الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هوية العراق الثقافيّة قد مُحيت .. لماذا؟!

228 0 32
آخر فصول سلب بغداد: حرق المكتبات والرسائل والوثائق النفيسة

(14/4/2003) كان يوم حرق الكتب. في البدء جاء الناهبون، ومن ثمّ مضرمو النيران. لقد كان الفصل الأخير من نهب بغداد؛ فقد تحولت دار الكتب والمحفوظات الوطنية إلى رمادٍ في درجة حرارة 3000، وهي كنز لا يُقدر بثمن للوثائق العثمانيّة التاريخيّة، بما فيها المحفوظات الملكية القديمة للعراق. وفيما بعد أُضرمت النيران في مكتبة القرآن لدى وزارة الأوقاف.
لقد رأيت الناهبين. وقد شتمني أحدهم عندما حاولت استرداد كتاب للفقه الإسلامي من صبيٍ لا يتجاوز سنه العاشرة. وبين رماد التاريخ العراقي وجدت ملفاً يتطاير في الرياح: أوراقاً مكتوبة بخط اليد بين بلاط شريف مكة الحسين الذي شرع بالثورة العربيّة ضد الأتراك بتحريض من لورانس الجزيرة العربيّة، وحكام بغداد العثمانييّن.
ولم يقم الأمريكيون بفعل شيء. على طول الساحة القذرة قُذفت رسائل التوصية إلى حاشية الجزيرة العربية، وطلبات الذخيرة للقوات، والتقارير بصدد اللصوصيّة على الجمال، والغارات على الحجيج، كلها كُتبت بخط يد نسخ جميل. لقد كان بين يديّ آخر آثار بغداد للتاريخ العراقي المكتوب. مع الشروع بتدمير الآثار القديمة في متحف الآثار يوم السبت وحرق دار المحفوظات الوطنيّة ومن ثم مكتبة القرآن فإنّ السنة هي السنة صفر بالنسبة للعراق. إنّ هوية العراق الثقافيّة قد مُحيت. لماذا؟ لماذا أَشعلت فيها النيران؟ لأيّ غاية جنونيّة تمّ تدمير هذا التراث؟
عندما ألقيت النظر إلى المكتبة القرآنيّة حيث كان اللهب يتأجج من النوافذ لمائة قدم، توجهت إلى مكاتب قوة الاحتلال: مكتب المشاة البحريّة الأمريكيّة للشؤون المدنيّة. أعلن الضابط بصوت عالٍ لزميل له بأنّ "هذا المرء يقول إن مكتبة الكتاب المقدس (هكذا!) تحترق". لقد أعطيت خريطة المكان، وعليها الاسم الدقيق بالعربيّة والإنكليزيّة؛ قائلاً إنه يمكن مشاهدة الدخان من على بعد ثلاثة أميال والمسافة إليه تستغرق خمس دقائق بالمركبة فقط. وبعد نصف ساعة، لم يكن هناك من أمريكيّ على المسرح، بينما كانت ألسنة اللهب جامحة في الهواء لمسافة مائتي قدمٍ.
لقد كان ثمة زمان قال العرب فيه: إنّ كتبهم تُؤلَّف في القاهرة، وتُطبع في بيروت وتُقرأ في بغداد. الآن تُحرق المكتبات في بغداد. لم تكن دار المحفوظات الوطنيّة تضم مدونات الخِلافة العثمانيّة فحسب، بل تلك التي تتعلق بالسنوات المظلمة لتاريخ البلد الحديث، الروايات المخطوطة لسنوات الحرب الإيرانيّة العراقيّة (1980 - 1988)، المزودة بالصور الشّخصيّة والمفكرات العسكريّة، والأفلام المصغرة لنسخ الصحف العربيّة التي تعود إلى السنوات المبكرة للقرن العشرين.
لقد كانت الملفات والمحفوظات الأكثر قدماً موجودةً في الطوابق العلويّة من المكتبة، ومما لا شك فيه أنه تمّ استعمال البنزين من أجل إضرام النيران بالمبنى بطريقة تنم عن الاحتراف. لقد كانت الحرارة عاليةً بحيث إن الأرضية الرخامية تغضنت عالياً والسلالم الخرسانيّة التي ارتقيتها قد تشققت.
كان من الصعب مسك الأوراق التي كانت ملقاةً على الأرض لشدة حرارتها، وكانت لا تحمل طباعة أو كتابة، ولحظة التقاطي لها صارت رماداً. مرة أخرى، طرحت واقفاً في هذه السحب من الدخان الأزرق والجمرات السؤال نفسه: لماذا؟
التفكير حول ما يعني ذلك موجع! دعوني أقتبس من المزق الورقيّة التي وجدتها على الطريق خارجاً، تتقاذفها الريح، تلك التي كتبها رجال ماتوا من عهد بعيد، حيث أرسلوا إلى الباب العالي في إسطنبول، أو إلى بلاط شريف مكة عبارات الولاء، التي ذيولها "عبدك". كان ثمة مطلب من أجل حماية قوافل الجمال التي تحمل الشاي، والرز، والسكر، موقعة من قبل حسني عطية الحجازيّ (يزكي عبد الغني نعيم، وأحمد كندي كتاجرين شريفين)، وطلب للعطور والنصيحة من جابر العيّاشي من حاشية الشريف حسين الملكية في بغداد من أجل أن يحذره من اللصوص في الصحراء. يقول عياشي: "هذا لإعطائك نصيحتنا فقط، والتي سوف تُكافأ عليها بشدة". "إذا لم تأخذ بنصيحتنا، فإننا قد بلغناك". رأيت مسحة من صدام هناك. التاريخ كان 1920.
بعض الوثائق تعدد ثمن الرصاص، الأحصنة العسكريّة والمدفعية للجيوش العثمانيّة في بغداد والجزيرة العربيّة، بعضها تسجل افتتاح أول مركزٍ هاتفيٍّ في الحجاز، الذي صار لاحقاً العربيّة السعوديّة، بينما تروي إحداها، من قرية الأزرق في الأردنّ اليوم، سرقة عليّ بن قاسم لثياب من قافلة جمال، الذي هاجم مستجوبيه "بالسكين وحاول طعنهم، لكنه قُيّد وفدى نفسه لاحقاً". ثمة رسالة تزكية تعود إلى القرن التاسع عشر لصالح التاجر يحيى مسعودي، "رجل ذو أخلاق حميدة، وسلوك قويم والذي يعمل مع الحكومة (العثمانية)". بكلمات أخرى، كان هذا بساطاً مطرزاً للتاريخ العربي. كله تُرك، ووقع بيدي الإندبندنت كمجموعة من الوثائق التي تفرقع في حرارة الأنقاض العالية.
إن (الحسين بن عليّ) ملك الحجاز، حاكم مكّة، الذي كانت حاشيته قد حررت رسائل عديدة من التي أنقذتها، قد خلعه السعوديون. فصار ابنه فيصل ملك العراق، بعد أن أعطاه ونستون تشرتشل بغداد على أثر طرد الفرنسيين له من دمشقَ، وأخوه عبد الله صار أولّ ملك للأردنّ، أب الملك حُسين وجدّ العاهل الأردنيّ الحالي، الملك عبد الله الثاني.
لأكثر من ألف سنة، كانت بغداد عاصمة العالم العربيّ الثقافيّة، وسكانها الأكثر تعلماً في الشرق الأوسط. في القرن الثالث عشر (الميلادي) قام حفيد جنكيز خان بحرق المدينة، وقد قيل إنَّ مياه دجلة كانت تجرى سوداء جرّاء حبر الكتب. البارحة (14-3-2003) .. امتلأت سماء بغداد برماد آلاف الوثائق القديمة الأسود. لماذا؟
__________
* صحفي بريطاني.
والمقال ترجمه الباحث السوري مالك مسلماني، عن صحيفة الإندبندنت اللندنية - 15 نيسان 2003

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.