الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مهاتير محمد .. وتجربة تنموي بارز

1526 0 285

لست من هواة حضور محاضرات كبار السياسيين، غير أني أعشق سماع تجارب كبار المنجزين التنمويين. وبعد شهور طويلة حافلة بالوحشية التي تصبها علينا وكالات الأنباء في كل لحظة، كان لابد من الترويح عن النفس بحضور محاضرة الدكتور مهاتير محمد التي ألقاها في مكتبة الإسكندرية، عن التجربة الماليزية في التنمية البشرية.

وبالمناسبة، قرأنا في الصحف أن الدكتور مهاتير لم يحصل على أجر عن محاضرته؛ لأنه يعتز بفترة دراسته في الأزهر الشريف.
والرجل طبيب يتعامل مع مشكلات التنمية - كما يقول هو - بمنهج الطبيب والسماع جيدًا لشكوى المريض، معرفة المرض، ثم التشخيص السليم، ثم وصف العلاج، ثم تنفيذه.

امتلأت القاعة الكبرى في مكتبة الإسكندرية بالحضور، وهذه ظاهرة طيبة، الناس يهتمون الآن - بعد فشل الشعارات والفرقعات الكلامية- بنجوم جدد، هم نجوم التنمية، ليس الذين يتكلمون عليها بالطبع أو يريدونها أو يحلمون بها، بل هؤلاء الذين قطعوا شوطًا كبيرًا على طريقها وحققوا فيها إنجازًا جديرًا بالاحترام.

الرجل من مواليد 1925م، أي أنه قارب على الثمانين، غير أنك سترى أنه لم يتعد الخمسين بملامحه الرقيقة وابتسامته اللطيفة الدائمة. هذا هو الدرس الأول في التنمية البشرية، عندما يكون ما تقوله وما تفعله شيئًا واحدًا، عندما تكون إرادتك هي نفسها رغبتك، عندما تنجز إنجازًا كبيرًا فستظل شابًا إلى الأبد.
لا جديد في ما قال الرجل، فكل أمراض العالم الثالث معروفة للجميع، وظواهر التخلف التي تعوق التنمية معروفة أيضًا للجميع، ولكن للأسف هناك قاعدة في التحليل النفسي تقول: إن المعرفة لا تشفي. فقد تعرف مثلاً، كما أعرف أنا، أن التدخين أمر ضار جدًّا بالصحة، غير أنك تفتقر إلى الإدارة الكافية للإقلاع عنه، لذلك ستواصل التدخين والإضرار بنفسك.

التجربة اليابانية هي المنارة التي ينظر إليها الدكتور مهاتير باحترام كبير، وهو يؤمن بأن الناس في أي مكان قادرون على الإنجاز الكبير عندما يتعلمون كيفية الإنجاز وأهميته. والتدريب للحصول على المهارات الأساسية أمر حتمي للتنمية، المهارة (Skills) هي الكلمة التي كررها أكثر من ثلاثين مرة في محاضرته القصيرة، الإتقان في صنع السلعة، المطلوب هو أعلى درجات الإتقان مع أرخص سعر يمكن الوصول إليه. ولكن المهارة وحدها ليست كافية، لابد من الإحساس بالعيب (Sense of Shame) الواقع أن التعبير الذي استخدمه يعني حرفيًا الإحساس بالعار، من العار أن تصنع شيئًا رديئًَا، أن تقوم بفعل سيئ، وعلينا أن نشرح للناس معنى أن ينتجوا شيئًا رديئًا، معناه ببساطة أن أحدًا لن يثق بك، وأنت في حاجة إلى ثقة الآخرين. وهو يستشهد بدور هذا الإحساس في تحقيق المعجزة اليابانية، الياباني ينتحر بشق بطنه (الهاراكيري) عندما يستولي عليه إحساس قوي بالخجل.

لابد من أن يتعلم الناس المعنى الحقيقي للشجاعة. ليست الشجاعة أن تموت من أجل شيء، الشجاعة هي أن تنجز هذا الشيء وتعود سالمًا. لقد انطلقنا إلى الأمام لأننا لم نكن شيوعيين ولا اشتراكيين ولا رأسماليين، لذلك كان من السهل علينا أن نختار من بينها جميعًا ما ينفعنا.
عندما تتولى الحكومة إدارة كل شيء لن تحدث التنمية، فموظف الحكومة سيقبض راتبه في كل الأحوال، لماذا يجهد نفسه، لماذا يبدع؟ كما أننا إذا تركنا الأمر للأفراد يديرون كل شيء فلن تحدث التنمية أيضًا؛ لأن هدفهم هو الربح وليس التفكير في حال المجتمع، لذلك كان لابد من التوازن بين ما تتولاه الدولة وما يتولاه الأفراد.

البيروقراطية ليست جيدة في العمل ـ كذا قال مهاتير محمد ـ الموانئ عندنا أعطينا إدارتها للقطاع الخاص، بينما مشاريع النفط تتولاها شركات حكومية تتعامل بحوافز القطاع الخاص نفسها. أما التعامل مع البيروقراطية فقد لاحظنا أننا في الحكومة نناقش خيارات عدة ثم ننتهي إلى اتخاذ قرار بخصوص أمر معين، هذا القرار تتسلمه البيروقراطية ثم تبدأ من جديد في مناقشة الخيارات التي ناقشناها من قبل. والحل هو فور صدور القرار وبينما هو لا يزال ساخنًا، على الوزير أن يجلس مع كبار موظفيه ويشرح لهم أن كل الخيارات تمت مناقشتها وأننا انتهينا إلى هذا القرار وعليكم أن تطبقوه.

ثقافة التنمية تعني تدريب الناس على العمل الشاق مع أعلى درجات الحرص واليقظة، كانت هناك معسكرات للتدريب على العمل الشاق والإتقان، وقد حضرت أنا شخصيًا بعض هذه التدريبات، فمثلاً يصعد العامل المتدرب إلى قمة جبل، ومعه بيضة، ثم ينزل من فوق الجبل محافظًا على سلامتها!!

آه يا عزيزي مهاتير محمد...
اسمح لي أن أتوقف قليلاً عند حكاية البيضة والجبل، يا له من درس للبشر، الجمع بين البيضة والجبل والجهد الشاق في مشهد واحد، غير أن عقلي سَرَحَ بعيدًا، ليتعرف على ما سيحدث عندنا إذا نقلنا هذا النموذج في التدريب من عندكم. أتخيل العناوين الكبيرة في الصحافة تعليقًا على برنامج التدريب: تمخض الجبل فولد بيضة. الحكومة تقضي على البيض في بلادنا. مسؤول كبير يصرح: البيض موجود بوفرة في برامج التدريب، العجز في الجبال فقط. ثلاثة بلايين من الدولارات قرض من البنك الدولي لبناء عشرة جبال. إحالة مواطن إلى النيابة بتهمة الغش بعد أن اتضح أن بيضته لم تكسر لأنها كانت مسلوقة.
ثم حواديت على المقاهي: مواطن تسلق الجبل عشر مرات، وفي كل مرة كانت البيضة تكسر، وفي محاولته الأخيرة، استولت عليه تعاسة لا حد لها، فعدم الحصول على شهادة سلامة البيضة؛ يعني عدم قبوله في أي مصنع، وفجأة يقترب منه أحد الفراشين العاملين في المشروع ويهمس في أذنه: عاوز بيضة سليمة يابيه؟ تنتعش آمال المواطن ويقول بلهفة: عندك.. هي فين؟ يقول الفراش: أنت بتصدق برضه إن حد طلع الجبل ونزل بالبيضة سليمة؟ اسمع يابيه، أنا حاجيب لك شهادة ممضية ومختومة ومعتمدة من الأستاذ البيضاني نفسه بأنك سلمت البيضة بشرط تفتح مخك.

المشكلة يا دكتور مهاتير؛ أن البيروقراطية تصنع الشعارات، والشعارات تكلبش عقول البشر، وتحفر فيها التواءات، والالتواءات تمنع الناس من التعامل بوضوح وصراحة مع مشكلاتها. لم يكن عندكم عوائق روتينية فكان من السهل عليكم أن تنطلقوا، أما نحن فمكبلون بأنواع عدة من الموانع حولناها إلى سلاسل وأصفاد حديد تمنعنا من الحركة إلى الأمام، بل تدفعنا إلى الوراء في الاتجاه المعاكس للعالم كله. فياليت لنا مهاتير محمد!! ولكن من أين لنا به؟!
ـــــــــــــــ
الحياة : بتصرف

مواد ذات الصله



تصويت

قال بعض السلف :متى رأيت تكديرا في الحال فابحث عن نعمة ما شُكِرت أو زلة فُعِلت قال تعالى(ذلك بأن الله لم يك مغيِّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). في رأيك ما هو أهم سبب لزوال النعم؟

  • عدم شكرها
  • عصيان المنعم بنعمته
  • منع النعمة عن مستحقها
  • الإسراف والتبذير
  • جميع ما سبق