الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

طيار فلسطين

طيار فلسطين
2331 0 405

شكل اغتيال الموساد الإسرائيلي للعالم التونسي محمد الزواري مفاجأة للكثير من المتابعين، وشكل إعلان كتائب القسام أيضا بأن الشهيد أحد قادة مشروع طائرات (أبابيل) التي كان لها دور بارز في العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة مفاجأة أخرى لا تقل عن الأولى، فأن يكون تونسي قائدا في الثورة الفلسطينية ليست مفاجأة كبيرة، ولكن أن يختار المخاطرة بحياته في مهمة يهرب منها الكثيرون في عصر الانكفاء والتحوصل والطلاق مع قضية الأمة الأولى، فهذه مفاجأة وأية مفاجأة.

فقد كشف الاغتيال عن حجم تجسيد البعدين العربي والإسلامي ودورهما الرئيس في عمل المقاومة الفلسطينية، وأظهر أيضا أن الدور العربي والإسلامي تجاوز مراحل التعاطف والدعم المالي إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير.

ويظهر هنا حجم التصميم والإخلاص والتخطيط والاهتمام بتصنيع احتياجات المقاومة بدلا من استيرادها من الدول والتنظيمات والعالم السفلي عبر شبكات التهريب حول العالم، وما يمكن أن يتخللها من مجازفات أمنية خطيرة، فقد دفع القسام أثمانا كبرى في هذا الإطار عند اغتيال أحد القادة الكبار في القسام (نضال فرحات) الذي اغتيل عندما اشترى طائرة شراعية للقيام بأعمال مقاومة من خلالها خلال انتفاضة الأقصى.

من الواضح أن الاهتمام القسامي بتنفيذ فكرة تصنيع طائرة بلا طيار لخدمة مشروع مقاومة الاحتلال لم يكن وليد اللحظة، فقد ذكرت تقارير إعلامية أن جهاز أمن الدولة المصري اعتقل أحد قادة الإخوان المسلمين في مصر، كان على علاقة بمحاولة نقل تصاميم لتصنيع طائرة بدون طيار للمقاومة الفلسطينية، قبل سقوط الرئيس المصري السابق حسني مبارك بسنوات.

كانت كتائب القسام تتجنب الإعلان مباشرة عن تجنيدها لغير فلسطينيين نفذوا عمليات ضد الاحتلال، وتؤجل الإعلان عن أسمائهم أو انتمائهم أو عن وقوفها خلف تلك العمليات، مثلما جرى مع مصريين وباكستانيين وأردنيين أيضا، ولكن في حالة الشهيد التونسي محمد الزواري فقد شكل الإعلان أمرا جديدا في الخطاب الإعلامي العسكري والأمني للمقاومة الفلسطينية، من حيث سرعة الإعلان والانتماء وعن طبيعة الدور.

فربما يريد القسام أن يقول: إن ما يملكه من سلاح نوعي عائد لتنوع واسع من الروافد العربية والإسلامية والفلسطينية وربما من آخرين أيضا، وأن تزويده بالسلاح والخبرات ليس مرتبطا بدول ومنظمات تربط دعمها بتبني المقاومة الفلسطينية بمواقف سياسية، وربما تكون هذه أهم رسالة ترسلها المقاومة الفلسطينية في ظل جنون الدم والموت والنار والدمار في المنطقة، رسالة تقول من خلالها لجميع الأطراف: إنها لن تكون ورقة تغسل من خلال استخدامها بعض الأطراف يديها من دماء مئات الآلاف من القتلى الأبرياء الذين تسحقهم ماكينة الموت الطائفية الشعوبية، التي يساعدها في ذلك التواطؤ والمشاركة الدولية والخذلان العربي والإسلامي.

ربما يكون هناك توجه جديد لحركة "حماس" لاستيعاب أكبر لخبراء ولعاملين في صفوفها من غير الفلسطينيين، وربما يكون هذا الإعلان وما يرافقه من تكريم واضح ومميز للشهيد الزواري عبارة عن دعوة شبه صريحة في هذا الاتجاه.

فمن الواضح أن الشهيد الزواري له احترام وتقدير كبير في صفوف قادة المقاومة الفلسطينية كصاحب دور مركزي في تطوير الطائرات وربما غير ذلك من أعمال التطوير، فالتقارير الصحفية تتحدث عن سفرياته الكثيرة حول العالم، وهذا ربما يكون نابعا من دور أكبر من قضية تصنيع الطائرات، وربما يكون له دور في إمداد المقاومة الفلسطينية بالسلاح عبر العالم، بل هناك تقارير تتحدث عن جهده في تطوير غواصة غير مأهولة مسيرة عن بعد.

اختار الموساد اغتيال الزواري بطريقة صاخبة لتحقيق أهداف إعلامية ودعائية كبرى للمس بمعنويات حركة "حماس" في ذكرى انطلاقتها، فقد كان يستطيع تنفيذ الاغتيال بطريقة صامتة أو اختطافه بطريقة غامضة، ولذلك كان رد القسام الإعلامي بطريقة غير مألوفة، وأظهر احتفاء يظهر القيمة الكبيرة للزواري بالنسبة للمقاومة الفلسطينية.

ربما أرادت كتائب القسام أن تقول من خلال إعلانها بأن البوصلة الصحيحة للأمة تكمن في الاتجاه نحو فلسطين، واختيارها للتوقيت الاستثنائي للإعلان له دلالات واضحة بأن بوصلتها وبوصلة كل من يتبنى نهجها لن تكون إلا باتجاه فلسطين، وأن برنامجها وجهدها لن يكون إلا باتجاه تحرير القدس.

تظهر طبيعة الاغتيال أن الزواري كان متابعا من أكثر من جهة مخابراتية، خاصة وأنه كان ملاحقا قبل الثورة من مخابرات زين العابدين بن علي التي كانت على صلة وثيقة بالموساد، بالإضافة إلى أنه كان معروفا إعلاميا فيما يخص جهده في تطوير الطائرات بلا طيار في تونس، ولكن من الطبيعي لأي متابع لهذا الشأن أن يتوقع تحقيقا بالغ العمق في تفاصيل الاغتيال وكيف استطاعت أجهزة مخابرات معادية الوصول إلى الزواري واغتياله.

كان للشعب التونسي دور واضح في دعم الجهد الثوري الفلسطيني عبر تاريخ المقاومة الفلسطينية، واستضافت تونس قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بعد حصار بيروت، واستشهد في تونس عدد من قادة الثورة الفلسطينية على يد الأذرع العسكرية والمخابراتية للاحتلال الإسرائيلي، وشارك عدد كبير جدا من الشباب التونسيين في الثورة الفلسطينية، ولا زال الشعب التونسي يحتفظ بمشاعر فياضة تجاه فلسطين وقضيتها ومقاومتها، بل كان رفع العلم الفلسطيني من أبرز مظاهر الثورة التونسية، ومن الواضح أن دور الشهيد الزواري _من خلال ما يرشح عبر الإعلام_ لم يكن هامشيا في المقاومة الفلسطينية، فكان هذا التكريم رسالة امتنان من الشعب ومن المقاومة في فلسطين لتونس وللتونسيين وللشهيد الطيار محمد الزواري، الذي بات كل فلسطيني ينظر له بصفته طيار فلسطين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المركز الفلسطيني للإعلام

مواد ذات الصله



تصويت

التيسير معلم من معالم الشريعة ومقصد من مقاصد الإسلام "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" وما خُيّر الرسول صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما. ترى ما السبب في ميل بعض الناس إلى التشدد والغلو؟

  • الجهل
  • تلبيس الشيطان
  • طبائع شخصية ونفسية
  • كل ما سبق