الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العيد .. مقاصده، أحكامه، آدابه

8902 1 550
اقتضت سنة الله في خلقه ألاَّ تسير وقائع الحياة على وتيرة واحدة ، وألاَّ تستمر في رتابة ثابتة، بل جعل التغيير والتنويع من السنن التي فطر عليها الحياة والأحياء ، ولذا كان في تشريع الأعياد ما يلبي حاجات العباد ، ويتجاوب مع فطرهم ، من حب للترويح والتغيير ، ونزوع إلى التجديد والتنويع ، فشرع لهم عيد الفطر عقب ما فرض عليهم من الصيام ، وشرع لهم عيد الأضحى بعد ما أوجب عليهم من فريضة الحج .

فالأعياد وإن كانت من الشعائر التي توجد لدى جميع الأمم والشعوب - فما من أمة إلا ولها أعيادها ومناسبتها - ، إلاَّ أن الأعياد في الإسلام تختلف في مقاصدها ومعانيها ، فعندما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، قال : ما هذان اليومان ؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية ؟ فقال - عليه الصلاة والسلام - : ( إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر ) رواه أبو داود وغيره.

**مقاصد العيد ***
وكان من المقاصد العظيمة التي شرعت لأجلها الأعياد في الإسلام ، تعميق التلاحم بين أفراد الأمة الواحدة ، وتوثيق الرابطة الإيمانية ، وترسيخ الأخوة الدينية بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، مصداقاً لقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ) البخاري , فالعيد في الإسلام لا يختص به بلد دون آخر ، ولا أناس في مكان ما دون غيرهم ، بل يشترك فيه المسلمون جميعهم في شتى البقاع والأماكن حيثما كانوا وحيثما وجدوا ، طالما انتسبوا لهذا الدين ، وكانوا في عداد المؤمنين .

و لهذا شرع في يوم العيد الخروج إلى المصلى ، وأن لا يترك أحد من أهل البيت صغيراً أو كبيراً ، ذكراً أو أنثى ، حتى المرأة الحائض ، ليلتقي الجميع ، مهللين مكبرين ذاكرين لله ، تحقيقاً لهذه الغاية .

ومن مقاصد العيد ، تغيير نمط الحياة المعتادة ، وكسر رتابتها الثابتة ، ذلك أن من طبيعة النفس البشرية حبها وتطلعها إلى تغيير ما اعتادته من أعمال ، فكان العيد مناسبة للتغيير ، وفرصة للترويح ، لتستريح بعد التعب ، وتفرح بعد الجد والنصب ، وتأخذ حظها من الاستجمام وما أباح الله ، فتعود أكثر عملاً ونشاطاً ، ولهذا - والله أعلم - جاء النهي عن صيام يوم العيد ، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر ) رواه مسلم وغيره .

ومن مقاصد العيد مباسطة الأهل ومداعبتهم ، خصوصاً بعد أن باعدت تكاليف الحياة ومشاغلها بين الأب وأبنائه ، وبين الزوج وزوجته ، وبين الإنسان وأرحامه ، وقد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : دخل عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعندي جارتيان تغنيان بغناء بعاث ، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه ، فدخل أبو بكر فانتهرني وقال : مزمار الشيطان عند رسول الله ؟ فأقبل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( دعهما فإنه يوم عيد ) ، فلما غفل غمزتهما فخرجتا ، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق - ( الترس ) - والحراب ، فإما سألتُ رسول الله ، وإما قال: ( تشتهين تنظرين ؟ فقلت : نعم ، فأقامني وراءه ، ورأسي على منكبه وخدي على خده ، حتى إذا مللت قال : حسبك ؟ قلت: نعم ) ، وفي رواية : " فدعاني النبي - صلى الله عليه وسلم- فوضعت رأسي على منكبه ، فجعلت أنظر إلى لعبهم ، حتى كنتُ أنا التي انصرف عن النظر إليهم " ( متفق عليه ) .

وفي الحديث دلالة على أن العيد فيه من الانبساط ما ليس في غيره ، وأن من مقاصده الترويح عن النفوس ، والتبسط مع الأهل والأصحاب ، في حدود ما أباح الله ، قال الحافظ ابن حجر : " وفي هذا الحديث من الفوائد : مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس ، وترويح البدن من كُلَفِ العبادة ، وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين ".

ويجب التأكيد على أن هذا الانبساط واللهو المباح ، لا يعني أبداً الانفلات من القيود ، والتحلل من الآداب ، وإطلاق العنان للشهوات ، لتسرسل النفوس في الآثام واللذات ، وتنساق مع دواعي الهوى والشيطان ، دون رادع من دين أو حياء بدعوى التبسط والترويح .

ومن مقاصد العيد الأساسية التذكير بحق الضعفاء والعاجزين ، ومواساة أهل الفاقة والمحتاجين ، وإغناؤهم عن ذل السؤال في هذا اليوم ، حتى تشمل الفرحةُ كلَّ بيتٍ ، وتعمَّ كل أسرة ، ولذلك شُرِعت الأضحية وصدقة الفطر .

والعيد فرصة لتتصافى النفوس ، وتتآلف القلوب ، وتتوطد الصلات والعلاقات ، وتدفن الضغائن والأحقاد ، فتوصل الأرحام بعد القطيعة ، ويجتمع الأحباب بعد طول غياب ، وتتصافح الأفئدة والقلوب قبل الأيدي .

**أحكام العيد***
وهناك جملة من الأحكام والسنن والآداب المتعلقة بالعيد ، ينبغي للمسلم أن يراعيها ويحرص عليها ، وكلها تنطلق من المقاصد والغايات التي شرعت لأجلها الأعياد في الإسلام ، ولا تخرج عن دائرة التعبد لله رب العالمين ، في كل وقت وحين .

فمن هذه الأحكام حرمة صوم يوم العيد ، لما ثبت عن عمر رضي الله عنه ، أنه صلَّى قبل الخطبة ، ثم خطب الناس فقال : " يا أيها الناس ، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهاكم عن صيام هذين العيدين ، أما أحدهما فيوم فطركم من صيامكم ، وأما الآخر فيوم تأكلون نُسُكَكَم " . رواه البخاري .

ويستحب في العيد الإكثار من التكبير ، فيكبر في عيد الفطر من غروب شمس آخر يوم من رمضان ، ويستمر حتى صلاة العيد لقوله تعالى: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } ( البقرة 185 ) ، ويتأكَّد عند الخروج إلى المصلى ، وانتظار الصلاة .

وأما في الأضحى فإن التكبير المطلق مشروع من أول أيام ذي الحجة لقوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات } ( الحج 28 ) ، والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة ، وقد ثبت في الصحيح أن ابن عمر و أبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق في أيام عشر ذي الحجة يُكبِّران ، ويُكبِّر الناس بتكبيرهما .

ولذا فإنه يسن إظهاره في هذه الأيام ورفع الصوت به في المساجد والدور والطرق والأسواق وأماكن تجمع الناس ، إظهاراً لهذه الشعيرة ، وإحياء للسنة ، واقتداء بسلف الأمة .

وأما التكبير المقيد بعد الصلوات المفروضة فيبدأ من فجر يوم عرفة بالنسبة لغير الحاج ، وأما الحاج فيبدأ من صلاة الظهر يوم العيد ، لأنه مشغول قبل ذلك بالتلبية .

ويستمر التكبير المطلق - في كل وقت- مع التكبير المقيد إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق ، وهو رابع أيام العيد ، لقوله تعالى : { واذكروا الله في أيام معدودات } ( البقرة 203 ) ، ولقوله عليه الصلاة والسلام : ( أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله ) رواه مسلم .

وصفة التكبير أن يقول : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، وإن كبَّر ثلاثاً فهو حسن ، والأمر في ذلك واسع .

ومن الآداب المستحبة في يوم العيد الاغتسال والتجمل ، والتطيب ولبس أحسن الثياب ، لأنه يوم يجتمع فيه الناس ، وقد ثبت أن ابن عمر رضي الله عنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى ، وأقرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب ، ولم ينكر عليه التجمل للعيد حين رأى عمرُ جبة من إستبرق فقال : يا رسول الله ، ابتع هذه ، تجمل بها للعيد والوفود ، فقال له -صلى الله عليه وسلم - : ( إنما هذه لباس من لاخلاق له ) أخرجه البخاري مما يدل على مشروعية أصل التجمل والتزين للعيد .

فينبغي للمسلم أن يكون في هذا اليوم على أحسن مظهر ، وأتم هيئة ، وذلك إظهاراً لنعمة الله عليه ، وشكراً له على ما تفضل به ، فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .

والسنة في عيد الفطر أن يأكل قبل الصلاة ، وأن يأكل تمرات وتراً ، ثلاثاً أو سبعاً أو تسعاً .... ، وأما في الأضحى فلا يأكل حتى يذبح أضحيته فيأكل منها ، فعن بريدة رضي الله عنه قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل ، ولا يأكل يوم الأضحى حتى يرجع فيأكل من أضحيته " رواه أحمد .

ويُستحب أن يخرج إلى المصلى ماشياً ، لقول علي رضي الله عنه : " من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً ، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج " رواه الترمذي .

ويستحب كذلك أن يخالف الطريق ذهابا وإياباً ، فيذهب من طريق ويعود من غيره ، فعن جابر رضي الله عنه قال : " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم العيد خالف الطريق " كما في البخاري .

وقد تلمس أهل العلم لذلك بعض الحكم منها : إظهار شعائر الإسلام بالذهاب والإياب ، ومنها السلام على أهل الطريقين ، ومنها شهادة البقاع ، ومنها التفاؤل بتغير الحال إلى المغفرة ، ومنها قضاء حاجة من له حاجة في الطريقين .

وسواء علمنا الحكمة أم لا ، فالسنة اتباع هديه - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يخلو من حكمة .

والتهنئة بالعيد من العادات الحسنة التي تعارف عليها الناس ، مع ما فيها من تأليف القلوب ، وجلب للمودة والألفة ، وعليه فلا حرج في التهنئة بأي لفظ من الألفاظ المباحة كأن يقال : " عيد مبارك " ، أو " أعاده الله عليك " ، أو " كل عام وأنتم بخير " أو نحو ذلك من العبارات ، وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض : " تقبل الله منا ومنك " .

وإظهار السرور والفرح في الأعياد من شعائر الدين ، فلا بأس من اللعب واللهو المباح ، وفعل كل ما يُدخل البهجة في النفوس ، مع مراعاة الحدود الشرعية ، من غير إفراط ولا تفريط ، فقد قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما ، فقال : ( ما هذان اليومان ) ؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر ) رواه أبو داود .

وليحذر المسلم مما يُرتَكَب في أيام الأعياد من تبذير وإسراف ، وتبديد للأموال والأوقات ، وجرأة على محارم الله ، ونحو ذلك من الأمور التي تنافي التعبد لله الواحد الأحد في الأعياد وغيرها ، وتعود بالضرر والخسران على أصحابها في الدنيا والآخرة .

نسأل الله أن يتقبل منا صالح الأعمال ، وأن يعيد علينا هذه الأيام باليُمن والخير والبركة .

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق