الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد حالة الوفاة انتابني خوف وهلع وأعراض جسدية، ماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

أنا شاب، وعمري 24 سنة، وساكن مع أهلي في البيت، وأصلي لكن كنت غير ملتزم، يعني ساعات أصلي وساعات لا، وهذه السنة بدأت ألتزم بالصلاة مع الأذكار والاستغفار في بعض الأوقات -الحمد لله-، ولا أعاني من أي أمراض مزمنة -الحمد لله- باستثناء الخوف الطبيعي الذي عند كل الناس، وكانت أموري جدا عادية، وكنت أشاهد مقاطع عن الموت، وأقرأ قصصا، وأخاف في ذلك الوقت فقط، وأقوم اليوم الثاني وأنا ناسٍ كل شيء وعادي.

عموما قبل ثلاثة أشهر تقريبا توفي عندنا شخص بعد زفافه بيومين -الله يرحمه-، ويقولون: إنه توفي ولا يشكو من أي مرض. وأنا انتابني خوف وهلع من القصة، وأنا مؤمن أن الموت حق على كل مسلم، وكنت لا أخافه بهذا القدر، وعموما بعد يومين من القصة توفي نفس الشيء ابن خالتي، ولكنه يعيش في بلد آخر، وهو شاب، ويقولون أيضا: إنه توفي فجأة -الله يرحمه ويرحمنا جميعا- ومن هنا بدأت حالتي النفسية: خوف، وهلع، ودوخة، وزغللة في العيون، وألم في جانبي الأيسر من البطن، ويمتد إلى رجلي اليسرى، وساعات في الصدر الأيسر، مع إحساس بالتقيؤ، وإمساك، ورهبة من ركوب السيارة، وخوف شديد من الموت، مع العلم أني كنت لا أشكو أي شيء قبل حالتي الوفاة التي صارت.

ذهبت إلى عيادة، وأخبرت الطبيب بما أشعر وما أحسه، فعمل لي جهاز السونار على المعدة، وقال: إن المعدة سليمة. وعمل لي فحص دم، واتضح أن لدي جرثومة بالمعدة، مع التهاب بالإثني عشر، وقال الطبيب لي: ممكن زيادة الخوف والهلع التي فيك تكون بسبب جرثومة المعدة والالتهاب. وإذا زالت سوف يزول الخوف والهلع -والحمد لله-.

أخذت الأدوية، وخفت الأعراض، وقدرت أسيطر على الخوف والهلع، ووسواس الموت تقريبا 60 إلى 70 بالمائة، ولكن ما زال معي، وآخذ لذتي بالحياة، ويروح ويرجع مرة قويا ومرة خفيفا، ومرة أسيطر عليه.

أنا محتار الآن، ولا أعلم ماذا أفعل؟ مع العلم أني ذهبت لطبيب باطنية، وأخبرته بما أشعر، وقال لي: ما دام أنه قبل حالات الوفاة التي صارت ما كان بك شيء، وبعد الحالة أحسست بتعب وآلام، فأكيد هذا من القولون العصبي. وجلس يشرح لي -تقريبا نصف ساعة- علاقة القولون بالحالة النفسية، ولم يعطني دواء، وارتحت ذلك اليوم، ولكن في اليوم الثاني رجعت الحالة النفسية، وهكذا على الحال تروح وترجع، مع نوم متقطع وقليل، وأنا نفس الوقت عندي خوف من الأدوية النفسية، وحتى الآن لم أزر أي طبيب نفسي على الإطلاق.

فبماذا تشيرون علي؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Ahmed حفظه الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد، وأنا سعيد جدًّا أنك أصبحت الآن أكثر حرصًا على الصلاة في وقتها، فحافظ على صلاتك فهي عماد الدين، وعليك بالأذكار والاستغفار، وأذكار الصباح والمساء ضرورية، فهي مطمئنة وحافظة بإذنِ الله، ولا بُدَّ أن تكون محافظًا على وردٍ قرآني يومي، ويا أخِي الكريم: اجعل صحبتك مع الصالحين من الشباب، تجد منهم -إن شاء الله تعالى- الإعانة على أمور الدين والدنيا.

وأنا أقول لك -ومن خلال ما أوردته في رسالتك- أنك لست بمريض، كل الذي بك -أيها الفاضل الكريم- هو نوع من الحساسية البسيطة في بنائك النفسي جعلتك أكثر ميولاً للخوف وللقلق والمشاعر الوسواسية، وقطعًا أنت قد تأثرت بخبر الموت المفاجئ لهذا الشخص -رحمه الله- بعد زفافه، وكذلك ما سمعته عن ابن خالتك، فتفاعلك هو تفاعل إنساني وجداني عاطفي، وأقصد بذلك تفاعلك لهذه الأحداث والأخبار التي سمعتها، لكن ربما يكون فيه شيء من الهيمنة والاستحواذ الذي لا يحدث لشخص آخر، وذلك نسبةً للفوارق الموجودة بين الناس، فهنالك من البشر من هو أكثر وجدانيةً وتأثُّرًا، وهنالك من هو أكثر قوةً وقدرةً وشدةً في تحمُّل الأمور للدرجة التي قد يكون في قلبه نوع من القسوة.

أعتقد أن تفاعلاتك هذه -إن شاء الله تعالى- دليل على الرحمة، والمطلوب بالفعل هو ألا تتصور ولا تعتقد أنك مريض، فأنت لست مريضًا، وتمسَّك بدينك فهو خير مُعين للإنسان عند الفواجع، وتوكَّل على الله، وسِر في حياتك بصورة قوية وإيجابية. حدِّد أهدافك في الحياة، الذي ليس له أهداف لا يستطيع أن يصل لأي غاية، والعالم يعتمد الآن على التخطيط وعلى الأخذ بالأسباب، الإنسان الذي ينجح لا بد أن يكون له برامج حياتية تقوم على تخطيطٍ واعٍ، هذا يصرف عنا الطاقات النفسية السلبية مثل الخوف المتزايد والقلق والتوتر والوساوس.

كما أنه -أخِي الكريم أحمد- من المهمُّ جدًّا أن تُحاصر الفكر الوسواسي وتُفتِّته من خلال تحقيره، هذا أمرٌ مهم جدًّا. وأريدك أيضًا أن تُطوِّر من مهاراتك الاجتماعية، هذا يُساعدك: الحرص على صلاة الجماعة، ممارسة رياضة جماعية، مشاركة الناس في مناسباتهم، الانخراط في أي عمل ثقافي أو اجتماعي، هذا كله يطوِّرُ كثيرًا من مقدراتك ومهاراتك وإمكاناتك الاجتماعية، ممَّا يُساعد على زوال الخوف والقلق عندك.

بالنسبة للأدوية النفسية -أخي الكريم-: أنا لا أقول إن العلاج الدوائي شرط في حالتك، لكن قطعًا لو تناولت أحد مضادات المخاوف سوف تُساعدك كثيرًا جدًّا.

هنالك أفكار خاطئة وسط بعض الناس حول الأدوية النفسية، الأدوية النفسية أدوية ممتازة وسليمة، إذا أُعطيت بالصورة الصحيحة، وبالجرعة الصحيحة، وللحالة وللتشخيص الصحيح، وكان هناك التزام في تناولها.

إن أردت أن تذهب وتقابل طبيب الرعاية الصحية الأولية -أو طبيبا نفسيا- أعتقد أنه سوف يصف لك أحد الأدوية التي تُساعدك كثيرًا، وأعتقد أن عقارا يعرف تجاريًا باسم (زيروكسات Seroxat CR) ويعرف علميًا باسم (باروكستين Paroxetine) بجرعة صغيرة جدًّا، 12.5 مليجرام، تتناولها يوميًا لمدة شهرين، ثم 12.5 مليجرام يومًا بعد يومٍ لمدة شهرٍ، ثم تتوقف عن تناوله، أعتقد أن هذا الدواء سوف يُساعدك كثيرًا جدًّا.

باركَ الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وأسأل الله لك الشفاء والعافية والتوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً