الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم

3656 0 560
لولا الحب على أعتاب النبي&61541; يقف المسلم المعاصر تتجاذبه الأفكار... ويمنعه الحياء أن يدخل.. ونظرة بسيطة إلى حال أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد ترده تسبقه العبرات
وأنا محزون...
لا أطيق البعد عن المصطفى    ويمنعني ما أري من أحوالنا
ماذا أقول لربي حين يسألني       عن الشريعة لم نحى معانيها
ومن يجيب إذا قال الحبيب لنا          ضيعتموا سنتي والله محييها
ورغم ما نحن فيه من وهن يدفعنا الحب أن نتسلى بذكراه... وعسى أن يكون فينا صاحب هم أثقله الهم... فتحيل الذكرى همه عزماً.. وتشدو مع الشادي:
حبيبي يا رسول الله:
لغة الكلام على فمي خجلي   ولولا الحب.. لم أتكلم

عندما جاء الفيل

تتهادى مسيرة التوحيد في جوف الزمن منذ أن &61481;أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا.&61480;(الأعراف:172)
وعجيب حال ابن آدم مع ربه تبارك تعالى .. فما أن يمر الزمن حتى ينسى ويبعد... فيبعث الله تعالى له الرسل :&61481; مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ&61480; (النساء:65)

ويتولى لواء المسيرة رسول، بعد رسول ونبي بعد نبي، هؤلاء العظماء من الذين فاقوا البشر بالصفات الحميدة، والسير، العطرة، والمواقف المبهرة، ثم توج الله تعالى ذلك كلمه بأن اصطفاهم على العالمين، بأن حملهم إبلاغ الناس بموعود الله... ووضع أقدامهم على الصراط المستقيم
وسنظل نذكرهم ونستهدي بهم.. وُيَذكِّر الله نبيه والمؤمنين بهم أعلام هدىً ومنارات رشاد.

&61481;إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأَوْحَيْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وعِيسَى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهَارُونَ وسُلَيْمَانَ وآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً (163) ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً&61480; (النساء: 163،164)

ودعوة التوحيد التي جاء بها الرسل ليست مجرد علاقة مع الله عز وجل وإنما هي منهج حياة يعيش به البشر، أملاه آدم عليهم منذ أول يوم، ولم يحد عنه نبي بعده، يتلخص في:

ـ علاقة جيدة مع الله نعبده ونوحده ولا نشرك به شيئاً..
ـ وعلاقة جيده مع النفس: نرعاها ونُزَكِّيها..
ـ وعلاقة جيدة مع الناس: لا نتظالم، ولا نتعادى، ولا يبغي بعضنا على بعض..

وانحرفت البشرية بعد آدم

وظلت كوكبة الأنبياء المذكرين والمنذرين تمر جيلاً بعد جيل... ولا تزال البشرية تنحرف عن السبيل، ويصل قمة الانحراف أن يتخذ البشر أصناماً آلهة من دون الله...

وجاء نوح عليه السلام:
&61481;قَالَ يَا قَوْمِ إنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأَطِيعُونِ&61480; (نوح: 2،3)
فكذبوه بعد أن دعاهم ألف سنة إلا خمسين عاماً

&61481;قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ&61480; [هود: 32]
ويرسل الله تعالى جنوده من الماء، طوفاناً ينظف الأرض من أدران الشرك

&61481;مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً&61480; (نوح: 25)

وترسو سفينة المؤمنين مع نوح لتبدأ القصة من جديد
وتنتشر البشرية في أرجاء الأرض، يلاحقها الشيطان فيغويها عن صراط الله المستقيم، ويرحم الله بني آدم بالأنبياء، كل نبي يبعث إلى قومه.. فهذا صالح وقومه ثمود ، وهود وقومه عاد.. وشعيب مع أصحاب الأيكة... 

&61481;واتَّخَذَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ خَلِيلاً&61480;

ومن الشرق يأتي مهاجراً بعد أن دعا قومه فكذبوه وألقوه في النار، فجعلها الله له بردًا و سلاماً &61481;وأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ (70) ونَجَّيْنَاهُ ولُوطاً إلَى الأَرْضِ الَتِي بَارَكنا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ&61480; (الأنبياء: 70،71)
ويسكن في مدينة القدس مع زوجته سارة... حيث تستمر رحلة التوحيد من جديد.. وإلى مصر يهاجر حيث يدعو ملكها فلا يستجيب له.. ويهم بزوجته الطاهرة سارة، حتى يرد الله كيده عنها.. ويعود مع سارة وهاجر المصرية.. التي تهبها سارة له... ويأذن الله لإبراهيم أن يكون له ولد... فتنجب هاجر إسماعيل، ثم تنجب سارة إسحاق، ويرفع إبراهيم يده لله الكريم، شاكراً: &61481;الحَمْدُ لِلَّهِ الَذِي وهَبَ لِي عَلَى الكِبَرِ إسْمَاعِيلَ وإسْحَاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ&61480; (إبراهيم: 39)
وبوادٍ غير ذي زرع، وفي أعماق الصحراء يترك إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه هاجر، وبعد أن يغيب عن نظرهما يرفع يديه إلى ربه :&61481;رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ&61480; (إبراهيم: 37)

ويستجيب الله تعالى لخليله.. فيفجر زمزم تحت قدمي الرضيع إسماعيل، وتهوى أفئدة قبيلة جرهم العربية إليهم.. وينمو فيهم إسماعيل، حيث تتوالى أوامر الله لنبيه إبراهيم، ليمهد للتوحيد في الأرض

&61481;وعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وإسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والْعَاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ&61480; (البقرة: 125)

ويرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت؛ ليكون للتوحيد علم في الأرض، تحج إليه قلوب المؤمنين قبل أجسادهم: &61481;إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وهُدًى لِّلْعَالَمِينَ&61480;
(آل عمران: 96).

ويرتفع نداء إبراهيم: [ أيها الناس : إن الله بنى بيتاً، ويأمركم أن تحجوا إليه ].
ويحمل لواء التوحيد حول البيت إسماعيل .
&61481;واذْكُرْ فِي الكِتَابِ إسْمَاعِيلَ إنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وكَانَ رَسُولاً نَّبِياً (54) وكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكَاةِ وكَانَ عَندَ رَبِّهِ مَرْضِياً&61480; (مريم: 54،55)

ويتزوج من قبيلة جُرهم العربية، ويعيش نسله في رحاب البيت يستقبلون ضيوف الرحمن من الحجيج.

المسلمون

إنهم أتباع إبراهيم عليه السلام &61481;:مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ&61480; (الحج: 88) 
وكان دعاؤه عليه السلام أن يجعله وذريته من المسلمين :
&61481;رَبَّنَا واجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ&61480; (البقرة: 128)
وأصبح المسلمون هم أتباع التوحيد بعد إبراهيم، ويحمل لواء النبوة في الناس إسماعيل وإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب..

&61481;ووَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأَنتُم مُّسْلِمُونَ&61480; (البقرة: 132)

بنو إسرائيل

ويختار الله نبيه يعقوب لتكون النبوة في نسله، ويسميه إسرائيل &61533;: ومِن ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ وإسْرَائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنَا واجْتَبَيْنَا إذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وبُكِياً&61531; (مريم: 58)

ويُحَمِّلُهم سبحانه وتعالى أمانة التوحيد في الأرض، وأن
يكونوا مسلمين لله، حيث علمهم مفردات الإسلام وقواعده:
&61533; وإذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلاَّ اللَّهَ وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً وذِي القُرْبَى والْيَتَامَى والْمَسَاكِينِ وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وأَنتُم مُّعْرِضُونَ &61531; (البقرة: 83).
وبدلاً من أن يحمل بنو إسرائيل لواء هداية البشر إلى الإسلام، إذا بهم ينحرفون بالتوحيد عن أصله، وقد بدأت صفتهم الخبيثة تتجلى، والتي أولها نقض ميثاقهم مع الله عز وجل:
&61533;فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ونَسُوا حَظاً مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ&61531;(المائدة:13)
وتركوا اسم "المسلمين" الذي سماهم به إبراهيم ويعقوب عليه السلام، واختاروا أن يكونوا يهوداً:
&61533;وقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ&61531; (البقرة: 135).
وكانت الرسل تأتي فيهم وهدفها الأساسي هو عودتهم إلى الطريق المستقيم، فكيف سيقومون بمهمة هداية البشرية وفيهم كل هذا الخبث؟!

وجاء موسى عليه السلام :
&61533;وآتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلاً&61531; (الإسراء: 2)
وأنقذ الله تعالى بني إسرائيل من ذل وهوان فرعون في مصر على يد موسى - عليه السلام – وأنزل عليهم التوارة فيها هدىً ونور.. وعلى الشاطئ الآخر للبحرـ وقد أنقذهم ربهم بمعجزة ولا يزال صوت فرعون يدوي مستغيثاً قبل أن يغرق ولاتزال أقدامهم مبتلة من البحر إذا ببني إسرائيل يشركون بالله:
&61533;وجَاوَزْنَا بِبَنِي إسْرَائِيلَ البَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ&61531; (الأعراف: 138) ـ وعلى الشاطئ الآخر
يعبدون العجل.. ويقولون عزير ابن الله، ويقتلون الأنبياء بغير الحق:
&61533;لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وأَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وفَرِيقاً يَقْتُلُونَ&61531; (المائدة: 70).
&61533;وقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِمَا قَالُوا&61531; (المائدة: 64)
و&61533;قَالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أَغْنِيَاءُ&61531; (آل عمران:181).

وتشوهت معالم التوحيد على أيديهم.. وحرفوا كتاب الله المنزل على موسى [ التوراة ] وفرطوا في بيت الله في القدس، وأبوا أن يحرروه، لما دعاهم نبيهم موسى: &61533;يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ولا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ&61531; (المائدة: 21). وظهر جبنهم الشديد:
&61533;قَالُوا يَا مُوسَى إنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ، وإنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإنَّا دَاخِلُونَ&61531; (المائدة: 22). ثم تتجلى الوقاحة في أعلى صورها:
&61533;قَالُوا يَا مُوسَى إنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ ورَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ&61531; (المائدة: 24).
ولم يستطع بنو إسرائيل أن يحافظوا على أرض التوحيد المقدسة التي بارك الله فيها في القدس، إلا فترات قليلة من الزمن، حيث انتهت أخيراً لأن تكون حظائر خيول الرومان الذين احتلوها، واستخدموا اليهود خدماً لهم .. فاشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً.

ثلاثة أنبياء

وفي النهاية يرسل الله لبني إسرائيل ثلاثة أنبياء: زكريا ويحيى ثم عيسى عليهم السلام.
إن بني إسرائيل قد ضيعوا مئات السنين من عمر البشرية فلم يؤثروا في مسيرة التوحيد على الأرض إلا بالسوء.. وهاهم ثلاثة أنبياء ينادونهم أن عودوا إلى ربكم وقوموا برسالتكم الحقة، ولكنهم يقتلون زكريا ويحيى: ويحاولون قتل عيسى بن مريم:&61533;ومَا قَتَلُوهُ ومَا صَلَبُوهُ ولَكِن شُبِّهَ لَهُمْ&61531; (النساء: 157). بعد أن شوهوا صورة أمه المطهرة الصديقة، واتهموها بأبشع الاتهامات.

&61533;لُعِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وكَانُوا يَعْتَدُونَ&61531; (المائدة: 78).

النار تأكل الأرض

واتسعت رقعة الأرض، وكثر البشر، وتوزعت الدول والممالك، وانهارت قلاع التوحيد التي كان بنو إسرائيل حراساً عليها، وانمحى من الأرض اسم المسلمين الذي سمى إبراهيم عليه السلام به أتباعه، وانتشر الظلم كأنه رداء الليل الأسود يغطي الأرض.

وفي الغرب كان الرومان والإغريق يستعبد كل منهما الآخر، وعلى جبال الألب شهد التوحيد مذبحة؛ حيث آلهة الرومان العجيبة التي تتزوج وتتناسل وتتآمر وتتقاتل.. وأصبحت الحياة جهنم على الضعفاء، وعلى رأسهم المرأة التي كانت تتعبد إلى تلك الآلهة بأن تقدم جسدها لأي عابر... وعلى تلك البلاد التي احتلتها دولة الرومان وعلى رأسها الشام ومصر
ولم تستطع ديانة أتباع عيسى التي حرفها اليهود ـ وعلى رأسهم بولس الذي كتب الإنجيل بعد سنوات من موت عيسى–عليه السلام- والتي اتبعها الرومان في القرن الرابع الميلادي، لم تستطع أن تضبط هذه الأمبرطورية، بل بدأت بدعة بنوة عيسى لله وأنه وأمه إلهان من دون الله تصبح هي الحق وتغتال بقية الموحدين من النصارى الذين اضطهدتهم الدولة الرومانية، وتحكي عن اضطهادهم كنائس مصر وأديرتها التي كانوا يختبئون فيها من بطش النصارى الرومان، ثم انقسمت الديانة إلى ديانتين تضطهد كل منهما أتباع الآخر.. في مهزلة تاريخية تدل على غياب الرحمة من الأرض
وفي الشرق حيث بلاد الفرس كانت النار تعبد على أنها إله تقدم لها القرابين وتطلب منها الحاجات، وأصبح كل شيء مشاعا بين الناس، المال والنساء، ويتزوج الرجل أخته ويعبد الناس ملوكهم، وتجتاح جيوش الفرس البلاد قبنتشر النار والدمار في كل مكان.

وفي أقصى الشرق حيث الهند التي عبد الناس فيها كل شيء يتحرك، حتى عبدوا الخنفساء، وما زالت بقاياهم هناك تعبد البقر، وتنغرس سهام الظلم في قلوب الضعفاء وعلى رأسهم المرأة حيث لا قيمة لها، تباع وتشترى، وعليها أن تحرق نفسها بعد موت زوجها.

وفي مركز الكون حيث بيت الله الحرام الذي كان من المفترض أن يكون مركز التوحيد في الأرض ، تعبد قبائل العرب مئات الأصنام من الحجارة، ويمارسون أبشع أنواع الظلم من الاستعباد، ووأد البنات، وأحط أنواع الأخلاق الدنيئة، من الزنا والسرقة والنهب.

واليهود الذين يعلمون الكتاب مشتتون في الأرض لا هم لهم إلا الفساد والدسائس، وقد ضاع التوحيد في الأرض وضاع نداء إبراهيم ودعائه.. فلم يعد هناك مسلمون.

وجاء الفيل

ويصل الهوان إلى أن يتهدد بيت الله الحرام جيش لا يكون له هدف إلا هدمه ويتقدمه فيل عظيم.
ويتجمع المشركون من العرب حول الكعبة في هلع وخوف فلا إيمان في القلوب ولا علم بالله؛ بل ولم يستطيعوا حتى أن يطلبوا النصر من أصنامهم.. فهم أعلم الناس بأنها لا تضر ولا تنفع، ويقف عبد المطلب زعيم قريش لا يقوى على أن يفعل شيئاً يقول: " أما البيت فله رب يحميه ".
إنه ليس مجرد هجوم على بيت الله الحرام إنما هو دلالة العجز الكامل للمسلمين في الأرض، دلالة على عدم وجود أي قوه للإيمان في الوجود، فلم يبق في الأرض إنسان عنده القدرة أن يدافع عن بيت الله، ولو غضب الله على الكون في هذه اللحظة لأقام القيامة ولكنه ما زال مختزنا الرحمة لبني آدم.

وخلف الطيور الأبابيل التي مزقت الجيش تحت جبال مكة، كانت سحائب الرحمة تتهادى، فقد آن الأوان أن يعود لواء التوحيد إلى الفرع الذي في الظل ليحمله رجل من نسل إسماعيل، ويرتفع في بيت عبد المطلب صوت الفرح؛ لقد ولد له من ابنه عبد الله زوج آمنة اليوم ولد فسماه محمد صلى الله عليه وسلم.
ولد الهدى فالكائنات ضياء      وفم الزمان تبسم وثناء
والروح والملأ الملائك حوله     للدين والدنيا به بشراء
والعرس يزهو والحظيرة تزدهي والمنتهى والسدرة العصماء
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين

ويرى الكون بشائر النور بعد أربعين عاما من هذه السنة.. ولا تتعجب طرقات مكة وجبالها وأوديتها من أن يأتي هذا الصادق الأمين الذي شهد له الجميع بالكمال ليقف فوق جبل الصفا ينادي: "أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"
ويعيش النبي&61541; حياه الأنبياء وجهادهم ثلاثة وعشرين عاما، من الصبر على الإيذاء؛ والثبات على الحق والجهد في تبليغ رسالة ربه؛ والجهاد في سبيل الله.. يربي أتباعه حتى يخرج منهم أعظم ميراث للإنسانية من البشر، إنهم الصحابة مهاجرين وأنصارا.

&61565; رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ ومِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ومَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً&61563; (الأحزاب:23)
وفي جنبات مكة يقف حوله آلاف من أتباعه يقول لهم:
ألا هل بلغت؟… اللهم فاشهد .
ألا هل بلغت؟… اللهم فاشهد .
ألا هل بلغت؟... اللهم فاشهد .

وانقطع الوحي

ومع أنفاسه الطاهرة التي تودع روحه&61541; إلى بارئها، تقف أفواج الملائكة وعلى رأسهم جبريل يودعون أعظم مرحلة مرت على البشرية، حيث كانت الأرض متصلة بالسماء.. حيث كان جبريل صاعداً هابطاً بالقرآن ليضبط حركة الكون، وبعد وفاته&61541; يزور أبو بكر وعمر –رضي الله عنهما- أم أيمن [ بركة ] حاضنته &61541; فتبكي فيسألاها : ما يبكيك؟ ألا تدري أن ما عند الله خير لرسول الله؟ فقالت : والله أعلم ولكن أبكي انقطاع الوحي من السماء.

&61533;ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ومَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ&61531; (آل عمران: 144)

وتمر على البشرية أربعة عشر قرناً والإسلام باقٍ، وقد عاد المسلمون إلى الأرض بين، أيديهم كتاب ربهم، ويقودهم هدي نبيهم وشعاره.
&61533;ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ&61531; (الأنبياء:107).
وشهدت البشرية أمواج الرحمة المتدفقة، وتحررت الأرض من استعباد الدولتين العظمتين؛ الرومان والفرس.
علم العبيد يومها أنهم أحراراٌ فكانت بدايات إلغاء هذه
العادة الحيوانية من الكون "عادة الرق".

علمت المرأة أنها مساوية للرجل في جميع الحقوق والواجبات أمام الله والناس، وكان شعارها [ النِّسَاء شَقَائِقُ الرِّجَالِ]. رواه الترمذي
وعلمت دورها في المجتمع فانطلقت عالمة ومعلمة ومؤدبة ومدرسة أجيال.

علم الحاكم أنه عليه واجبات فوقف يقول: "لو عثرت بغلة في العراق لحاسب الله عليها عمر لما لم يمهد لها الطريق".
علم المحكوم أن له حقوقا، فانطلق النصراني في مصر ليشكو إلى الخليفة في المدينة ظلم ابن واليه عمرو بن العاص، فيأخذ عمر للنصراني حقه من ابن الوالي المسلم.
علم القاضي أن العدل فوق الملك، فأخذ الحق من أمير المؤمنين عليّ لواحد من رعيته وحكم على عليٍّ، وكان الشاكي له يهودياً.

علم التاجر أن المال مال الله وأنه لا احتكار ولا تطفيف ولا غبن.

أدرك المسلمون الإشارة يوم أسرى الله بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى قبل أن يعرج به إلى السماء، فانطلقت كتائب التوحيد تدك جيوش الروم البغاة، ووقف كاهن كنيسة القيامة يحمل مفاتيح مدينة القدس يأبى إلا أن يعطيها لأمير المسلمين الذي قرأ صفاته فيما بقي لديه من وثائق صادقة.

وعلى البعد يخطو رجل يحمل نعله، ملطخة قدماه في الطين، ويركب غلامه على الحمار لأنه دوره، حيث كانا يتبادلان الحمار طوال الطريق، والجيش الفاتح يقف في استقباله، إنه أمير المؤمنين عمر جاء ليستلم مفاتيح القدس.

عندها يوافق الكاهن على تسليم بيت المقدس إلى هؤلاء لما تأكد من صفات أميرهم أنهم هم المسلمون الذين حدثته بهم كتبه.

ويقف خليفتهم بعد ثلاثمائة سنة يقول للسحابة: امطري حيث شئت فلن تجدي إلا أرضاً مسلمة.

فقد انطلقت جيوشهم في أرجاء الأرض، وزجلهم: "نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" .

وعاد المسلمون

عادوا يحملون لواء الرحمة فامتلأ الكون رحمة ، عادوا يحملون لواء العلم ففاض الكون علماً.. عادوا بالعدل والمساواة والحرية.

وبعد أربعة عشر قرناً

ماج العالم بعضه في بعض وأصابت المسلمين سنة الله في الكون وصدق عليهم قول عمر: " نحن قوم كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ".
ولما ترك المسلمون قيادة الدنيا انفرط عقدها، ففي كل يوم تسمع عن حَمَّامَات الدم في كل مكان من الأرض، وفي كل يوم يغتال العدل وتشنق الحرية ويهان الإنسان، وعادت أفواج العبيد من جديد، وانهارت الحصون، ووقعت المرأة في كل الأرض فريسة للكلاب ينهشونها باسم الحرية.
وأصبح لا يرى في الركب قومي     وقد كانوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر                  سؤال الدهر أين المسلمونَ؟

عودة الرحمة

إنه نداء الكون للمسلمين أن عودوا إلى دينكم، إنه نداء المستضعفين في الأرض.. أنقذونا بالإسلام.
إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان خاتم الأنبياء فلا نبي بعده، وأمته هي وريثة النبوة.. فهل ورثنا سلوك اليهود ؟.. هل نضيّع رسالة الإسلام كما ضيّعوها؟

&61533;يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ&61531; (المائدة: 54).
ترى هل يرجع الماضي فإني    أتوق لذلك الماضي حنينا ؟
دعونا من أمان كاذبات          فلم أجد المنى إلا ظنونا.
وهاتوا لي من الإيمان نوراً     وقووا بين جنبي اليقينا
أمد يدي فأنتزع الرواسي        وأبني المجد مؤتلفا مكينا
علينا أن نجعل ميلاد النبي&61541; ميلاد نبي جديد يبعث كل عام.
ميلاد الإنسان المسلم الذي يعلم حدود دعوته وملخصها&61533;ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ&61531;

ميلاد الارتباط بالقرآن والمرابطة أمامه نفتح به القلوب ونهدي به الأقدام إلى الصراط، وشعارنا: &61533;ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ&61531; .

ميلاد المرأة المسلمة المدركة لما يحاك حولها من مؤامرات تبدأ من سترها وتنتهي إلى قلبها.. تتحدى الجميع بإيمانها وشعارها:&61533;ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ&61531;
ميلاد الأسرة المسلمة التي تدرك دورها، وتعلم أساسيات بنائها، وتحتمي بحصونها لتكون لبنة المجتمع المسلم الفاضل، تطلق هدايتها في الناس، شعارها:&61533;ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ&61531;

ميلاد شعوبٍ مسلمة، حُكًاماً ومحكومين، الجميع يدرك دوره ويقتدي بمحمد صلى الله عليه وسلم ، رعاة للأوطان حماة للأعراض، دستورهم القرآن الكريم ومنهاجهم الإسلام.. وشعارهم: &61533;ومَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ صلى الله عليه وسلم

ميلاد أمة محمدصلى الله عليه وسلم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ&61531; لتخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
نريد كل ذلك وإلا عاد الفيل مرةً أخرى وعامها لن يولد محمد من جديد..
إن لم نردها لدين الله عاصفةً     سيضيع العرض بعد الأرض نعطيها
وإلى اللقاء في يوم آخر من أيام الله نتذكره معاً.

مواد ذات الصله



تصويت

يعاني العالم العربي اليوم من أوضاع خطيرة تهدد وحدته و استقراره، ترى هذا في كثير من بلدانه، برأيك ما هو أهم ما نحتاجه في هذه المرحلة للخروج من هذه الأزمات الخطيرة ؟

  • ثقافة التسامح و العيش المشترك.
  • القضاء على الفساد والاستبداد.
  • الحرية و العدالة الاجتماعية.
  • نبذ الخلاف والطائفية والحزبية.
  • كل ما سبق.