الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

في ذكرى الإسراء : من بركات ( الحوْل )

2532 0 414
تهل ذكري الإسراء والمعراج، فنشنف آذاننا، ونملأ عيوننا وقلوبنا من إشراقات قوله تعالي :( سبحان الذي أسري بعبده ليلا من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) [الإسراء: 1].
ويؤكد الوحي تحقق الحدث ووقوع الإراءة - أي تمكين النبي صلي الله عليه وسلم من رؤية ما عرضه عليه الله سبحانه وتعالي من آياته - وجاء هذا التأكيد بوسيلتين:
الأولي - الحكم علي شخصية الرائي بالصدق المطلق ، بنفي الضلال والغي والهوي عنه، فالوحي هو معينه الذي منه يستقي وعليه تعتمد رسالته( إن هو إلا وحي يوحي ) .
والثانية - الحكم علي الحدث ذاته بوقوعه في دائرة الرؤية الحقيقية بلا زيغ، ولا توهم ( ما زاغ البصر وما طغي . لقد رأي من آيات ربه الكبري ) [ النجم 17، 18 ].
فهناك إذن ( رحلة ) أكرم الله بها نبيه صلي الله عليه وسلم تتمثل في الإسراء من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي ، والمعراج من المسجد الأقصي إلي السماوات العلا.
وهذه الرحلة التي خص بها الله سبحانه وتعالي نبينا محمدا صلي الله عليه وسلم جاءت لتحقيق (غاية) شاءها الله تعالي تتمثل في أن يري من آيات ربه ما شاءه ( لعبده ): فكانت تسلية لنبيه بعد أن فقد أعظم نصيرين له: أمنا خديجة رضي الله عنها) وعمه أبي طالب ، وكانت رحلة تشريعية، فرضت فيها الصلاة خمسا في اليوم والليلة ، بثواب خمسين صلاة.
وكانت رحلة عرفانية رأي فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم ما زاده يقينا ومعرفة وعلما بقدرة الله وآيات عظمته، وكانت رحلة (كاشفة) نقت الصف المسلم، ونفت عنه ضعاف الإيمان الذين كذبوا حادث الإسراء ، وعادوا إلي الكفر.
لقد أفاضت كتب التفسير والحديث والسيرة في ذكر تفصيلات الإسراء والمعراج ، وأغلب القراء والقارئات علي علم بكثير منها، ولكن أجدني مشدودا إلي وصف المسجد الأقصي بقوله تعالي ( الذي باركنا حوله ) فما معني البركة ؟
يقول الراغب الأصفهاني في كتابه القيم (المفردات في غريب القرآن): البركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء ، كثبوت الماء في البركة، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلي وجه لا يحصي، ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك ، وفيه بركة) ص54 . وفسر المسجد الأقصي بأنه بيت المقدس .
ويقول الألوسي في ( روح المعاني ):
وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام، وقبلة لهم، وكثرة الأنهار والأشجار حوله، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال) 15 / 16 وجاء في الأثر أن (البركة) تمتد فتشمل ما بين العريش إلي الفرات.

فهناك إجماع إذن علي تفسير (حوله) بالمفهوم المكاني: أي ما أحاط بالمسجد الأقصي - أو بيت المقدس - من أماكن وأراض باركهاالله، أي منحها من الخيرما يزيدعلي المعهود المتعارف عليه في تقدير البشر وحساباتهم.
ولكن النظر في الآية والسياق القرآني يتسع كذلك إلي تفسير (حوله) بالمفهوم (القيمي)، والحول - في اللغة - معناه: القوة والقدرة والبراعة والدهاء.
واستصحاب الواقع التاريخي ، واستقراء مراحله وأحداثه المختلفةيقطع بأن منطقةالمسري - بيت المقدس وامتداداتها – بارك الله في (حول) من عاش لها، وارتبط بها، ودافع عنها وعمل علي تخليصها من الأذي والبغي والعدوان، ومن الأماكن ما يبعث في نفوس أصحابها، ومن يرتبطون بها - فكريا وعقديا - طاقات روحية ونفسية تنعكس وتتجسد في أعمال هائلة يعجز عنها الوصف.

كلمة التاريخ
وصور (الحو ل) الذي باركه الله في منطقة المسري أكثر من أن تحصي، نكتفي منها - في مقامنا هذا - بصورتين: الأولي في القديم، والثانية في الحديث.
وأظهر الصور قديما نراها في معركة حطين( 583ه- - 1187م ) وهي المعركة التي أنزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة، فتحت أمام المسلمين أبواب فلسطين كلها، وكانت بداية قوية لانهيار حكم الصليبيين في المشرق العربي ، وقبلها وحد صلاح الدين تحت راية الإسلام مصر والشام والعراق والجزيرة، كانت قوات الصليبيين لا تقل عن خمسين ألفا، وجيش صلاح الدين لا يزيد علي نصف هذا العدد، وتمخضت المعركة عن انتصار ساحق مبين للمسلمين، وقتل من الأعداء قرابة ثلاثين ألفا، وأسر غيرهم آلاف ، منهم ملوك وأمراء مثل: (الملك غي)، والأمير ( رينو دي شاتيون) .
قال ابن الأثير: ( وكثر القتل والأسر فيهم، فكان من يري القتلي منهم لا يظن أنهم أسر منهم أحد، ومن يري الأسري منهم لا يظن أنه قتل منهم أحد ) .
وكان انتصار حطين نقطةانطلاق لجيش صلاح الدين إلي التحرير الشامل ، فتم تحرير قلعة طبرية وعكا ومجد بابا والناصرة، وقيسارية، وصفا، واسكندرونة، والبيرة، وجبل الجليل، وتل الصافية، وتل الأحمر، والسلع، ويافا، وصيدا، ونابلس، وقلعة نابلس، وسبطية، وتبنين، وبيروت، والرملة، وعسقلان، وغزة، وبيت لحم، وبيت جبريل، والنطرون، والخليل، وغيرها من عشرات المواقع والمدن والقري.
إنه العدد الأقل الذي ( بارك الله حوله ) فغلب - بل سحق - العدد الأكبر و( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) [البقرة: 249].

وفي الحديث الآني الذي نعيشه نري كيف بارك الله حول انتفاضة الأطفال، وجعل حجارتهم أشد لذعا ولسعا علي اليهود من الرصاص، وقد رأينا علي شاشة التلفاز كيف يهرول أعداد من الجنود الصهاينة أمام قذائف الحجارة من أيدي أطفال الأقصي محاولين التماس ( سواتر ) تحميهم من زخات هذه الحجارة ورأينا ما لا يقل عن عشرة جنود يولون الأدبار في هلع أمام امرأة فلسطينية أرادوا اقتحام بيتها، فرفعت في وجوههم ( مذراة) القمح وعلل بعضهم هربه بأن ما رآه في يد المرأة كان مدفعا رشاشا غريبا له( مواسير ) متعددة، وصدق تعالي إذ قال: ( ولتجدنهم أحرص الناس علي حياة، وإذ قال:( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي ).
إنها البركة الإلهية الممتدة التي وسم الله بها ( حول ) المؤمنين وجهادهم علي مدي العصور ما ثبتوا علي إيمانهم وكان حقا علينا نصر المؤمنين ، وهذا التفسير - ولا شك - يدفع المؤمنين إلي مزيد من اليقين والثقة في نصر الله ، ويفتح أمامهم أبواب الأمل الصادق إلي تحقيق النصر المؤزر المبين.

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق