الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نظرة إلى مستقبل العراق الاقتصادي

نظرة إلى مستقبل العراق الاقتصادي
  • اسم الكاتب:
  • تاريخ النشر:20/04/2003
  • التصنيف:اقتصاد ومال
  •  
1193 0 338

بداية أعمال "الإدارة الأميركية المدنية" تستدعي التفكير بمخططات الولايات المتحدة لإدارة اقتصاد هذا البلد. وقد عين الأميركيون بالفعل المسؤولين المزمعين عن عدد من الوزارات، مثل التجارة والصناعة والمعادن، لكن ليـس في المناصب الرئيسية في وزارة الطاقة، أو وزارة المال التي تقع عليها مهمات أساسية مثل إعداد الموازنة وإصدار عملة جديدة وتسلم الإيرادات وإدارة الدين الخارجي الهائل الحجم.
القضايا المسيطرة - حتى الآن - على النقاش الدائر حول مستقبل العراق الاقتصادي هي المساعدات وإعادة الإعمار، وبالطبع إيرادات النفط التي يمكن استعمالها لمواجهة هذه الأكلاف.
والمشكلة أننا لا نعرف الكثير عن وضع العراق الاقتصادي، بعد توقف الأبحاث في هذا المجال قبل نحو عشرين سنة وعدم توفر الإحصاءات الموثوقة منذ ذلك الحين. ولا بد أن الحربين والعقوبات الدولية ثم الغزو الحالي قد أدت إلى المزيد من التحولات في حقول أساسية مثل إدارة الأراضي الزراعية وإنتاج المواد الاستهلاكية وتدريب المديرين الأكْفاء تقنيًا. وسيكون على الإدارة الجديدة التي يقودها الأميركيون، مثل أي قوة كولونيالية فاعلة، أن تقوم بتقييم شامل للموارد التي ستسيطر عليها قريبا.

إشكالية النظم الاقتصادية والمجتمع المدني:
لكن ليس من الواضح إذا كان الوضع السياسي سيسمح بمقاربة معتنية كهذه. إذ إن نمط إدارة الاقتصاد في المرحلة المقبلة لا تعتمد - إلى حد كبيــــر - على نوعية الحكومة التي سيتمكن الأميركيون من إقامتها فحسب، بل أيضاً على الطريقة التي يتم بها توجيه الضغوط القوية على المديرين لدعم هذا النوع أو ذاك من الحكومة بالنظم الاقتصادية التي يُرى أنها مناسبة له. مثلاً، وفي ما يخص إدارة وملكية النفط، بدأت تتعالى خارج العراق تساؤلات وشكوك الذين يعرفون ما يكفي عن "الاقتصادات الريعية" في إمكان إعادة تشكيل المجتمع المدني من قــــبل دولــــة تتمتع بمورد على هذا القدر من الثراء والأهمية. وسيشير هؤلاء إلى الجزائر أو دول الخليــــج أو حتى عراق صدام حسين، حيث تستعمــل الدولـــــة أو النظـــام الـــثروة النفطيـــــة في الدرجــــة الأولى لإدامة نفسهـــا في السلطـــة.
ويبدو أن هذه القضية ستشكل محور أول نقاش رئيسي ضمن الفريق الاقتصادي الأميركي. وسيكون هناك:
- المطالبون بإدارة مركزية قادرة على توجيه إيرادات النفط إلى مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
- أولئك الذين يفضلون النموذج الأميركي، حيث يدار النفط من قبل عدد من الشركات الخاصة المستقلة إلى حد كبير عن سيطرة الدولة.
وهذا واحدة من بين عدد من القضايا التي يتشابك فيها البعدان الاقتصادي والسياسي.

كيفية إدارة مشاريع الإعمار والتنمية الكبرى:
أما القضية الثانية فهي كيفية إدارة مشاريع الإعمار والتنمية الكبرى. والسيناريو البديهي هنا هو أن يوجه المسؤولون الأميركيون مئات العقود إلى الشركات الأجنبية للقيام بغالبية العمل. وسيكون على هذه الشركات بدورها أن تجد وكلاء عراقيين ومديرين عراقيين لمواقع العمل وعمال عراقيين للقيام به. وستكون النتيجة بروز طبقة جديدة من رجال الأعمال العراقيين تحل محل الطبقة القديمة الشيعية، التي أجبر نظام صدام حسين الكثير منها على اللجوء إلى الخارج، والطبقة الأحدث المكونة من أقرباء النظام والملتفين حوله. كما ستقود هذه العملية حتما إلى تعقيدات ومشاكل سياسية تبعا للمجموعات الاثنية والمناطقية للحصول على أكثر ما يمكن من العقود لصالحها، والغضب الذي يثيره تجاهل أو استبعاد هذه الفئة أو تلك.

وضع لا يدعو إلى التفاؤل ..!
إن هذا الوضع، عند تناوله من منظور التاريخ الاقتصادي، لا يبعث على الكثير من التفاؤل بالعودة إلى مواجهة القضية الأساسية في العراق منذ اكتشاف النفط أواخر عشرينيات القرن الماضي - أي كيفية إدارة الاقتصاد العراقي، الفريد في الشرق الأوسط من حيث تمتعه بالموارد بين الموارد النفطية من جهة، والمائية والزراعية من الثانية، في شكل يوفق بين متطلبات العدالة الاجتماعية والحد الأعلى من الرخاء للشعب. إنها المشكلة التي تناولتها العهود التي تعاقبت على العراق، من النظام الملكي إلى البعث، كل على طريقته. وانهار كل من الأنظمة السابقة على نظام البعث قبل أن تبدأ جهودها - المترددة دوما - في إعطاء ثمارها.

دروس التاريخ
ويقدم هذا التاريخ الكثير من الدروس، خصوصا لجهة خطط وسياسات نظام البعث، الذي أمم صناعة النفط ثم استعمل الطفرة النفطية في السبعينيات لإجراء توسيعات كبرى لبرامج الخدمات الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي، إضافة إلى مشاريع الإسكان لاستيعاب الهجرة الريفية إلى المدن. كما أكملت السلطة نظام السيطرة على فيضانات دجلة والفرات التي طالما هددت الزراعة، ووضعت اللمسات الأخيرة على مشروع طموح للإصلاح الزراعي.
مع ذلك فمن الواضح لحد كبير، وحتى إذا وضعنا جانبًا المشاكل الاقتصادية الهائلة نتيجة حرب الثماني سنوات مع إيران في الثمانينيات والعقوبات الدولية في التسعينيات، أن النظام فشل في التعامل مع المشاكل الأساسية المتصلة بالاقتصاد الريعي، من بينها سعر العملة المرتفع الذي يعطي الأفضلية للاستيراد بدل التصدير، ويعيق نمو الصناعة المحلية، ويشجع الهجرة من الريف إلى المدن طلبًا للأجور المرتفعة هنــاك.

تحديات .. في وجه الأمريكيين
وسيواجه الأميركيون الذي يخلفون صدام حسين هذه التحديات نفسها:
- كيفية تقليص الاعتماد على النفط.
- سبل التغلب على العوائق الكثيرة على التنمية الزراعية والصناعية.
- إيجاد التوازن الصحيح بين نشاطات القطاعين العام والخاص.
وكل هذا في سياق البحث المستمر، الذي لمّا يصل إلى نتيجة إيجابية، عن الصيغة السياسية الصحيحة المطلوبة لإطلاق طاقات العراق الاقتصادية الكبرى.
ـــــــــ
* مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفرد.
الحياة 2003/04/20

مواد ذات صلة



تصويت

فيروس كورونا أربك العالم كله، وفي الابتلاء به كثير من الدروس والعبر، فأي درس تراه أهم:

  • الأمر كله لله فعلينا أن نعلق القلوب به، ونعود إليه.
  • تقوية المنظومة الصحية في كل بلد.
  • أهمية النظافة والوقاية والأخذ بالأسباب.
  • أهمية التكاتف والتعاضد بين العالم كله للقضاء على مثل هذا الوباء
  • كل ما سبق