الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الملف العراقي في حصيلة سنة 2002

335 0 23

تماماً كما خططت الإدارة الأميركية: أنهت العام 2002 بإحكام الطوق حول العراق والذي بدأته مطلع العام وتجلى بإدراجه ضمن (محور الشر). ووصلت الضغوط الأميركية إلى ذروتها في الشهور الثلاثة الأخيرة, مع استصدار قرار مجلس الأمن الرقم 1441 في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) في شأن عمل المفتشين, لتشديد القيود على بغداد, فضلاً عن ارسال جنود وعتاد إلى المنطقة واجراء مناورات, بحيث باتت القوات الأميركية قادرة على شن حرب على العراق, بعدما بات واضحاً تصميم البيت الأبيض على تغيير نظام الرئيس صدام حسين . العراق أصر على التذكير بأنه لا يدافع فقط عن نفسه, وبأن الهجمة الأميركية لن تتوقف عند حدوده, مؤكداً أن الهدف الأميركي من الحرب, إضافة إلى السيطرة على النفط, هو (إعادة رسم خريطة المنطقة), ومشدداً على أنه سيقاوم الغزو الأميركي (من بيت إلى بيت).
استهلت الولايات المتحدة عام 2002 بتركيز ضغوطها على العراق, وسعت إلى فرض ما سمي (العقوبات الذكية). ففي (خطاب الاتحاد) نهاية كانون الثاني (يناير), شن الرئيس جورج بوش حملة عنيفة على العراق وأدرجه ضمن (دول محور الشر), الذي ضم إيران وكوريا الشمالية. واتهم بوش بغداد بـ(التآمر منذ أكثر من عشر سنين لتطوير انثراكس وأسلحة نووية), وأكد عزم واشنطن (على منع مثل هذه الأنظمة من تهديد الولايات المتحدة بأسلحة دمار شامل).
واستعرت معركة (العقوبات الذكية) بين الولايات المتحدة والدول الأخرى في مجلس الأمن, خصوصاً روسيا, وزار نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز موسكو للبحث في مسألة (العقوبات الذكية), لكنه سرعان ما غادرها غاضباً بسبب ما وُصف بأنه (عرقلة مسؤولين روس) لقاءه الرئيس فلاديمير بوتين.
وكان لافتاً ما كتبته صحيفة (الثورة) العراقية قي 20 كانون الثاني من أنه (يحق لبغداد امتلاك أسلحة الدمار الشامل لردع إسرائيل). وفي خطاب ألقاه الرئيس صدام حسين في 16 كانون الثاني, ذكرى اندلاع حرب الخليج الثانية, تحدى صدام الولايات المتحدة أن توجه ضربة لبلاده, قائلاً: إنه (لا يخشى أبداً), ودعا إلى (تحرير فلسطين من البحر إلى النهر). تزامن ذلك مع (ضبط) إسرائيل باخرة تقل أسلحة إلى الفلسطينيين, تردد أنها شُحنت من العراق أو إيران.

بوش: (لا يحتمل العيش مع صدام)
وحذر رئيس الحكومة التركية آنذاك بولند أجاويد - بعد زيارة للولايات المتحدة - العراقَ من (عواقب وخيمة) في حال رفض عودة المفتشين, وكشف أن (الرئيس بوش مصرّ على إطاحة صدام, فالرئيس الأميركي لا يحتمل العيش بوجود صدام). وأعلنت تركيا رفضها أي عمل عسكري, معربة عن تخوفها من نتائجه ومضاعفاته, إن بالنسبة إلى الخسائر الاقتصادية التي ستتحملها ، أو خشية من (استغلال) أكراد العراق التطورات لإعلان ما وصفته بـ(الاستقلال) في المناطق الخاضعة لنفوذهم, وتأثير ذلك على الأكراد في أراضيها, ما يهدد وحدتها. وبدأت ترشح في تلك الفترة (شباط/ فبراير) أنباء عن وجود خبراء أميركيين عسكريين في كردستان لاستكشاف إمكان تأهيل مواقع عسكرية, خصوصاً مطارات لاستخدامها في الحرب على العراق. ومع أول استعدادات عسكرية أميركية, برزت بوادر معارضة أوروبية للحرب, قادتها ألمانيا التي حذرت من (تفرد) الولايات المتحدة بالحملة الدولية على الإرهاب والعراق, ومن مغبة أي (مغامرة) عسكرية في هذا البلد.
في غضون ذلك, واصل العراق حملته على المفتشين الدوليين, رافضاً عودتهم, ووصفهم بأنهم (جواسيس), عارضاً الحوار مع الأمم المتحدة, ومبدياً رغبته بـ(صفقة شاملة) لا تقتصر على إمكان عودتهم. وتعمد صدام, خلال لقائه رئيس منظمة الطاقة الذرية فاضل الجنابي (16 شباط) تأكيد أن (العراق لا يسعى إلى امتلاك أسلحة دمار شامل).
وبدأت بغداد في تلك الفترة انتهاج سياسة (مهادنة) تصالحية, أدت إلى اختراق نسبي في الحصار السياسي والديبلوماسي المفروض على العراق. ففي آذار (مارس) عاودت الحوار مع الأمم المتحدة, إذ أجرى وزير الخارجية ناجي صبري محادثات مع الأمين العام كوفي أنان في نيويورك لم تسفر عن نتائج, لكن الطرفين اتفقا على استئناف المحادثات في أيار (مايو). وجددت بغداد دعوتها إلى اتفاق شامل مع المنظمة الدولية لا يقتصر على عودة المفتشين أو تطبيق القرار 1284 (أيلول/ سبتمبر 2001) الذي ينص على عودتهم, وشُكلت هيئة سميت (لجنة الرصد والتحقق والتفتيش) برئاسة هانس بليكس.
وأبدى العراق مرونة في القمة العربية في بيروت التي عقدت نهاية آذار (مارس), والتزم (في البيان الختامي للقمة) باحترام سيادة الكويت وأمنها, ما أدى إلى إشاعة أجواء إيجابية, تجلت بترحيب عربي, خصوصاً كويتيًّا. وشهدت القمة عناقاً بين ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز ونائب رئيس مجلس قيادة الثورة العراقي عزة إبراهيم الدوري.
واستمرت هذه الأجواء الايجابية بضعة شهور عقد العراق خلالها اتفاقات تجارية مع العديد من الدول العربية, بينها إقامة مناطق تجارة حرة, كما فُتح منفذ عرعر الحدودي بين العراق والسعودية أمام التجارة بين البلدين, وتزامن ذلك مع المشاركة البارزة لشركات سعودية في معرض بغداد في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر).
على خط آخر, سعى العراق إلى تحسين علاقاته مع إيران وتركيا بهدف استقطابهما أو تحييدهما في حال حصول عمل عسكري أميركي. وزار ناجي صبري طهران مرات لإغلاق ملف الأسرى والمفقودين, وجرى تبادل الأسرى بين البلدين, وتضاعف عدد الزوار الإيرانيين للأماكن الدينية في العراق. وأصيبت هذه الجهود بنكسة في 23 تموز (يوليو) حين أعلنت بغداد اعتقال عراقيين أعضاء في (تنظيم مرتبط بإيران) يسعى إلى تنفيذ عمليات (تخريبية) في العراق. وأذاع (تلفزيون الشباب) اعترافات اثنين من أعضاء التنظيم بالتدرب في معسكرات لـ(الحرس الثوري) الإيراني.
في المقابل واصلت الولايات المتحدة جهودها لتشديد الضغوط على العراق, وزار نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني المنطقة في جولة واسعة شملت 11 دولة تحت عنوان (كسب الدعم للحرب على الإرهاب). سبقت الجولة تصريحات عربية منتقدة التوجه الأميركي في شأن العراق, ما حدا بتشيني إلى إعلان أن برنامج زيارته لا يتضمن ملف العراق ولا ضربه. وأبلغته تركيا مجدداً رفضها أي عمل عسكري ضد بغداد.
وهبت بريطانيا لنجدة حليفتها, فأعلنت استعدادها للاشتراك مع الولايات المتحدة في عمل عسكري ضد العراق (إذا توافرت ظروف صحيحة). واللافت أن مجلس العموم البريطاني علق جلسة بعد تبادل شتائم بين بعض أعضائه إثر جدل صاخب حول احتمال ضرب العراق.
ومع إعلان بغداد في أيار (أسر) طائرة تجسس أميركية من دون طيار, اتهمت الولايات المتحدة أوكرانيا بتصدير نظام رادارات متطور للعراق في (صفقة سرية) كان الرئيس الأوكراني ليونيد توشما عرابها. واستؤنفت في الشهر ذاته المحادثات بين وزير الخارجية العراقي والأمين العام للأمم المتحدة في نيويورك, ونوه صبري بـ(روح التعاون) مشيراً إلى (نتائج إيجابية وبنّاءة), من دون أن يعلن قبول العراق عودة المفتشين التي أصرت عليها واشنطن. وأعلن العراق في غضون ذلك قبوله القرار 1409 الذي يشدد القيود على استيراد المواد ذات الاستخدام المزدوج (لأغراض عسكرية ومدنية).
فشلت الولايات المتحدة في إثبات أي علاقة للعراق بالإرهاب, خصوصاً لقاء محمد عطا (أحد خاطفي الطائرة التي صدمت مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 أيلول 2001) بمسؤول استخبارات عراقي في براغ. وخرج نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز ليعلن أن بلاده عرضت على الولايات المتحدة تسليمها عبد الرحمن ياسين (الموجود في بغداد) المتهم بتفجير مركز التجارة عام 1993.
وفي حادث غامض, أعلن العراق (انتحار) صبري البنا (أبو نضال) في بغداد في آب (أغسطس) في حين رجحت مصادر أخرى (اغتياله), ربما للتحرر من عبء وجوده على الأراضي العراقية, وما يمكنه كشفه من أسرار في حال مغادرته.

الحكيم في واشنطن وبغداد تقبل عودة المفتشين
في تموز استأنف العراق محادثاته مع الأمم المتحدة في فيينا من دون تحقيق تقدم يذكر, وكان لافتاً اتهام صبري بليكس بـ(عرقلة الحوار). لكن الشهر ذاته شهد تحولاً طفيفاً في موقف بغداد من عودة المفتشين, وأعلنت في آب (أغسطس) استعدادها لعودتهم من دون شروط. سبقت ذلك (11 آب) زيارة وفد من المعارضة العراقية لواشنطن بناء على دعوة رسمية. وضم الوفد خصوصاً عبد العزيز الحكيم شقيق رئيس (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) محمد باقر الحكيم, في تحول علني في تعاطي المجلس مع الولايات المتحدة. وتزامن ذلك مع أول دعوة أميركية إلى (ترحيل) العلماء العراقيين الذين عملوا في برامج الأسلحة النووية والكيماوية, إلى الخارج. وأقر الكونغرس في 20 تشرين الثاني (قانون هجرة العلماء العراقيين) لمنحهم إذن إقامة دائمة في الولايات المتحدة.

(الضربات الوقائية)
وفي آب وأيلول صعّدت الولايات المتحدة تهديداتها للنظام العراقي, وأكدت مجدداً أن هدفها هو تغيير نظام الرئيس صدام حسين, وأعلنت مبدأ (الضربات الوقائية) ضمن (استراتيجية مكافحة الإرهاب). ففي أيلول أصدرت الإدارة الأميركية تقريراً بعنوان (استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة) جاء فيه: (علينا أن نكون على استعداد لوقف الدول المارقة وشركائها الإرهابيين قبل أن يصبحوا قادرين على استخدام أسلحة دمار شامل ضد الولايات المتحدة وحلفائها وأصدقائها أو التهديد بها). واستكملت واشنطن هذا التقرير بآخر بعنوان (الاستراتيجية القومية لمكافحة أسلحة الدمار الشامل) (نشر في 10 كانون الأول/ ديسمبر) يشير إلى أنها (ستواصل تأكيد حقها في الرد بقوة ساحقة تشمل استخدام كل الخيارات التي في متناولها, على استخدام أسلحة دمار شامل ضدها وضد قواتها في الخارج وأصدقائها وحلفائها).
وبدا واضحاً أن (صقور) الإدارة الأميركية (تشيني, ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد, ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس) كسبوا جولة في الملف العراقي, بدعوتهم إلى التشدد والتحرك المنفرد إذا لزم الأمر, خصوصاً في مواجهة وزير الخارجية كولن باول الذي التزم الصمت في تلك الفترة, بعدما كان يدعو إلى العمل ضمن إطار الأمم المتحدة. وجاء خطاب بوش في الأمم المتحدة (أيلول), الذي شدد على (خطورة) النظام العراقي, ليصب في خانة رؤية الصقور في إدارته.
انضمت لندن إلى (التشدد) الأميركي, وشككت في إعلان بغداد قبولها عودة المفتشين, ودعت مع الولايات المتحدة إلى قرار جديد يصدره مجلس الأمن لتشديد القيود على الحكومة العراقية, بينما رفضت بغداد التعامل مع أي قرار جديد. وشنت بريطانيا حملة إعلامية مكثفة متهمة العراق بإخفاء معلومات عن أسلحته, ونشرت ملفاً كبيراً عن (أسلحة العراق وبرامجه الكيماوية والبيولوجية والنووية), مشيرة إلى (سجله الحافل) في (الكذب وإخفاء المعلومات). وفي الشهر ذاته عقد رئيس الوزراء توني بلير (قمة حرب) مع الرئيس الأميركي في كامب ديفيد.
وفي أيلول أشارت تقارير إلى وجود كوماندوس إسرائيلي في غرب العراق, يبحث عن منصات لصواريخ (سكود) عراقية قد تستخدم في ضرب إسرائيل.

معارضة أوروبية للحرب
في غضون ذلك, تمسكت الدول الأوروبية, باستثناء بريطانيا, بمعارضتها أي حرب على العراق, وتزعمت هذه المعارضة ألمانيا خصوصاً التي شهدت انتخابات عامة كان موضوع عدم المشاركة في الحرب الشعار المشترك للأحزاب فيها. وأزعجت هذه المعارضة واشنطن فاهتزت علاقاتها مع ألمانيا, التي ما لبثت بعد فترة سجال علني أن خففت معارضتها المشاركة في الحرب وتأكد أنها ستسمح للطائرات الأميركية باستخدام أجوائها ومطاراتها.
ومع إصرار واشنطن ولندن على إصدار قرار جديد لمجلس الأمن بخصوص التفتيش, نشرت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) تقريراً اتهم العراق بإخفاء معلومات عن أسلحته وبرامجه. وشدد بوش على ضرورة نزع سلاحه, وأرسلت واشنطن تعزيزات عسكرية إلى الكويت لإجراء مناورات, فيما تحدث البنتاغون عن إمكان تطعيم جنوده ضد الجدري.
وتناقلت وسائل الإعلام الأميركية والبريطانية سيناريوات متعددة عن حرب على العراق, وتفاصيل عن ضربات جوية مكثفة وإنزال عسكري... الخ, فيما اعتبر محللون أن الهدف من الإعلان عن هذه الخطط (تضليل) الحكومة العراقية وإرباكها. وأبرزت إسرائيل قلقها من إمكان تعرضها لقصف عراقي بصواريخ (سكود) رداً على هجوم أميركي, فوعدتها واشنطن بأن قواتها ستتولى تدمير منصات الصواريخ العراقية. وذكرت تقارير أن واشنطن حذرت طهران من تدخل قواتها أو قوات (فيلق بدر) التابع لـ(المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) في حال اندلاع الحرب.
وعلى رغم حصول بوش على تفويض من الكونغرس أوائل تشرين الأول للتعاطي مع الملف العراقي, من دون إطلاق يده بالكامل, بقي الخلاف داخل الإدارة على تصور (مرحلة ما بعد صدام), وصدرت تحذيرات تنبه إلى الكلفة العالية للحرب والتي تراوحت تقديراتها المادية بين 80 و200 بليون دولار, أما البشرية فبلغت مئات الآلاف. وتصاعدت الاحتجاجات العالمية ضد الحرب, وشهد معظم العواصم الأوروبية والآسيوية مسيرات ضخمة ضد اللجوء إلى القوة, ما لبثت أن امتدت إلى مدن أميركية وواشنطن ذاتها.

استفتاء المئة في المئة
ولتأكيد (شعبية) الرئيس العراقي, والرد على الحملات الأميركية التي شككت في شرعية نظامه, أجري في 15 تشرين الأول استفتاء لتجديد انتخابه لولاية ثالثة من سبع سنوات. فحصد صدام (مئة في المئة) من الأصوات, ثم أتبع هذه الخطوة في 20 تشرين الأول بإصدار (عفو عام) عن جميع السجناء بمن فيهم السجناء السياسيون, ولكن سرعان ما شككت المعارضة ومنظمات حقوق الإنسان بما وصفته بـ(مسرحية).
عربياً استمر الرفض العلني لأي حرب على العراق, وأعلنت السعودية رفضها استخدام أراضيها منطلقاً للطائرات الأميركية. وأبرمت الولايات المتحدة مع قطر, حيث قاعدة العديد الجوية الضخمة, اتفاقاً عسكرياً يسمح باستخدام القواعد القطرية.
وفيما واصلت تركيا رفضها أي عمل عسكري حذرت أكراد العراق من إقامة نظام فيديرالي يضم كركوك الغنية بالنفط. وفي آب أصدر وزير الدفاع صباح الدين شاكماك في حكومة بولند أجاويد, تصريحاً قال فيه: إن (شمال العراق جزء من أراضينا وهو أمانة في يد تركيا), ما أدى إلى توتر في العلاقات بين أنقرة والحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني. وفي تشرين الأول برز تحول تركي في الموقف من النظام الفيديرالي, لكن أجاويد جدد تحذير أكراد العراق من أي نزعة استقلالية. وعلى رغم تردد تركيا في تأييد اندفاع واشنطن إلى الحرب وافقت في 24 كانون الأول (ديسمبر) على استخدام واشنطن قواعدها العسكرية في شن أي هجوم على العراق.

(حرب) المشاريع في مجلس الأمن
ومع إصرار واشنطن ولندن على قرار جديد لمجلس الأمن, استعرت في نهاية تشرين الأول وبداية تشرين الثاني (حرب المشاريع) والتعديلات بين فرنسا وروسيا اللتين أصرتا على (عدم اللجوء التلقائي للقوة) ضد بغداد, وبين أميركا وبريطانيا. وفي 8 تشرين الثاني أصدر المجلس بالإجماع القرار 1441 الذي وصفته واشنطن بأنه (قرار الفرصة الأخيرة). وكان لافتاً تصويت سورية لمصلحته وهو نص على إعطاء بغداد ثمانية أيام لإعلان قبوله, و30 يوماً لتقديم كشف شامل عن برامجها التسليحية. وبعدما وصفت مشروع القرار بأنه (وثيقة إخضاع) و(إعلان للحرب) عادت وأعلنت قبوله في 13 الشهر ذاته. وعكس التوجه الأميركي قال السفير البريطاني لدى مجلس الأمن جيريمي غرينستوك : (لا أساس في القانون الدولي لتغيير النظام في أي دولة).

وصول طليعة المفتشين
في 18 تشرين الثاني وصلت طليعة المفتشين إلى بغداد, وعلى رأسهم بليكس والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي. ثم زاد عددهم فبلغ قريبًا من مئة. فتشوا أحد قصور صدام وباشروا استجواب علماء عراقيين. وفي 8 كانون الأول (ديسمبر) سلم العراق للأمم المتحدة ملفاً بأسلحته, سرعان ما (خطفت) واشنطن النسخة الأصلية وسلمت الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن بعد يومين نسخة عنها, فيما سلم بعد أيام الأعضاء الآخرون في المجلس نسخة (منقحة), ورفضت سورية تسلمها. وشككت واشنطن ولندن بمحتوى الملف واتهمتا بغداد بـ(إغفال معلومات). وفيما اختلفت التفسيرات للقرار 1441 ساد اعتقاد واسع بأنه أجّل الحرب ولم يلغها. ففيما تؤكد باريس وموسكو أن القرار لا يجيز (اللجوء التلقائي للقوة), تصر واشنطن على أنها ليست في حاجة إلى موافقة الأمم المتحدة لإعلان انتهاك العراق القرار إذا رأت ذلك.
وأكدت الولايات المتحدة أنها حصلت في قمة براغ لحلف الأطلسي على دعم الحلف لأي عمل عسكري ضد العراق, وطلبت من 50 دولة تحديد مساهمتها في الحرب المحتملة, وتجاوبت بريطانيا سريعاً وأمرت قواتها بالاستعداد. ورحبت إسرائيل بالقرار بـ(حرارة) وبدأت تستعد للحرب التي تأمل بـ(انتصار أميركي كاسح) فيها (لكبح سورية وإيران).
وقبيل نهاية 2002 تسارعت وتيرة التعزيزات الأميركية إلى المنطقة, وأجريت مناورات في الكويت وقطر, واستمرت الطائرات الأميركية والبريطانية في قصف مواقع الدفاعات العراقية بهدف استنزافها. وصعّدت واشنطن الحرب النفسية و(حرب المناشير) التي تسقطها على مواقع الجنود العراقيين محذرة من التعرض لطائراتها أو إصلاح المواقع المدمرة, أو استخدام أسلحة دمار شـــامل تحت طــائلة المحـاكمة بتهم جرائم حرب. وتجري بريطانيا استعدادات لأكبر عملية إنزال بحري في الخليج منذ 20 سنة, فيما أفادت تقارير عن استعداد الوكالات الإنسانية للأمم المتحدة لإيواء نحو 900 ألف لاجئ عراقي في حال اندلعت الحرب.
وكان لافتاً إغفال القمة الخليجية في الدوحة اتخاذ موقف من الحرب المحتملة, لكنها رفضت (اعتذار) صدام (7/12) للكويت منتقدة التهديدات التي حملها خطابه لقيادة الكويت, بعد إشادته بمنفذي العمليات التي استهدفت جنوداً أميركيين في هذا البلد.
وانتهى العام على أصوات طبول الحرب تقرع حول العراق, بعدما شهدت الشهور الأخيرة استعدادات عسكرية مكثفة, من حشد للقوات لم ينقطع ومناورات مستمرة, وتهديدات وتحذيرات.
في المقابل أصر العراق على التذكير بأنه لا يدافع فقط عن نفسه, وبأن الهجمة الأميركية لن تتوقف عند حدوده, مؤكداً أن الهدف الأميركي من الحرب إضافة إلى (السيطرة على النفط) هو (إعادة رسم خريطة المنطقة). وشدد على أنه سيقاوم الغزو الأميركي من بيت إلى بيت, محذراً القوات الأميركية من (حمام دم).
ومع تصاعد التوتر يخشى أن يشكل أي حادث صغير, كإسقاط العراق طائرة تجسس أميركية من دون طيار (23/12) أو اتهامه مثلاً بعرقلة التفتيش, الشرارة لاندلاع حرب يؤكد الجميع أن نتائجها ستكون كوارث من دون القدرة على منعها.
فهل تشهد بداية العام الجديد الحرب الثالثة في المنطقة, خلال أقل من ثلاثة عقود?
عن الحياة اللندنية (29/12/2002 )

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.