الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل يزور البابا قبر صلاح الدين ويعتذر له عن الحروب الصليبية

/content/img/logo.png
5367 0 535
هل يزور البابا قبر صلاح الدين ويعتذر له عن الحروب الصليبية
بعد زيارته المزمعة للمسجد الأموي الكبير في دمشق؟

ماذا تعني زيارة «البابا» يوحنا بولس الثاني إلى المسجد الأموي الكبير في دمشق؟ ولماذا كان يريد أن يؤدي صلاة «رسميّة» فيه؟ هل يريد أن يكون أول بابا في التاريخ يدخل المسجد الأموي؟ وماذا يعني ذلك في هذا الوقت بالذات؟ ولماذا يريد أن يكون لزيارته شعار هو «سوريا أرض المسيحيّة»؟.
«أعلن وكيل بطريركيّة الروم الكاثوليك في سوريا «ايزيدور باتيكا» أن الباب يوحنا بولس الثاني سيتوجَّه في السادس من مايو (أيار) المقبل إلى المسجد الأموي في دمشق، حيث سيزور ضريح القدّيس يوحنّا المعمدان (نبي الله يحيى) المدفون بداخله، ليصبح أول بابا في التاريخ يدخل إلى المسجد.
أضاف باتيكا، رئيس لجنة التحضير للزيارة البابوية إلى سورية في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس)، أن زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى المسجد الأموي ستكون مناسبةً لحدث «غير مسبوق»، سيتمثّل في إقامة صلاة مشتركة إسلامية ـ مسيحيّة تنظّم في هذه المناسبة.
وأضاف أنه ستكون أيضاً المرّة الأولى التي يُصلّي فيها مسيحيّون ومسلمون معاً بشكل منظَّم، إذ سيترأّس البابا الصلاة من الجانب المسيحي، ومفتي الجمهورية السورية الشيخ أحمد كفتارو من الجانب الإسلامي .
هذا ما نقلته الصحف المحليّة بدايةً عن زيارة البابا وبرنامجها الرئيسي، ومن الواضح أن تركيزاً كبيراً جداً، تكاد تكون الزيارة ملّخصة به ومقصودة له، وهو التركيز على زيارة «المسجد الأموي الكبير في دمشق».
والسؤال الملح هنا لماذا هذه الزيارة للمسجد الأموي بالذات؟ علينا أن نبحث من خلال استعادة ذاكرتنا بالجامع الأموي أولاً.
فالمسجد الأموي الكبير هو أول مسجد للإسلام أرساه العرب المسلمون خارج الديار المقدسة (الحجاز)، وهو بذلك يمتلك بداية رمزية لانطلاقة الإسلام في التاريخ من الجزيرة إلى العالم، وهكذا يمتلك المسجد الأموي الآن في عاصمة «بني أمية» (دمشق) مكانة روحيّة إسلامية كبيرة عربياً وإسلامياً، وبقي منذ تشييده حتى عهد قريب (منتصف الخمسينيات) قلب دمشق، تلتف حوله المدينة، وكما يقول الشيخ علي الطنطاوي: «كان مدرسة دمشق، فيه الحلقات يدرس فيها كل علم، وكان النادي الذي يُجمع فيه الناس كلما دهم البلدَ خطبٌ، وكان في عهد نشأتنا الأولى لبَّ دمشق، فكانت الدار القريبة هي القريبة من الأموي والبعيدة هي البعيدة عن الأموي» (الجامع الأموي، جدة، ط1، 1990م) كان معبداً منذ آلاف السنين، وكما يشير عبد القادر الريحاوي الآثاري المتخصص بالأموي كان معبداً منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد حيث عثر تحت صحن المسجد على آثار بنيان ترجع إلى ذلك التاريخ (جامع دمشق الأموي، ط1، 1996م).
أقيمت على هذه البقعة التي يحتلها المسجد الأموي اليوم المعابد العديدة، أقدم ما نعرفه عنها ـ كما يقول الدكتور الريحاوي ـ معبد نسب للإله «حَدَدْ» (إله العواصف)، أقامه أهل دمشق في العهد الآرامي في مطلع الألف الأول قبل الميلاد، وتلاه في عهد الرومان معبد نسب للإله «جوبيتير» (Jupiter Damascenien) وكان هذا المعبد، الذي ما تزال آثار منه باقيةً إلى اليوم في محلتي المسكيّة والنوفرة وغيرهما من الأحياء المحيطة بالجامع. يحتلُّ (المعبد) مساحة كبيرة من الأرض، بلغ طول سوره الخارجي (380) متراً، وعرضه (300) متراً. وكان المعبد الحقيقي مشيداً داخل هذا السور، فوق البقعة التي أقيم عليها فيما بعد الجامع الأموي، ويؤلف المعبد مستطيلاً طوله (156 متراً)، وعرضه (97 متراً) فقط، له في زواياه الأربع أبراج مربعة، ويحيط به من الداخل ـ كما يعتقد الدكتور الريحاوي ـ رواق على شاكلة معبد مماثل معاصر له ما يزال قائماً إلى اليوم في تدمر يسمى معبد «بِلْ» أي بعل.
وكان في وسطه معبد صغير هو الهيكل (Sella). وله أبواب أربعة، أفخمها الباب الشرقي، ولكن لم يبق منها سوى الباب الجنوبي الذي يشاهد خلف المحراب الكبير، تحوّل هذا المعبد، معبد جوبيتير الدمشقي بعد انتصار المسيحيّة على الوثنية في أواخر القرن الرابع الميلادي إلى كنيسة، فقد شيدت في داخله ـ أيام الإمبراطور «تيودوسيوس» ـ كنيسة حديثة على اسم القدِّيس يوحنا المعمدان.
وبالمناسبة: لأن المسيحيين يعتقدون أن «الله هو المسيح عيسى ابن مريم» أوبالآرامية «يسوع» فإنهم يعتبرون النبوات مكتسبة، وهي مفتوحة إلى يوم القيامة، ومن هنا فإن من القديسين من قد يصبح نبياً، والقديّس يوحنا المعمدان هو نبي عند المسيحيين أيضاً !!
حول قبر نبي الله يحيى (يوحنا المعمدان):
البابا سيزور - كما أُعلن - هذا القبر، وهو الحجّة التي يقدّمها لزيارة المسجد، وهنا لابدّ أن نقول بأن هذا القبر ـ كما هو معروف ـ مشكوك جداً في صحته، وبالرغم من أن ابن عساكر ينقل برواية لا تصح أنهم رأوا عند عمارة المسجد مغارة، فخبّروا بها الوليد، فنزل إليها، والشموع بين يديه، فوجد غرفةً صغيرة، ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع، فيها صندوق فيه سفط (قفّة) فيه رأس، سليم الجلدة والشعر، مكتوب عليه أنه رأس يحيى بن زكريا، فأمر بتركه على حاله، وجعل للعمود القائم على المغارة علامة تميّزه، وبقي كذلك فترة، ثم وُضع فوقهُ تابوت عليه اسم يحيى، رآه ووصفه ابن جبير في أواخر القرن السادس الهجري، وبعد ذلك تاريخ رحلة ابن بطوطة، ثم أقيمت هذه القبة في وقت لاحق كما يذكر علي الطنطاوي.
والظاهر أن هذا كان عند هدم الكنيسة التي ضمّت إلى المسجد كما سيأتي.. وبالرغم مما ذكره ابن عساكر فإن الوليد لم يتخذ عليه قبراً، ربما للشك في صحته، أو للنهي الوارد في الإسلام عن اتخاذ القبور مساجد. والثابت من تاريخ سيدنا يحيى بن زكريا عليه السلام ـ كما يقول الطنطاوي أيضاً ـ أنه كان على عهد المسيح عليه السلام ‎، وأن الإمبراطور الروماني أمر بقتله، وسلّم رأسه إلى الراقصة الفاجرة، فعبثت به، ولم يُعلم مصيره، فهو قد قتل في الأردن، قبل عمارة الأموي بنحو ستمائة سنة، فمن أين وصل الرأس إلى هذه المغارة؟ وكيف قطع هذه المسافة على الأرض، وفي الزمان، ثم استقر سليماً في هذا السفط؟
بل كيف دفن هنا وكان المسجد ما يزال معبداً وثنياً، ولم تبن عليه الكنيسة إلاّ بعد أربعمائة سنة! أيام الإمبراطور «تيودوسيوس»! إن عند المسيحيين أكثر من عشرين كنيسة [شرقية]، في كل منها قبر ليحيى عليه السلام! وفي قرية سبطيا قرب نابلس ، حيث قتل، قبرٌ له يقدِّسه المسيحيون!.
ليس لدينا حتى الآن دليلٌ على إثبات أن رأسه دفن هنا، ولدينا أدلة قويَّة على نفي ذلك.
- اقتسام المعبد أم اقتسام الكنيسة؟
عندما فتحت دمشق، دخل المسلمون «عنوة» بسيوفهم المعبد الكبير، الذي بنيت الكنيسة في إحدى جهاته الغربية الجنوبية، حيث دخل المسلمون من الجهة الشرقية، ويبدو أنهم في قتالهم تجاوزوا أرض الكنيسة من جهة شرقي المدينة كلها، ووصلت سيوفهم إلى أبعد منها في المعبد، وكان أبو عبيدة قد دخل «صلحاً» من باب الجابية الجهة الغربية، وأبرم عقداً مع أهل الشام ـ الذين كانوا مسيحيين آنذاك ـ بعد استلام المدينة يُنصُّ على أن يصبح للمسلمين ما وصل إليه السيف فيما فتح عنوةً، وما بقي فهو للمسيحيين ويطبق عليه أحكام الصلح.
وبالرغم من أن نص الاتفاق يجعل من حق المسلمين أن تكون الكنيسة لهم، إلاّ أنهم تركوهم وشأنهم ولم يهدموا الكنيسة، وبنوا مسجداً في الأرض المتبقية للمعبد القديم، بجوار الكنيسة، وهكذا فقد اقتسم العرب هذا المعبد الكبير مع المسيحيين خارج العقد الذي بينهم، وقد فهم الكثير من المؤرخين العرب وعلماء الآثار والمستشرقين خطأً أن الجامع الأموي ما هو إلاّ الكنيسة ذاتها مع شيء من التعديل والزخرفة أدخلها الوليد عليها، ومبعث الخطأ كله هو أن القدماء لم يميّزوا بين معنى المعبد والكنيسة، فقالوا باقتسام الكنيسة، وهم يريدون اقتسام أرض المعبد.
يؤكد الباحث المتخصص بشؤون المسجد الدكتور الريحاوي أنه بعد الدراسة وتمحيص الروايات العربية والأجنبية تبين أن الكنيسة كانت تحتل جانباً من أرض المعبد. ومكانها في الناحية الغربية منه. ولما دخل العرب المسلمون تركوا الكنيسة بكاملها للمسيحيين، وأقاموا مسجدهم الذي عرف بمسجد الصحابة في الجانب الشرقي من أرض المعبد، لأنه لا ينص أن يقتسم المسلمون الكنيسة ويصلّوا مع المسيحيين تحت سقف واحد!.
يؤيد هذا ـ حسب الباحث المذكور ـ قول المهلّبي «وبنى المسلمون الجامع إلى جانب كنيسة يوحّنا»، وقول راهب فرنجي يدعى «أركولفس» زار دمشق بعد الفتح بثلاثين عاماً، بأنه شاهد كنيسة (مسجداً) شيدها المسلمون اللامؤمنون (هكذا يسميهم لأنه مسيحي).
إن الذي يجعل هذه هي الصورة الأقرب للواقع الذي حصل في تاريخ المسجد الأول، وبأن مكان الكنيسة كان في الجانب الغربي، وبأن مكان المسجد في الجانب الشرقي إضافة إلى ما ذكر، هو أن الروايات التاريخية تواترت في أن دخول الناس من باب المعبد الجنوبي، ليتجه المسلمون يمنة أي نحو الشرق، إلى مسجدهم، ويتجه النصارى يسرة، أي نحو الغرب، إلى كنيستهم والباب الجنوبي ما زال على حاله إلى الآن!.
ووصفه الحالي يؤكد أن الكنيسة كانت صغيرة. فثلاثة أرباع المسجد هو شرقي الباب، وقبر نبي الله يحيى يقع في الثلث الشرقي الأخير للمسجد، أي يقع في المعبد الذي تحول إلى مسجد دون أن يكون يوماً ما داخل الكنيسة.
- بناء المسجد الأموي الكبير:
على هذه الأرض (أرض المعبد) التي أصبحت حقاً للمسلمين بعد الفتح عنوة (حسب قانون الحرب الذي كان متعارفاً آنئذٍ) كان المسلمون قد بنوا مسجدهم، وتركوا عن طيب خاطر كنيسة المسيحيين رغم أنها حقّ لهم، تماماً كما أخذ المسيحيون حقهم في بنائها على أرض المعبد من الوثنيين بعد انتصارهم عليهم.
كان المسجد في أقل من نصف مساحته الحالية (أي من باب النوفرة إلى ما قبل القبة)، وكما تشير الكتب التاريخية، وهذا يعني فيما يعنيه أن قبر نبي الله يحيى كان داخل المسجد.
ظل هذا التجاور في العبادة قرابة سبعين عاماً، وكان عدد المسلمين كما عدد سكان المدينة قد أصبح كبيراً خصوصاً وأن دمشق كانت عاصمة الخلافة الأموية، وكان التضايق من سماع النواقيس في المسجد يزعج المصلين، كما كان الآذان يزعج المصلين النصارى، وضاق المسجد بأهله فلم يعد عدد المصلين يتسع فيه. فلما كانت خلافة الوليد بن عبد الملك (1 شوال عام 86هـ ـ جمادى الثانية عام 96هـ) وجد الحاجة ملحة إلى إقامة جامع كبير، كما وجد في ذلك ما يليق بعظمة «الدولة» الأموية ويلائم حالة التطور الذي بلغه المجتمع الإسلامي.
فكرّ الوليد بضم هذه الكنيسة إلى المسجد، وقد كان الوليد باستطاعته أن يجبر النصارى على ذلك بالقوّة، لكنه في دين يحرّم ظلم الذّمي، وذي العهد، فلا يجيز له التعدّي ما لم ينقض العهد. وقد مرّ معنا في البداية كيف تم العقد، وكان الوليد يظّن وهو يفكّر في ذلك أن الكنيسة ليست من حق المسلمين، فمنذ استقرّت الشام للمسلمين، لم تُثر هذه القضية، ونسي المسلمون أنها كانت تدخل بالعهد إلى ملكهم.
ظنّه هذا جعله يدعو زعماء النصارى، ويعرض عليهم التنازل عنها مقابل أن يبني لهم بدلاً منها كنيسةً أعظم منها، فأبوا، فعرض عليهم أن يبني لهم أربع كنائس ويعطيهم أموالاً كثيرة، فأبوا، وقالوا نتمسّك بالعهد الذي كان بيننا وبينكم، فقال لهم إن العهد لا يجيز لكم بناء كنائس جديدة، وأنتم خالفتم العهد وأحدثتم كنائس جديدة، لم يكن في المعاهدة بناؤها، فأنا أهدمها، وعزم على ذلك، ولكنه كان بذلك يهددهم بالالتزام بالعهد، ولو هدمها لم تنفعه شيئاً في التوسيع، وهكذا أصبح الوليد مهموماً، وهو لا يملك في دين الإسلام أن يجبرهم على التنازل عنها.
دخل عليه أخوه المغيرة، فوجده على حاله هذه، فقال: مالك يا أمير المؤمنين؟ فخبّره، بما حدث، فقال أخرج العهد، فانظره ، كان يريد أن يجد في العقد ما عسى يحلّ له المشكلة، فلما أخرج العهد فنظر إليه، وجد أن القسم المفتوح عنوة من دمشق يمتدُّ إلى آخر الكنيسة، وذلك يعني أنها حق للمسلمين بنصِّ العهد.! (وهذا ما تجمع عليه الروايات التاريخية العربية). عندئذٍ ألف الوليد لجنةً مشتركة من المسلمين والمسيحيين لتقوم بمسح الأرض التي تدخل في العهد حقاً للمسلمين، فظهر أن الكنيسة كلّها من حق المسلمين، وأنها تدخل في المسجد!.
عاد الزعماء إلى الوليد فقالوا: يا أمير المؤمنين، كنت أقطعتنا أربع كنائس، وعرضت علينا من المال كذا وكذا.. فإن رأيت أن تتفضّل به علينا. امتنع الوليد أولاً، فهو ليس ملزماً إلاّ بنص العهد الذي احتكموا إليه، وبناءً على طلبهم. غير أن الوليد ما لبث أن جبر خواطرهم فأعطاهم الكنائس الأربع، وبنى لهم كنيسة ماريوحنّا الكبرى.
وهدمت الكنيسة، وشارك في هدمها عمال من اليهود، لا حباً في المسلمين، ولكن كرهاً في النصارى المسيحيين، كما يقول الشيخ علي الطنطاوي . ويروي ياقوت الحموي (صاحب كتاب «معجم البلدان») أنه تم نقضُ الحيطان وإعادة بناءها على أساسٍ جديد، فحفر له حتى بلغ الماء. ويبدو أن كلام ياقوت الحموي صحيح ولكن في جدران الكنيسة والمسجد الداخلية، فما تزال الجدران الخارجية جدران المعبد الوثني «جوبيتير» بكل تأكيد.
ويشير البعض إلى أن ما تم هدمه هو كل الجدران الداخلية للمعبد التي تتضمن فيما تتضمنه منشآت رومانية وبيزنطية.
وروي أن إمبراطور القسطنطينية سمع بذلك، وأراد أن يصرف الوليد عن عمارة المسجد، فكتب إليه: «إن كان هدم الكنيسة حقاً وصلاحاً، ولم يفعله أبوك، إنه لوصمةٌ عليك» فلما ورد الكتاب على الوليد، قعدَ يفكّر في جوابه، فدخل عليه الفرزدق، الشاعر المعروف، فقال له: جوابه حاضر يا أمير المؤمنين، قوله تعالى {ففهمناها سليمان، وكلاً آتينا حكماً وعلماً}، أي أنها من فهم وعلم الوليد الذي يوازي فهم وعلم والده عبد الملك، وكل له رأيه.
ويروي ابن الفضل العمري (ولد سنة 700هـ) أن الوليد تصالح أيضاً مع ملك القسطنطينية على «دية»، فصالحهم عليه بنصف كنيسة مريم التي كان معروفاً أنها تدخل بالعهد في حق المسلمين.
إذا كان هذا شأن التاريخ الذي يشير إليه المسجد العظيم، فإنه بات واضحاً أن زيارة البابا، وإصراره على هذه الزيارة للمسجد تريد إحياء ذكرى الكنيسة التي كانت قبل أن تضم إلى الجامع، وهو بهذا يذكي روح طائفية لا يعيشها أهل الشام ولم يذكر في تاريخهم أنهم عاشوها.
وبالتالي فهذه الزيارة تحمل غايات مبيتة غير حسنة، بالرغم من أن ظاهر الزيارة ليست إلاّ زيارة قبر «يوحنا المعمدان» (قبر نبي الله يحيى بن زكريا)، هذا في وقت تتصاعد نقمة المسيحيّون الموارنة في لبنان عبر زعيمهم الديني البطريرك (نصر الله صفير) على الوجود السوري في لبنان ، الأمر الذي يهدد باشتعال أزمة طائفية لا يُعرف نهايتها ونرجو الله أن لا تحدث.
على كل حال شعر المسؤولون السوريون بالحرج من هذه المسألة، وخصوصاً أن البابا (كما قيل) سوف يقيم موكباً احتفالياً ضخماً، وصلاةً «هائلةً»، وطقوساً ضخمة في حرم الجامع، ولا يغيب عن المسلمين ولا على المسؤولين السوريين المسلمين ثقل هذه الزيارة التي تمثل اقتحاماً تاريخياً لحرمة المسجد، تحيي معها ذاكرة مهترئة منذ مئات السنين تقول إن في المسجد كنيسة ضمت إليه، أو ربما يقال تضخيماً (في الأوساط الإلكيريكية) إن المسجد كان كنيسةً.
لقد لفت الأنظار أن ثمة نشاطاً مسيحياً حول «حوار الأديان» و«الإخاء الديني» بدأ ينتشر منذ نصف عقد في المدن السورية، وقد تصاعد بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة، مما يعني أن ثمة إعداداً طويل المدى لهذا «الاقتحام»، الذي سيقوم به البابا للمسجد، في محاولة «لتمرير» الزيارة على المسلمين دون ضجّة.
حرج السوريين بدا واضحاً، أو ربما ( أقول ربما ) كان كذلك تخوف المسيحيين من عدم قبول هذه الشكلية المهولة للزيارة، حين عولج هذا الاقتحام باعتماد الشيخ كفتارو (مفتي سورية) ليقوم بصلاة مشتركة (لا نعرف كيف هي؟!) ترطيباً للأجواء، وتغطيتها بغطاء «التسامح الديني» عولج خطأً.
في (15/ آذار) الجاري نقلت صحيفة الثورة استقبال وزير الإعلام محمد عمران لوكيل بطريركية الروم الكاثوليك، وفي الخبر ، الإعلان عن أن البابا لن يقيم صلاةً جماعية، وأنه سوف يزور المسجد «كمعلم تاريخي» وحسب، في زيارةٍ صامتة.
لقد كان هذا الخبر ساراً بعض الشيء، وقد وضح أن تصريحات وكيل البطريريكية لم تعد صحيحة على الأقل، إن لم تكن في «الأصل» غير صحيحة. كما أنها أكّدت أنها من بنات خيال الزعماء الدينيين، وأن السياسيين هنا في سوريا على وعي بخطورة هذا «الخيال» فيما لو صار واقعاً!.
إضافة إلى ذلك الخبر المذكور في صحيفة الثورة الرسمية، فإن الخبر نفسه يتضمن أن «البابا» عندما يزور المسجد سيكون في لقائه عدد من الشيوخ وعلماء الشام، سيلتقون معه في صحن الجامع!.
قد يكون هذا حسناً، وأكثر ضماناً «للخيال» من أن يصلوا معه!، وخيراً من أن يستفرد بالزيارة، لأنها حينئذٍ ستكون بمثابة «إعلان رسمي» للانتزاع المسيحي! إن الوحدة الوطنية في سوريا مكسب تاريخي، يجب محاربة كل ما يؤدي إلى تفتيتها و«السلم الطائفي» قضية لا ينبغي المساس بها، ومن هذا المنطق فإننا نحذّر من هذه الزيارة حرصاً على الوحدة الوطنية، ونأمل أن لا تكون للمسجد وإذا كانت (ونسأل الله أن لا تكون) فإننا نرجو أن يحقق المسؤولون السوريون أمنيتنا التي أطلقها قبلنا غسان الإمام في صحيفة الشرق الأوسط (13/ آذار) في دعوة البابا يوحنّا بولص الثاني «إلى زيارة الضريح البطل صلاح الدين الأيوبي القائم في لصق أحد جدران المسجد الأموي، ولن تثقل الأمتار القليلة، التي تفصل بين ضريح [النبي يحيى بن زكريا] يوحنا المعمدان وضريح صلاح الدين، صحة البابا الواهنة.
... المارشال الإنكليزي الآنبي عندما احتل فلسطين عام 1917م أعلن في القدس «اليوم انتهت الحروب الصليبية»،.. والجنرال الفرنسي غورو عندما احتل دمشق عام 1920م اقتحم ضريح الأيوبي شاهراً سيفه وصائحاً: «ها قد عدنا يا صلاح الدين»، ولعلّ البابا يعود إلى دمشق ليتذكر أيضاً، لكن ليعتذر لصلاح الدين محرر القدس، وليعتذر لدمشق التي كابدت الآلام والأهوال نحو ثلاثة قرون صامدة في وجه الغزوة الصليبية تلو الغزوة الصليبية، بل من الواجب على البابا أن يعتذر عن الغزوات الصليبية التي جيّشها وحرص عليها أسلافه، بابوات روما، تلك الغزوات التي روّعت الوطن العربي ودمَّرت حضارته، واستنزفت وهج وعطاء عروبته... [هذا البابا الذي اعتذر لليهود الذين يذبّحون أهلنا في فلسطين، بل وصل به الأمر إلى تعديل الإنجيل نفسه جبراً لخواطر اليهود الذين يعتقد المسيحيون أنهم قتلة «يسوع» (المسيح عيسى ابن مريم)] لخير العرب والمسلمين أن يستغل بابا روما الحرية الدينية في سوريا ـ رابع صروح الإسلام ـ [لا لزعزتها وإلهاب الطائفية بل] ـ بتواضع وتسامح مسيحي مؤمن، مستغنياً عن اقتحامه في موكب احتفالي، لكيلا يستفز مشاعر دينية عربية مسلمة، ولكيلا يوقظ ذاكرة التاريخ القصي، ولكيلا يؤجج غرائز منطقة توغل أكثر فأكثر في تزمتها وتعصبها».
وحسناً فعل مفتي الجمهورية في تصريحه للصحف الرسمية السورية (16/ آذار) بأنه لن يصلي صلاة جماعية، منتقداً هذه الأكذوبة التي يبدو واضحاً أنها من خيال بعض الإكليريكيين المتعصبين، حيث أكد المفتي (الشيح أحمد كفتارو) استغرابه أن تكون الوحدة الوطنية مرهونة بصلاة جماعية لا تجوز أصلاً!. إن المسجد الأموي ليس ملكاً للسوريين وحدهم، ولا للعرب إنه ملك للأمة، لكل المسلمين، ومسؤولية الحرص عليه مسؤولية العالم الإسلامي برمته؛ لأنه يمثل تاريخه.

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.