الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل نعيش عصر الاكتئاب؟

  هل نعيش عصر الاكتئاب؟
1679 0 414
 
لم يعد المرء بحاجة إلى المزيد من الدلائل على صدق وصف عصرنا الحالي بأنه عصر الاكتئاب النفسي، وذلك مقارنة بما أطلق عليه في الماضي"عصر القلق" وهو الفترة التي سبقت وصاحبت ثم تلت الحرب العظمى الأخيرة.
ولقد شهدت الحقبة الأخيرة مع بداية النصف الثاني من هذا القرن زيادة مطردة في انتشار حالات الاكتئاب في كل أنحاء العالم، ولدى شرائح واسعة في المجتمعات المختلفة، من الرجال والنساء، وفي كل الأعمار من شيوخ وشباب وحتى الأطفال.

ولكن ما هو الاكتئاب؟
يجب في البداية أن نجيب عن هذا التساؤل بشأن تعريف الاكتئاب، والواقع أنه من الحكمة ألا نندفع بسرد ما تذكره الكتب والمراجع من تعريفات علمية دقيقة وضعها المتخصصون، وصاغوها في عبارات ومصطلحات تحتاج بدورها إلى الشرح والتفسير، فنحن حين نتحدث عن الاكتئاب إنما نذكر شيئاً يعرفه جيداً كل الناس، أما إذا حاولنا وضع تعريف محدد علمي فإننا في هذه الحالة نكون كمن يتحدث عن أشياء يفهمها الجميع جيداً بكلمات لا يعرفها أحد.
والاكتئاب هو - بغير شك- أكثر الظواهر النفسية شيوعاً، فأغلب الظن أن أياً منا قد تملّكه في وقت من الأوقات شعور بالحزن أو الضيق، أو قد أحس باضطرابات في نمط ممارسته لأنشطته المعتادة كالعمل والنوم وتناول الطعام، وإن ذلك في الغالب من علامات الاكتئاب النفسي، غير أن هناك خطأ شائعا يقع فيه عامة الناس حيث يتوقعون أن الشخص لا يعاني الاكتئاب إلا إذا كان في حالة من الحزن والأسى الشديد تبدو للجميع، فإن لم يكن الأمر كذلك فإنه في مفهوم عامة الناس لا يعاني الاكتئاب، ولا ينطبق ذلك على العامة وحدهم ، بل يمتد إلى الأطباء أيضًا، والواقع أن مظهر الحزن وحده ليس مرادفاً للاكتئاب في كل الحالات، بل قد تظهر أعراض أخرى مختلفة تخفي هذا المظهر للاكتئاب.

الفرق في المشاعر
ومن ناحية أخرى فإن هناك فرقًا بين مشاعر الحزن التي يشعر بها أي منا كرد فعل طبيعي لموقف يتطلب ذلك ، مثل وفاة عزيز أو التعرض لحادث، وبين الاكتئاب كاضطراب نفسي، ولو تم الخلط بين الحالتين فإنه ما من إنسان على وجه الأرض إلا وقد تعرض لهذه التجارب الأليمة، ولكن لا يمكننا الادعاء بأن كل الناس قد أصيبوا بالاكتئاب لمجرد معاناتهم في وقت من الأوقات من هذه التجربة.
ولنحاول مرة أخرى أن نعرّف الاكتئاب من خلال نقيضه، وهو السعادة حيث تعني ذلك "الشعور المحبب إلينا والذي يتضمن الرضا عما حولنا" ولكن الشعور بعدم السعادة أيضاً انفعال طبيعي، ولا يعني بحال وجود الاكتئاب ، بل لا نستطيع أن نعتبره ظاهرة مرضية.
وتستخدم الكلمة المقابلة للاكتئاب في اللغة الإنجليزية وهي Depression على نطاق واسع للتعبير عن معان أخرى غير مرض الاكتئاب النفسي، فهي تحمل عند استخدامها معاني مختلفة في علم الاقتصاد، وعلوم الأرصاد الجوية، وعلم وظائف الأعضاء، أما في الطب النفسي، وهذا هو موضوع حديثنا الآن، فإن لمصطلح الاكتئاب أكثر من معنى، ربما تشابهت، ولكنها لا تتطابق تمامًا، فالاكتئاب أحد التقلبات المعتادة للمزاج استجابة للمواقف الأليمة التي نصادفها، وهو أحيانًا علامة من علامات مرض ما، بل هو موجود في الغالب لدى كل المرضى أيا كان المرض الذي يعانونه، فمقولة "كل مريض مكتئب" لها نصيب كبير من الصحة، أو كل مريض يجب أن يكون كذلك، والمفهوم الأهم للاكتئاب هو أنه حالة من الاضطراب النفسي وهو موضع اهتمامنا.
ومن واقع مفهوم الاكتئاب كحالة اضطراب نفسي مرضي، فقد شهدت الحقبة الأخيرة زيادة هائلة في حدوث هذه الحالات في كل أرجاء العالم، فمن واقع إحصائيات عالمية متعددة تبين أن ما لا يقل عن مائة مليون شخص يصابون بالاكتئاب كل عام في مختلف البلدان، وذكرت تقارير لمنظمة الصحة العالمية أن من 2% إلى 5% من سكان العالم يعانون حالة شديدة أو متوسطة من الاكتئاب، أي لدينا حوالي 300 مليون من البشر في حالة اكتئاب نفسي، ألا يكفي ذلك دليلاً على أننا نعيش الآن بالفعل "عصر الاكتئاب".

كابوس عالمي
ولعل أبرز تعبير عن هذه الحقيقة هو قول "ميلاني كلاين" (من أشهر علماء الطب النفسي) : إن المعاناة التي تسببت للإنسانية من آثار الاكتئاب النفسي تفوق تلك التي نتجت عن بقية الأمراض الأخرى مجتمعة، وفي هذا السياق نطرح سؤالاً مهماً هو:

كم يتكلف مريض الاكتئاب النفسي؟
وقبل أن أحاول الإجابة عن هذا التساؤل فإنني أوضح أن المقصود بالتكلفة هنا ليس التكلفة المادية فحسب، بل تشمل كذلك أبعادًا اجتماعية وصحية ونفسية أيضا، فقد ثبت أن مرضى الاكتئاب النفسي، خصوصًا المزمن منه، هم من أقل الفئات إنتاجية في العمل، وأكثرهم استهلاكاً للخدمات الطبية دون طائل، كما يشكل مريض الاكتئاب عبئًا على كل من حوله، حيث يؤثر سلباً في أفراد أسرته، ويمتد تأثيره إلى أصدقائه، وإلى زملاء العمل، بل حتى إلى الطبيب المعالج، ولنا أن نعلم أن الحياة برفقة مريض الاكتئاب هي بكل المقاييس محنة وتجربة سيئة لا يمكن أن ينبئك بقسوتها إلا من عايشها بالفعل.
واستكمالاً للإجابة عن تكاليف مريض الاكتئاب وأعبائه علاوة على العبء الاقتصادي والاجتماعي والصحي، هناك السنوات الطويلة من المعاناة واليأس القاتل في هذا المرض، وهناك خطر التعرض لأمراض أخرى ثبت علاقتها بالاكتئاب، ربما من خلال ما يحدث من تأثير سلبي على مناعة الجسم مثل أمراض القلب والسرطان، بل إن الاكتئاب قد يكلف الإنسان حياته إذا أقدم على التخلص من معاناته بالانتحار.

عصر الاكتئاب
وهنا ما يدفع على الاعتقاد بأن انتشار الاكتئاب يفوق كثيراً كل ما ذكر من أرقام مهما كانت هائلة، فالحقيقة الثابتة أن هناك في مقابل كل حالة حادة أو متوسطة من الاكتئاب يتم التعرف عليها، يوجد العديد من الحالات الأخرى تظل مجهولة، وتبقى بمنأى عن التشخيص والعلاج، وقد ثبت ذلك من خلال دراسات ميدانية أكدت وجود الاكتئاب والميول الانتحارية في شرائح من عامة المجتمع، وفي أناس يبدون وكأنهم طبيعيون وأسوياء.
ومن علامات "عصر الاكتئاب" أيضاً وجود أسباب عديدة تدفع إلى التنبؤ بزيادة أعداد البشر الذين يعانون حالة الاكتئاب النفسي، من ذلك أن الإنسان يعيش اليوم في بيئة اجتماعية سريعة التغيير، وما يحدث على مستوى الكرة الأرضية من فقد للاستقرار، والتفكك الاجتماعي الذي يصاحب التقدم الحضاري، ومنها أيضاً زيادة حدوث الأمراض العضوية واستخدام الأدوية المختلفة بما لذلك من علاقة بحدوث الاكتئاب، وكذلك تقدم وسائل الرعاية الصحية الذي نتج عنه زيادة متوسط العمر وهذا في حد ذاته يبدو ميزة طيبة، غير أنه يتضمن زيادة فرصة التعرض للاكتئاب في السن المتقدمة.
ــــــــــــ
*استشاري الط

مواد ذات الصله



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق