الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل تكون سوريا الهدف الثاني بعد العراق؟

212 0 27

شهدت العلاقات الأمريكية - السورية تصعيدًا متوترًا تصاعدت لهجته على طول الأزمة العراقية وحتى الآن، بل يبدو في الأيام الأخيرة أكثر حدةً وخطورةً، فالإدارة الحالية ليست على علاقة جيدة مع حلفائها فكيف مع سوريا؟!
ولو رجعنا بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لوجدنا أن التوتر في العلاقات السورية الأمريكية أتى تحديداً بعد 11 أيلول/ سبتمبر وما سبقها من استلام إدارة بوش الابن وطاقمه الذي يحوي "صقوراً" من أمثال وزير الدفاع رامسفيلد ونائبه بول ولفوفيتز، وريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية الأمريكية الذي أعلن أن الولايات المتحدة "قد تقوم بعمل عسكري ضد دول مثل سورية إذا لم تستجب للمطالب الأمريكية والغربية"، وكانت أثارت تصريحاته تلك احتجاجات شديدة اللهجة من قبل الحكومة السورية فاستدعت وزارة الخارجية حينها السفير الأمريكي بدمشق تيودور قطوف لإبلاغه احتجاجها الشديد على تصريحات أرميتاج، لكن تصريحاته تكررت بالنسبة لحزب الله، ثم أتت بعد ذلك تصريحات مساعد وزير الخارجية بولتون الذي أضاف سورية ضمن دول "محور الشر" عندما تحدث في أحد محاضراته عما وراء محور الشر.
أعقب ذلك كله قرار الكونغرس الأمريكي الذي صادق عليه الرئيس فيما بعد بعدم إعطاء الرعايا السوريين تأشيرات خروج إلى الولايات المتحدة مع عدد من الدول، كانت سورية الوحيدة من بينهم التي تقيم علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة، ثم أعقبه قانون محاسبة سوريا الذي جرت مناقشته (سبتمبر 2002) ويحمّل سورية مسؤولية أية عملية يقوم بها حزب الله أو أحد التنظيمات الفلسطينية المقيمة في سوريا، ويطالبها بضرورة وقف تصدير النفط العراقي عبر أراضيها.
كانت سوريا تتخوف منذ أحداث سبتمبر من المدى الذي تبلغه "الحرب ضد الإرهاب"، ولذلك كانت تلحّ - باستمرار - على "ضرورة تعريف الإرهاب"، وانطلاقًا من تخوفها هذا ورغبتها في تحسين العلاقة مع الولايات المتحدة قدمت تعاونًا "استخباراتيًّا" ملحوظًا في "الحرب ضد الإرهاب" فاجأ المسؤولين في الإدارة الأمريكية بحجمه، وكان السوريون يتوقعون أن يؤثر هذا التعاون في طبيعة العلاقات مع أمريكا.
لكن "إسرائيل" تحسست هذا الدفء الذي بدأ يسري في أوصال الإشارات السياسية بين البلدين، فسعت لتوسيع نطاق الحملة الأمريكية للتمهيد لضرب العراق، وحاولت جاهدةً ضم سورية للملف العراقي، فزعمت إسرائيل ـ عبر صحفي في صحيفة "هآرتس" في مقال تحريضي ضد سوريا ـ أن سوريا تشتري أسلحة لصالح صدام، وتخرق الحظر الدولي المفروض عليه، وأن التقديرات الأمريكية والإسرائيلية تستشف من التقارب بين البلدين وجود تعاون عسكري كبير بينهما.
ومع تعقيدات ملف الأزمة العراقية كانت معارضة سوريا للحرب على العراق تنطلق من إدراك سوريا جيدًا حجم التهديدات التي ستتعرض لها فيما لو اعتُمد الخيار العسكري، لأن دخول أمريكا للعراق يعني إعادة رسم خارطة المنطقة بما يتوافق مع أمن إسرائيل، وفقدان العمق الاستراتيجي لسوريا في العراق، ووقوع سوريا بين فكي كماشة: "الجار الأمريكي" الجديد، والعدو الإسرائيلي، وهذا لا شك سيكون له انعكاساته على العلاقة مع تركيا التي ترتبط باتفاقيات مع إسرائيل، الأمر الذي يعني عزل سوريا تمامًا، وهو ما سيشكل ضغوطًا شديدة على المصالح السورية تفضي إلى "تنازلات" مؤلمة أمام إسرائيل، كما أن من شأنه تصفية المقاومة الفلسطينية التي تؤوي سوريا عددًا من قياداتها.
كانت إسرائيل تعي كل هذا جيدًا، لذلك لم تفوت فرصة إلا واغتنمتها للزج بسوريا في الحسابات الأمريكية، بدا ذلك جليًّا مع بدء الحرب على العراق وصدور تحذيرات أمريكية (خصوصًا من صقور الإدارة المؤيدين لإسرائيل) إلى سوريا واتهامها تارة "بتزويد" العراق بمناظير ليلية ومعدات، وأخرى "بنقل" أسلحة من العراق، ولم تكن البصمات الإسرائيلية خافية.
لكن توتر العلاقة بدأ يزداد حدة ومباشرة في الأيام الأخيرة الماضية بعد أن لاحت بشائر النجاح الأمريكي في "احتلال" العراق، ففي 13/4/2003 صدرت تصريحات كثيفة ضد سوريا تمثلت في الآتي:
- أعلن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد مجددًا في تصريحات لشبكة تلفزيون "إن بي سي" الأمريكية الأحد 13-4-2003 أن "مسؤولين عراقيين دخلوا إلى سوريا، بعضهم بقي فيها، وآخرون مروا فقط". وأعرب عن أمله في ألا تتحول سوريا إلى "جنة لمجرمي الحرب والإرهابيين".
- حذر وزير الخارجية الأمريكي كولن باول الأحد 13-4-2003 في حديث لـ "بي بي سي" البريطانية من أن تصبح سوريا ملاذًا لجميع الأشخاص الذين يحاولون الفرار من العراق.
- لكن التصريح الأخطر صدر عن بوش الذي قال لشبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية: "نعتقد على سبيل المثال أن هناك أسلحة كيميائية في سوريا".
وقد سبق أن تعرضت سوريا لاتهامات من هذا النوع في مايو 2002 أثناء خطاب في مؤسسة هيريتيج قال فيه نائب وزير الخارجية الأمريكي جون بولتون بشكل علني وصريح: "إن دمشق تملك مخزونات من غاز الأعصاب سارين، وإنها تجري أبحاثا لتطوير العنصر السام في.إكس الأكثر خطورة".
لكن الرد السوري جاء حاسمًا على لسان شخصيات عدة، منها عماد مصطفى (المسؤول الثاني بالسفارة السورية في واشنطن) الذي نفى الاتهامات الأمريكية كافة ، ووصفها في حديث لشبكة "إن بي سي" التلفزيونية الأحد 13-4-2003 بأنها حملة "تضليل".
ورد الشرع وزير الخارجية السوري بأن تلك التهديدات "تعبّر عن تيار متعصّب لا يرى حتى المصلحة العامة للغرب في منطقة الشرق الأوسط"، وأنها "لا تعبّر عن المسار العام للولايات المتحدة". وواضح أن الشرع كان يشير إلى حلفاء إسرائيل داخل الإدارة الأمريكية، الذين يبدو أنهم يشعرون بنشوة النصر في العراق، الأمر الذي يفتح شهيتهم لاستكمال الطريق إلى سوريا.
لكن السؤال المهم هنا هو هل يمكن أن يكون الخيار العسكري من نصيب سوريا أيضًا؟
سئل رامسفيلد حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تفكر في اتخاذ إجراءات تتجاوز الإطار الدبلوماسي ضد سوريا، فقال: إن "القرار يعود إلى قادة التحالف، وذلك ليس من اختصاصي". وقال ولفوويتز: "إن دولا عديدة ـ بما فيها سوريا ـ ستدرك الرسالة وتفهم أنه من المستحسن الاتفاق (سلميا) مع المجموعة الدولية وعدم حيازة أسلحة دمار شامل أو استخدام الإرهاب كوسيلة سياسية". من جهته، شدد وزير الخارجية كولن باول على أن "هذا لا يعني أن (هذه الدول) ستواجه حربا"، طالبا منها أن تدرك أن "العالم يتغير".
بوش كان أكثر وضوحًا حين قال: "طريقة التعامل مع سوريا يمكن أن تختلف عما حدث مع العراق". وقال محذرًا: إن "على الحكومة السورية (أن تتعاون) مع الولايات المتحدة وشركائنا في التحالف، ويجب ألا توفر ملجأ للبعثيين والمسؤولين العسكريين العراقيين الذين يجب أن يحاسبوا على أفعالهم".
إذن لا يبدو - حسب الظاهر - أن هناك "نية" لدى الولايات المتحدة في "عمل عسكري" ضد سوريا، ويبدو واضحًا من ردود الفعل السورية تجاه التهديدات وجود "اطمئنان" لهذا، وواضح أنهم لا يحملونها على محمل "الجدية" كما صرح وزير الخارجية السوري؛ إذ إنهم يدركون جيدًا معنى التهديدات وسقف مطالبها، أو يبدو أنهم يمتلكون العديد من "الأوراق" التي تسبق أي خيار عسكري. بل إنه رغم الحملة الشديدة على سوريا في الصحافة الإسرائيلية فإن كاتبًا في صحيفة معاريف يرى "أن الأمريكيين لا يعتزمون اجتياح سوريا، لكنهم قادرون على إيلامها لدرجة نزيف لا يستطيع النظام السوري احتماله"، إلا أنه لم يستبعد تمامًا "حدوث ضربة أمريكية ضد مواقع عسكرية سورية في لبنان أو سوريا".
ومع ورود احتمال توقع "ضربة" فإن هذا لا يبدو قريبًا لسبب وجيه جدًّا وهو أن سوريا ليست العراق، بمعنى:
- سورية لها مكانتها على الساحة الدولية والعربية والإسلامية، وحتى في الساحة الأميركية، كما عبر وزير الخارجية السوري.
- ليس لها تاريخ النظام العراقي، الذي يبرر -ولو ظاهريًّا- استهدافها.
- لا تمتلك نفط العراق حتى يتم اجتياحها أو احتلالها.
- الدبلوماسية السورية من أكثر الدبلوماسيات نجاحًا في المنطقة، ومن المستبعد أن تصل إلى طريق مسدود مع أمريكا.
- أن استهداف سوريا بحملة عسكرية سيصعّد توتر العلاقات الدولية، وخصوصًا مع فرنسا التي ترى في سوريا نفوذًا قديمًا، وهنا يمكن فهم زيارة وزير الخارجية الفرنسي لدمشق فيما يمكن أن يوصل رسالة واضحة لواشنطن.
- أن التصعيد العسكري مع سوريا من شأنه أن يحدث آثارًا سلبية على إسرائيل نفسها.
صحيح أنه يمكن أن يقال: إن هناك ملفات عدة تشكل "مبررًا" لاستهداف سوريا ضمن الحملة الأمريكية على "الإرهاب" وتتمثل في:
- دعم حزب الله المناوئ لإسرائيل في لبنان.
- إيواء منظمات فلسطينية ترى واشنطن أنها "إرهابية".
- اتهامات بإيواء مسؤولين عراقيين فروا من العراق.
لكن هذه نفسها من شأنها أن تشكل "أوراق" مساومة ضمن الأداء الدبلوماسي السوري حين تصل العلاقات إلى طريق مسدود. ويبدو جليًّا أن الهدف الأمريكي حتى الآن هو "تطويع" صلابة الموقف السوري.
أما موضوع "الأسلحة الكيماوية" فلا يبدو أكثر من مناوشات أمريكية لزيادة الضغط على سوريا للاستجابة أو "التعاون" كما وصفه الرئيس الأمريكي.
لكن المستقبل مفتوح وربما يحمل بعض المفاجآت.
ـــــــ
* كاتب سوري

مواد ذات صلة



تصويت

تعددت أسباب انحراف الأبناء في عصرنا، برأيك ما هو أبرز هذه الأسباب؟

  • التدليل والترف الزائد.
  • العنف والقسوة.
  • أصدقاء السوء.
  • وسائل التواصل المفتوحة.
  • غير ذلك.