر اليهودي اسبينوزا، وهو كما يصفه الكاتب قائد التنوير المتطرف، وهذه نقطة مهمة في اعتقادي، لأنها تبرز لنا أن لليهود تأثيرا قويا في دعم حركة العلمنة وتدمير المقدس وكل المتعاليات في الثقافة، وتكريس الحسي والمادي والرؤية المادية للعالم, طبعا هناك كثيرون غير اليهود ممن دعوا لهذا، لكن أطروحة هذا المؤلف أرى أنها تتفق مع بعض ما اتضح لي في أن اليهود بشكل عام يدعمون التوجه العلماني المادي والعدمي في نهاية الأمر في مواقفهم, وهذا الباحث توقف عند نماذج كثيرة من القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر ولكن يظل المجال واسعا وكبيرا, خذ مثلا مقولة فرويد عندما كتب لصديقه القس يقول له ( لماذا في اعتقادك لم يتمكن أي من المتدينين أن يكتشف التحليل النفسي، وهل كان من الضروري أن ينتظر هذا الميدان حتى يأتي يهودي بلا إله) وجاء بعد ذلك أحد المؤرخين ليكتب عن فرويد كتابا عنوانه( فرويد اليهودي بلا إله) و استخدم نفس العبارة كعنوان للكتاب، فهذه النزعة العلمانية المنافية للقداسة والروحانية في الثقافة الغربية المعاصرة أعتقد أن لليهود دورا كبيرا في دعمها على المستوى الفكري.

عند حديثكم عن الثقافة المعاصرة تؤكدون على غربيتها في غياب أي إشارة للدور الذي قام به العرب في تشكل هذه الثقافة والإسهام فيها؟
ليس من الممكن نسيان حقيقة أن الحضارات هي مجموع لجهد بشري ضخم وتراكمات عبر القرون، سواء العربية أم غيرها، لكن وجود هذا التأثير الإنساني العام في الحضارة المعاصرة، وأفضل أن أسميها الحضارة المعاصرة, لكني أقول في سياق الحديث : إننا نسميها معاصرة لأن الحضارة الغربية هي المعاصرة، ولماذا نقول غربية لأن السمات الغربية وسمات الحضارة المسيحية اليونانية أو ذات الجذور اليونانية المسيحية واليهودية هي التي أعادت تشكيل العناصر التي أخذتها من الثقافات الأخرى, بمعنى جاءت عناصر إسلامية وعربية وصينية، ولكن أعيد تشكيلها من منظور غربي، وهناك عناصر أخذت فلسفة ابن رشد ووضعوها في سياق آخر غير طريقة ابن رشد، وهذا ما يحصل الآن، أي ثقافة تتعامل مع الثقافة الغربية، لا بد لها أن تعدل وتحول فيما تتلقاه لينسجم مع سياقها، لكن أحيانا لا تكون عملية التعديل والتكييف بالشكل العميق والمؤثر، لكن بالنسبة للغرب منذ عصر النهضة وهو يستقي مؤثراته ومكوناته من ثقافات أخرى ويعيد تشكيلها في ضوء واقعه وتطلعاته وسياقه الأساسي الرئيس, وهذا ما ندعو إليه بالنسبة لنا، أن تأخذ الثقافة العربية الإسلامية العناصر من هنا وهناك وتعيد تشكيلها، فالثقافة العربية والإسلامية هي في الأساس عناصر مختلفة جاءت من آسيا وأفريقيا واليونان والرومان وأعيد تشكيلها برؤية إسلامية, وفي نهاية الأمر صارت ثقافة عربية إسلامية, وإلا فما علاقة ابن سينا والفارابي بالعرب، كل هؤلاء جاؤوا من آسيا الوسطى أو من شمال آسيا ومن ثقافات مختلفة، واندمجوا في هذه الثقافة الجديدة، وهذا ما يحدث اليوم في أمريكا وأوربا, يذهب العربي ويعمل بشروط حضارية مختلفة.
معروف أن الباحث المصري الدكتور عبدالوهاب المسيري أنجز موسوعة ضخمة عن تاريخ اليهود وثقافتهم , فما خطوط التمايز والتشابه بين موسوعته ومشروعكم البحثي ؟
الدكتور المسيري قام بجهد موسوعي ضخم جدا تقصى فيه تاريخ الجماعات اليهودية، ودرس المفاهيم والسياقات العامة المتصلة بدراسة هذه الجماعات اليهودية وأبرزها، وتوقف عند تاريخ إسرائيل نفسها أو التاريخ العبراني القديم, وما أفعله حاليا يعتبر وقوفا عند جزئية مما أنجزه الدكتور المسيري، هو تحدث عن كثير من المفكرين الذين أشرت إليهم, توقف عندهم وأشار إلى أنهم يهود أو أدخلهم في السياق اليهودي، لكنه لم يفصل كثيرا في هذا الجانب، وهذا الذي أحاول أن أغطيه، فالمسيري في حديثه عن مفكر أو فيلسوف مثل تشومسكي مثلا، يشير إلى أنه يهودي، وهو عالم لغة في صفحة أو أكثر قليلا, أما هذا البحث فيحاول أن يدرس هؤلاء في مجملهم وأن يربط بينهم، ويتقصى تأثير انتمائهم في منجزهم المعرفي أو العلمي بتفصيل أكثر وفي حدود العصر الحديث وليس في عصو

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق