الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المحروم

14290 0 751

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى يقول: «إن عبدا أصححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم» ‌[صحيح الجامع]

حديث كنظم الجمان، وروض الجنان، يحمل في طياته من الرفق والإعذار والعتاب ما يجعل القلوب الصادقة لا تفتر عن زيارة بيت ربها، ولا تقضي منه وطرا، في رحلة تفد فيها إلى الله تعالى، من أعرض عنها فهو المحروم حق الحرمان.

«إن عبدا»
العبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، وسمي المملوك عبدا لتذلله لمولاه، ولما كانت العبادة لله تعالى أشرف الخصال التي لا يأباها إلا كافر بنعمة الخلق والإنشاء، كان التسمي بها أشرف الأسماء التي سمي الله تعالى بها أفضل رسله، فالأنبياء عليهم السلام ينقسمون إلى عبد رسول ونبي ملك، وقد خير الله سبحانه وتعالى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بين أن يكون عبدا رسولا أو نبيا ملكا، فاختار أن يكون عبدا رسولا، فالنبي الملك مثل داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، قال تعالى في شأن سليمان: {قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} [ص:35 – 39] أي أعط من شئت وأحرم من شئت لا حساب عليك،

فالنبي الملك يفعل ما فرض الله عليه، ويترك ما حرم الله عليه، ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه، وأما العبد الرسول فلا يعطي أحدا إلا بأمر ربه، ولا يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت ) [البخاري] ولهذا يضيف الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول، كقوله تعالى: { قل الأنفال لله والرسول } [الأنفال:1] ومن هنا كان العبد الرسول أفضل من النبي الملك، فمقام العبودية لله مقام تشريف وتقريب.

وما يريد الله سبحانه من عباده أن يقروا له بالعبودية، وأن يعبدوه وحده، لأنه بحاجة إلى عبوديتهم وعبادتهم، ولا لأنها تزيد في ملكه تعالى أو تنقص منه شيء، ولكنه يريد لهم أن يعرفوا حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية لتصح تصوراتهم ومشاعرهم كما تصح حياتهم وأوضاعهم، فما يمكن أن تستقر التصورات والمشاعر، ولا أن تستقر الحياة والأوضاع على أساس سليم قويم إلا بهذه المعرفة، وما يتبعها من إقرار، وما يتبع الإقرار من آثار، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، فلا يخضعوا إلا له وإلا لمنهجه وشريعته للحياة، والذين يستنكفون من العبودية لله يذلون لعبوديات في هذه الأرض لا تنتهي، يذلون لعبودية الهوى والشهوة أو عبودية الوهم والخرافة ويذلون لعبودية البشر من أمثالهم، ويحنون لهم الجباة ويحكمون في حياتهم وأنظمتهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم عبيدا مثلهم من البشر هم وهم سواء أمام الله ولكنهم يتخذونهم آلهة لهم من دون الله [في ظلال القرآن]

«أصححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته»
هذا غاية الإعذار من الله تعالى إلى كل عبد أنعم عليه بوافر الصحة والمال حتى لم يبق له عذرا يمنعه من حج بيته وتكرار زيارته تطوعا مرة تلو الأخرى، وفي هذا دليل - ولو من بعيد - للقائلين بأن حج الفريضة واجب على الفور لا على التراخي، خاصة إذا انضمت إليه الأحاديث الصحيحة التي تدعم هذا القول، كحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من أراد الحج فليعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتكون الحاجة ) [رواه أحمد] ‌وقال صلى الله عليه وسلم: ( تعجلوا الحج -يعني الفريضة- فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له ) [رواه أحمد]

كما تنطوي هذه الكلمات الدافئة على العتاب لكل من أنفق نعم الله عليه في غير طاعته، فواعجبا من موجود لا يفهم معنى وجوده، وإن فهم لم يعمل بمقتضى فهمه، يعلم أن العمر قصير وهو يضيعه بالنوم والبطالة والحديث الفارغ وطلب اللذات، وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ، فالسعيد من انتبه لنفسه وعمل بمقتضى عقله واغتنم زمانا نهايته الزمن، فسبحان من منّ على أقوام فهموا المراد فأتعبوا الأجساد وغطى على قلوب آخرين فوجودهم كالعدم.

«تمضي عليه خمسة أعوام»
قال علي بن المنذر: كان الحسن يعجبه هذا الحديث، وبه يأخذ، ويحب للرجل الموسر الصحيح أن لا يترك الحج خمس سنين

«لا يفد إلي»
فتأمل قوله عز وجل: «لا يفد إلى»، ولم يقل: «لا يفد إلى بيتي» لأن الحج هو رحلة إلى الله تعالى، فكيف لا يكون محروما من لا يرحل إليه؟ وكيف لا يكون محروما من لا يكون من قوم يباهي الله بهم الملائكة؟ وكيف لا يكون محروما من زهد في مزيد الثواب وعموم الغفران بحيث يصير كيوم ولدته أمه ؟ ففي هذا أعظم دلاله على عدم حبه لربه، فعادة الأنجاب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وخلالهم. فلهذا ندب إلى الحج كل خمسة أعوام للقادر.

«لمحروم»
والحرمان أنواع وضروب، وفي ذلك يقول الشاعر مواسيا يتيما حُرم نعمة الأبوة:
عزاءك لا يلملم بـك الضيم أننـا يتامى ولكن الشقاء ضروب
فهذا يتيم ثاكل صفو عيشه وذلك من الصحب الكرام سلـيب

لكن أعظم الحرمان، الحرمان من رحمة الله تعالى، فماذا فقد من وجد الله؟ وماذا وجد من فقد الله؟ .. وفي الإعراض عن الحج غاية الحرمان من خيرات ربما لا يجدها العبد في سائر العبادات.

فالحج من أعظم العبادات تكفيرا للذنوب التي أثقلت كاهل المذنبين، وفيه تتجلى رحمة الله بالعاصين، الذين أقبلوا إلى بيته معلنين توبتهم، مستغفرين من حوبتهم، فيغدق الرحمن عليهم من مغفرته ورضوانه ما يجلعهم يرجعون أطهارا من رجس الذنوب كما ولدتهم أمهاتهم.
فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) [البخاري] أي رجع بغير ذنب، وظاهره غفران الصغائر والكبائر والتبعات، كما أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح [فتح الباري]
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك قال: فبسط، فقبضت يدي. فقال: ( مالك يا عمرو؟ ) قلت: أشترط قال: ( تشترط ماذا؟ ) قلت: أن يغفر لي. قال: ( أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله وأن الهجرة تهدم ما قبلها، وأن الحج يهدم ما قبله ) [مسلم]

والحج المبرور لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لابد أن يدخل الجنة كما قال صلى الله عليه وسلمك ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) [البخاري]
وبالحج تغسل الذنوب، ويفارق الفقر، فما أمعر حاج قط [أي ما افتقر ولا احتاج]، قال صلى الله عليه وسلم: ( أديموا الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد ) [الطبراني]

وعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ( تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة ) [الترمذي]

والحجاج والعمار وفد الله وفى ضمان الله عز وجل، فعن أبى هريرة رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ( ثلاثة في ضمان الله عز وجل: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله، ورجل خرج غازيا في سبيل الله تعالى، ورجل خرج حاجا ) [أبو نعيم]. وقوله ( في ضمان الله عز وجل ) أي في حفظه وكلاءته ورعايته، فمن كان الله معه فأي شيء عليه ؟!

وعن ابن عمر رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: ( الغازي في سبيل الله عز وجل والحاج والمعتمر وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم ) [ابن ماجة] ومقصود الحديث بيان أن الحاج حجا مبرورا لا ترد دعوته ولو لم يكن للحاج من حجه إلا هذه لكفته.
وحين يفقد المسلم القدرة على الجهاد لضعف جسدي أو مادي أو حين يغلق باب الجهاد في فترة من الزمان فالحج شعبة من شعب الجهاد وباب الجهاد البديل لتحصيل تلك المثوبة التي جعلها الله تعالى للمجاهدين، فعن الحسن بن على رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني جبان وإني ضعيف. فقال صلى الله عليه وسلم: ( هلم إلى جهاد لا شوكة فيه، الحج ) [الطبراني]
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ فقال: ( لكن أفضل الجهاد حج مبرور ) [البخاري] يعنى أفضل جهاد النساء.

أكرم بالحج عبادة تحط الخطايا حطا، وتغسل الذنوب غسلا، وتقرب من رب العالمين، وهل بعد كل هذا الخير عذرا لمن وجد السبيل فأعرض ،  ذاك محروم من الخير!

 

مواد ذات الصله



تصويت

أعظم الخذلان أن يموت الإنسان ولا تموت سيئاته، وأعظم المنح أن يموت ولا تموت حسناته، في رأيك ماهي أفضل الحسنات الجارية فيما يلي؟

  • - بناء مسجد
  • - بناء مدرسة
  • - بناء مستشفى
  • - حسب حاجة المكان والزمان
  • - لا أدري