الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفيتو الأمريكي لا يدهشنا

الفيتو الأمريكي لا يدهشنا
2871 0 451

رفع المندوب الأمريكي الدائم في مجلس الأمن الدولي يده بإشارة "الفيتو" – حق النقض - في وجه مشروع قرارٍ يدعو لوقف الحملة الصهيونية المتواصلة على أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة . مشروع القرار أيّدته إحدى عشرة دولة في مجلس الأمن ، و امتنعت ثلاث دول عن التصويت ، و لكن الإدارة الأمريكية رفعت "الفيتو" في وجه المصوّتين و الممتنعين ، مؤذِنةً بتواصل حملة التدمير الصهيوني الأوسع في قطاع غزة ، من بيت حانون إلى رفح ، لتطال كلّ مناطق القطاع ، ملتهمة حتى ساعة رفع "الفيتو الأمريكي" 83 مواطناً فلسطينياً بينهم 20 طفلاًَ ، و جرح و عطب أكثر من 350 مواطناً ، و هدم مئات المنازل .و هذه ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها المندوب الأمريكي في مجلس الأمن و الأمم المتحدة حقّ النقض ضد قرارٍ عربي ، لا يقدّم في الحقيقة كثيراً أو قليلاً للقضية الفلسطينية ، لأنه لن يخرج حتماً من الباب السابع الذي تملك أمريكا مفتاحه .

و قيام أمريكا باستخدام حقّ النقض هذه المرة يمثّل – كما في كلّ مرة - اعترافاً رسمياً أمريكياً صريحاً بعداوة الدولة الأمريكية للشعب الفلسطيني و الأمة العربية و الإسلامية .

إنه بمثابة "استعراضٍ" طوعي ، تقوم أمريكا من خلاله بين الحين و الآخر بـ "التعرّي" و الكشف عن وجهها اللئيم الصفيق للفلسطينيين و العرب و المسلمين .

أما فيما عدا ذلك فإن قضايانا و منذ زمنٍ طويل ترتطم في مجلس الأمن الدولي بالفيتو الأمريكي . و كلما وضع العرب و أصدقاؤهم من ممثّلي شعوب العالم مشروع قرارٍ يتعلّق بالحقّ العربي أو بإدانة "إسرائيل" ، أو فرض عقوباتٍ عليها ، وجد هذا المشروع نفسه أمام حاجز الفيتو الأمريكي .

و في العادة يتولّى "أصدقاؤنا" اللطفاء في أوروبا تخويفنا بهذا الفيتو ، و يطالبوننا – كما فعلت ألمانيا و بريطانيا و رومانيا مؤخّراً - بتدجين و ترويض و تطويع مشاريع القرارات إلى درجةٍ مهينة ، بمساواتها بين الفلسطينيين و الصهاينة ، ليأتي القرار – حسب زعمهم - "متوازناً" – وفق المواصفات الأمريكيّة ، و إلا فإنه سيصطدِم بالفيتو الأمريكي .

و ادعاء دولٍِ مثل بريطانيا و ألمانيا بالخوف من الفيتو الأمريكي مسألةٌ مفهومة ، إنها عبارة عن تواطؤ على الفلسطينيين و العرب ، بين أوروبا الغربية و أمريكا و "إسرائيل" في إطارٍ من توزيع الأدوار ، بحيث تبدو أوروبا الغربية بدور الوسيط المحايد ، و لكنه المحايد الذي ليس له إلا مهمة واحدة هي تخويف العرب من الفيتو الأمريكي ..

لماذا تستخدم أمريكا حقّ النقض ضد مشاريع القرارات التي تمسّ "إسرائيل" ؟
هل لأن أمريكا تحبّ "إسرائيل" حباً جماً و حسب ؟!
كلا !! .. إنه يعني أن الولايات المتحدة تحبّ "إسرائيل" و لكنها تكره الفلسطينيين و العرب إلى درجةٍ و لن تتردّد معها عن استخدام حقّ النقض ضد أيّ قرارٍ يطالب بفرض عقوباتٍ على دولة الكيان الصهيوني ، حتى لو قام هذا الكيان بقتل نصف الشعب الفلسطيني ، و أجبر نصفه الباقي على الرحيل ، و أقدَم على تدمير الأقصى المبارك و قبة الصخرة المشرفة ..

لسنا نحكم على أمريكا بهذا انطلاقاً من "بروتوكولات حكماء صهيون" مثلاً ، أو أيّ نصوصٍ مشابهة . إن لدينا نصوصاً مأخوذة من محاضر الكونغرس الأمريكي عام 1922م ، أي قبل إقامة كيان "إسرائيل" بستة و أربعين عاماً ، و قد اخترت منها مقاطعَ من خطابٍ لأحدِ أعضاء الكونغرس في ذلك الحين .

قال هذا العضو : "إنني لم أحتمل فكرة وقوع القدس و فلسطين تحت سيطرة المسلمين أو "المحمّديين" – حسب تعبيره - .. إن بقاء القدس و فلسطين المقدّسة عند اليهود في أيدي المسلمين كان يبدو لي و لسنواتٍ طويلة و كأنه لطخة في جبين الحضارة و من الواجب إزالتها" !! ..

هذا القول لعضو الكونغرس ، نقلناه بنصّه و فصّه .. إذن وجود العرب في القدس ، أي في الحرم ، لطخة في جبين الحضارة من الواجب إزالتها !! .. و هذا القول الخطير يزداد خطورة إذا عرفنا أن صاحبه لم يكن عضواً عادياً في الكونغرس ، بل هو "هنري كابوت لودج" الذي كان مالئاً الدنيا و شاغلاً الناس في الخمسينيات و الستينيات .

و للأجيال الجديدة التي لا تعي تلك الحقبة نقول إن "هنري كابوت لودج" كان مرشّحاً مزمناً للرئاسة الأمريكية ، و لكنها لم تُكتَب له ، تماماً مثل "أدلاي ستفنسون" و "ماك غوفرت" و غيرهم من المتطلّعين إلى البيت الأبيض ..

و لكن "لودج" كُتِب له أن يكون مندوبَ أمريكا الدائم في الأمم المتحدة و مجلس الأمن سنواتٍ طوالاً ، تعويضاً له عن فشله في انتخابات الرئاسة الأمريكية .

و إذن فإن هذا الموقف الأمريكي الحقود من العرب و حقوقهم ، و من المسلمين و مقدّساتهم ، موقفٌ قديم ، و لكنه ثابتٌ و دائم . أي أن التحالف الاستراتيجي بين أمريكا و (إسرائيل) لا يقتصر على تسليح (إسرائيل) و تمويلها و إمدادها بالطعام ، و حماية إجرامها من المجتمع الدولي .. إلخ ، إن هذا التحالف الاستراتيجي الأمريكي – (الإسرائيلي) يتضمّن أيضاً تدمير القدس الشريف إلى جانب ابتلاع نصف أراضي الضفة الغربية أو ثلاثة أرباعها ، و قتل أبناء الشعب الفلسطيني أو تهجيرهم و تمكين العدوّ من الاحتفاظ بالأرض ، و جرّ العرب – كلّ العرب - إلى الاستسلام اللامشروط ، دون تنازلٍ عن أيّ شيء حتى عن قطاع غزة .لقد تأسّست الأمم المتحدة عام 1945 لتكون قدرةً فاعلة ، لكن الولايات المتحدة التي (تحتضنها) بحكم وجودها في نيويورك ، عملت على تعويدها "الانضباط" ، مثلما يتمّ للحيوان الأعجم حين يروّض للقيام بإطاعة سيده ، يشدّ له اللجام فيقف ، و يلكزه في خاصرته فيمشي ..

أمريكا زرعت في رأس المنظمة الدولية جهازاً صغيراً و خطيراً اسمه جهاز "الإخماد" و حوّلتها إلى كائنٍ يمتلك قدرة هائلة على الهضم بحيث يتمكّن من تصفية أيّ قضية ، خصوصاً القضية الفلسطينية .و بذلك ضربت عصفورين بحجرٍ واحد ، فمن جانبٍ توحي ظاهرياً بوجود صحّةٍ قويّةٍ في هذه المنظمة ، و لكن تحت قشرة الصحة الخارجية نكتشف انعدام الإرادة الإيجابية الفاعلة ، بحيث إن المسافة كبيرة بين "سوف نعمل" و بين تفريغ الإرادة بالمعنى الحقيقي .

و الولايات المتحدة الأمريكية حريصة على الوجود الصهيوني في فلسطين ، كلّ فلسطين .. ليس في ظلّ هذه الإدارة و حسب ، و إنما منذ ثمانين سنة و نيّف ، و حريصة على تمكين الحكومات الصهيونية المتعاقبة منذ توقّف حرب أكتوبر عام 1973 على استثمار الروح الاستسلامية و اللاوطنية ، و ابتزازِ المتخاذلين و المتواطئين العرب إلى أبعد الحدود الممكنة ، و التصدّي لأيّ قرارٍ أو مشروعٍ قرار يوقِف تمدّد هذا الكيان و توسّعه و عدوانيّته .

الوجود الصهيوني في فلسطين – قلب الوطن العربي - شيء متميّز بالنسبة للولايات المتحدة ، و وجود (إسرائيل) قويّة مهيمنة هو رمز استمرار النفوذ الأمريكيّ .

إليكم مثلاً ما قاله جورج دبليو بوش في مؤتمر "اللجنة الأمريكية – (الإسرائيلية) للشؤون العامة" (إيباك) في الثامن عشر من مايو الماضي : "أمّتنا أقوى و أكثر أمناً لأن لدينا حليفاً حقيقياً هو (إسرائيل)" !! ..

ثم أعلن التزام بلاده بدولة يهودية قويّة قائلاً : "إن (إسرائيل) حرّة و غنيّة و آمنة .. هي من المصلحة القوميّة لهذه الأمة ، و إن الولايات المتحدة ملتزمة بـ (إسرائيل) دولة يهودية حيّة لها كلّ الحقّ في الدفاع عن نفسها" ! ..

بقِيَ أن نقول إن من الثوابت ، بل من المقدّسات ، لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة ألا يكون هناك دولة فلسطينية .. و حين يقول رئيس أمريكا - أي رئيس - بحقّ الفلسطينيين في وطن ، فهو لا يعني الحقّ في دولة ، و إذا قال بحقّ الفلسطينيين في أن يكون لديهم دولة ، فإنه يعني الحكم الإداري الذاتي ، و هو ما يسهّل على (إسرائيل) ضمّ الأراضي الفلسطينية قطعةً بعد قطعةٍ إلى الكيان الصهيوني ، عبر بناء الأسوار و الجدران القاضمة ، و بمعركة أو من دون معركة .و فلسفة الإدارات الأمريكية لا تخرُج عن الخط الذي رسمته "غولدا مائير" حين كانت رئيسة للحكومة الصهيونية : "هناك قطعة أرضٍ واحدة يتصارع حولها شعبان .. إما أن تكون لنا أو لهم ، و الصراع بين الشعبيين يجب أن يُحسَم لصالح الشعب اليهوديّ لأن فرصة العيش بهدوءٍ لن تكون متاحة بوجود الشعب الفلسطيني فوق نفس الأرض ، و أيّ تفكيرٍ بتسويةٍ تقوم على أساس وجود الشعبين معاً فوق نفس الأرض ، هو مثل التفكير في وضع الجمر تحت الرماد ، و أنت لا تعرف متى يمكن أن يتّقد" ..

و لكلّ ذلك فإن الفيتو الأمريكي الأخير لا يدهشنا .. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن مركز المعلومات الفلسطيني

مواد ذات صلة



تصويت

من أعظم المقاصد التي أكد عليها الإسلام تقوية أسباب التراحم و التلاحم بين المسلمين وترسيخ معاني التصافي والتآخي بين أبناء المجتمع "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا". ترى لماذا هذه الفرقة الحاصلة الآن بين الدول العربية والإسلامية؟

  • اختلافات سياسية
  • مطامع مادية وتوسعية
  • من صنع أعدائهم
  • اختلافات أيدلوجية
  • كل ما سبق