الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحب إليه مما سواهما

أحب إليه مما سواهما

أحب إليه مما سواهما

نحن أمة عريقة بداياتها كانت عظيمة، حملت إلى العالم فكرا راقيا وعلما ضافيا، وخلقا صافيا، وعقيدة وفهما للدين والدنيا أتى إلى حياة ميتة فأحياها بروح الوحي، وإلى دنيا مظلمة فأضاءها بنور الهداية.

لقد كان الإسلام في أوائله نورًا عظيما ملأ جوانب الأرض، فإذا بضوئه يخفت ـ ببعد أهله عنه ـ حتى صار كذبالة مصباح أوشك وقوده على النفاد، فهي ترتعش مع هبات النسيم، ولا تبقى أمام زئير العواصف. (الإسلام والطاقات المعطلة ص5).

كان الإسلام في بداياته كمرآة مصقولة بالغة الرقة يرى فيها الناظر حقيقة الإسلام الناصعة، وطبيعة أهله الرائعة، فلم يلبث أن سفت عليها السوافي فغطاها الغبار، وعلا عليها مع الأيام البخار وعلاها الغبش حتى لأصبح الناظر لا يرى إلا أشباحا بلا معالم أو أشكالا مرعبة تخيف الناظرين.

لقد تخلفت أمتنا عن ركب المتحضرين، وتأخرت عن ملاحقة المتقدمين، وعادت لتمشي كسيرة ذليلة مع المتخلفين الراكدين التائهين:
قد استرد الســـبايا كل منــهزم .. .. لم تبق في أســرها إلا سـبايــانا
وما لمحت سيــاط الظــلم بادية .. . إلا عــرفت عليــها لــحم أسرانا
ولا تموت على حـد الظبا أنف .. .. حتى لــقد خجـلت مــنا مـنايـانا
لو يعلم البدر في شعبان محنتنا .. .. لـما أطـل حـياء بــدر شـعـبانـا
تهلهلت أمتي حتى غـدت أمــما .. .. وزور الوطن المسلوب أوطانا

إن ما أصاب الأمة من هبوط بعد ارتفاع، وتوقف بعد حراك وهزيمة بعد انتصار، وتخلف بعد تقدم وريادة، وذل بعد عز وسيادة، كل ذلك لم يصبها خبط عشواء؛ بل له علله الدفينة.. وذلك يستدعي الدراسة والتأمل.
أزعم أن من هذه العلل علتين عظيمتين:
الأولى وراثة الكتاب دون تعب أو نصب.. فلم نعرف قدره وقيمته الحقيقية فضيعناه.
والثانية: عدم محبة الله ورسوله المحبة الصادقة التي ينصر الله أصحابها.

وسأتكلم اليوم عن النقطة الثانية، خصوصا ونحن نعيش اعتداءات عدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكاد ينظر أصحابها إلى أتباعه ولا يقيمون لهم قدرا ولا مقاما.

إن المسلم لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؛ كما في حديث أنس في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف في النار].
والمقصود بالسوى هنا (سواهما) كل شيء حتى يدخل في ذلك الوالد والولد وجميع الأهل كما جاء في الصحيحين أيضا: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين]..

ويزيد الأمر حتى يتقدم حب الله ورسوله محبة المرء لنفسه التي بين جنبيه فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: [كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكِ، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ الآنَ، وَاللَّهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الآنَ يَا عُمَرُ] "رواه البخاري"

وقد ذكر القرآن الكريم آية عظيمة جمع فيها كل ما يمكن أن يكون له في قلب العبد مكان ثم أخبر أن من قدم شيئا منها على محبة الله ورسوله فقد شان نفسه ودينه.. قال سبحانه: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين}.. فانظر كيف هدد الله هؤلاء بقوله {فتربصوا}، وكيف ختمها بقوله {والله لا يهدي القوم الفاسقين}.

قد يرى بعض الناس أن من أصعب الأمور أن يقدم الإنسان شيئا على نفسه، ولكن المحبة الصادقة جعلت المستحيل واقعا مع الصحابة الكرام.. وكلما قرأ الإنسان عن محبتهم لربهم ورسولهم كاد يصيبه الذهول، وأقر وأذعن بأنهم فعلا استحقوا ما وصلوا إليه من إكرام وإجلال وتعظيم الله لهم في الدنيا والآخرة.

إن الأمثلة في هذا الباب كثيرة لا يتسع لها مقال ولا مقالات، والاختيار بينها والتفضيل بين المواقف صعب ولكن قد قال الأول: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.. وكل لبيب بالإشارة يفهم.. والحر تكفيه الإشارة.

روى البخاري في الصحيح في قصة الحديبية أن عروة بن مسعود قال لقريش بعدما ذهب ونظر كيف يتعامل الصحابة مع نبيهم عليه الصلاة والسلام: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيما له."

وروى الطبراني بسند حسن عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا رسول الله، والله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من أهلي ومالي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا حتى نزل جبريل - عليه السلام - بهذه الآية: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا}.

وقد روى أبو داود بسند صحيح والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما: [أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة، جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتشتمه، فأخذ المغول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم. فلما أصبح ذكر ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فجمع الناس، فقال: أنشد الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حق، إلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا : أن دمها هدر].

روى ابن جرير الطبري في التاريخ وابن المنذر وابن إسحاق في السيرة عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة من بني دينار، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحد، فلما نُعوا لها قالت: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا يا أم فلان.. هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل.. تريد صغيرة.

إن الإنسان والله ليقَفّ شعرُ بدنه وهو يقرأ قصة حبيب بن ثابت وقد أحضره مسيلمة الكذاب وأخذ يسأله: تشهد أن محمدا رسول الله؟ فيقول نعم. يقول: فتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فيأمر السياف أن يقطع عضوا منه.. فما زال يسأله ويرد عليه ويقطع منه حتى سقط قرابة نصف جسده.. وهو راسخ رسوخ الجبال.. حتى مات.. فلما بلغ أمه نسيبة بنت كعب ما حدث لابنها.. قالت: لمثل هذا كنت أعده!! فرضي الله عنهم أجمعين.

إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم شرف يدعيه كل مسلم، ولكن المعوَّل ليس على الدعوى وإنما على صدقها، وبين الدعوى والصدق مسافة كبيرة جدا لا يقطعها إلا العمل، ولا يؤكدها إلا الواقع. وقد زعم قوم محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ كما قال الحسن ـ فابتلاهم الله بهذه الآية: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم . قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين}.
فهل واقعنا يدل على صدق محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة