الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدي يهدد بطلاق والدتنا، إن تزوجت أختي من اختارته

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أختي تبلغ من العمر أربعين عامًا، ولم تتزوج حتى الآن، وقد تقدم لخطبتها أحد زملائها في العمل، وهو رجل سبق له الزواج، ولديه ابنة تبلغ من العمر سنتين، ويسكن في بيت عائلة.

كان والدي رافضًا له في البداية، لكنه وافق بعد ذلك على مقابلته في المنزل، وعندما جاء لم يتفقا في الحديث بسبب مسألة قائمة المنقولات الزوجية، فقام الرجل وغادر المنزل فجأةً بطريقة رأى والدي أنها تفتقر إلى حسن التصرف، وبعد ذلك أراد الرجل أن يعود ليعتذر، لكن والدي ما زال رافضًا له، في حين أن أختي مصرة على الزواج منه.

وقد حلف والدي أنه إذا تزوجته أختي، فسيطلق أمي ويقطع علاقته بنا، ونحن أربعة إخوة، ومن بيننا أخ من ذوي الهمم يبلغ من العمر عشرين عامًا، كما أن أمي تبلغ من العمر ثلاثةً وستين عامًا.

وقد ترك والدي المنزل منذ شهر، وهو ينتظر مِنَّا أن نخبره بأن أختي لن تتزوج هذا الرجل، وإلَّا فإنه يُهدِّد بقطع علاقته بنا وتطليق أمي.

فهل يجوز لأختي أن تتزوج هذا الرجل رغم رفض والدها، وما قد يترتب على ذلك من طلاق أمي وقطع والدي علاقته بنا؟ أم ماذا ينبغي لها أن تفعل؟ وماذا ينبغي لنا نحن أن نفعل في هذه الحالة؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:

أولًا: أسأل الله تعالى أن يصلح شأنكم، ويؤلف بين قلوبكم، وأن يرزق أختك الزوج الصالح، وأن يحفظ والدكم ووالدتكم، ويجعل بيتكم عامرًا بالمودة والرحمة.

ثانيًا: لقد قرأت استشارتك بعناية، ولمست فيها أن الأمر ليس مجرد خلاف حول خاطب، بل اجتمعت فيه أمور متعددة: رغبة أختك في الزواج، ورفض الوالد، وغضبه الذي وصل إلى التهديد بالطلاق وقطع العلاقة، مع وجود أم كبيرة في السن، وأخ من ذوي الهمم يحتاج إلى استقرار الأسرة، ولذلك فالحكمة مطلوبة حتى لا يتحول أمر يمكن علاجه بالحوار إلى قطيعة وفرقة.

ثالثًا: المؤمن يتقلب في حياته بين مرتبتي الصبر والشكر، ولا يمكن أن تستمر حياته على وتيرة واحدة، حتى الأنبياء -عليهم السلام- ابتُلوا؛ قال الله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}، وقال نبينا -عليه الصلاة والسلام-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

رابعًا: لا تتخذوا قرارًا في هذه الحالة أثناء الغضب؛ فموضوع الزواج والطلاق يحتاج إلى هدوء وتروٍّ، ولا ينبغي أن تكون القرارات المصيرية وسيلةً للضغط أو التعبير عن الغضب، سواء منكم، أو من أختكم المعنية، أو من والدكم، والأفضل أن تجتمعوا جميعًا، وتناقشوا الأمر بهدوء، وتسعوا إلى اتخاذ القرار المناسب الذي يكون سببًا في اجتماع الكلمة ولمّ الشمل، فعليكم أن تسعوا إلى تهدئة الوالد، وإعطائه فرصةً للحديث بهدوء، والاستماع إلى أسباب رفضه ومناقشتها بعيدًا عن التهديد والغضب، ويمكنكم كذلك الاستعانة بمن له مكانة عنده من الأقارب أو أهل الحكمة للإصلاح وتقريب وجهات النظر؛ فالصلح دائمًا فيه خير.

خامسًا: ينبغي معرفة سبب رفض الوالد لهذا الرجل؛ فإن كان رفضه بسبب أمور جوهرية تتعلق بدينه، أو خلقه، أو قدرته على تحمل مسؤولية الزواج، فينبغي لأختك أن تنظر في ذلك بعناية، ولا تتعجل، أمَّا إن كان الرفض بسبب أمور يمكن حلها بالحوار، فينبغي السعي إلى تقريب وجهات النظر، وفي الوقت نفسه، لا بد من احترام الوالد وبره، قال الله تعالى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}، فحتى عند الاختلاف يبقى الإحسان إلى الوالدين واجبًا.

سادسًا: إذا كان ذلك الرجل الذي أبدى رغبته في الزواج من أختك لا يزال راغبًا، ويريد المجيء للاعتذار من والدك، فعليكم أن تقنعوا والدكم بقبول ذلك، وتفهموه أن الخطأ وارد من كل أحد، ويكفي أن هذا الشخص عرف خطأه، ويريد أن يعتذر عما بدر منه، ولعل الشيطان كان له دور في ذلك، وكونه شعر بالخطأ فهذا دليل على أن معدنه طيب، وأنه صاحب خلق.

سابعًا: لا ينبغي أن يكون تأخر الزواج سببًا للتعجل؛ فالعمر ليس سببًا لقبول زواج قد لا يكون مناسبًا، كما أن كون الرجل قد سبق له الزواج، أو أن لديه ابنةً، ليس عيبًا في ذاته، لكن لا بد من السؤال عنه، ومعرفة حاله، ودينه، وخلقه؛ فالدين والخلق صفتان مهمتان في نجاح الحياة الزوجية، وصاحب الدين والخلق إن أحب زوجته أكرمها، وإن كرهها سرحها بإحسان.

وإلى جانب ذلك، ينبغي التعرف على مدى تحمله للمسؤولية تجاه ابنته وحياته السابقة، وأمانته، وقدرته على تحمل مسؤولية الزواج؛ فهذه من أهم المعايير التي يُبنى عليها الاختيار، كما ينبغي السؤال عنه من جهات موثوقة، ومعرفة سبب انفصاله السابق، وطبيعة علاقته بابنته، ومدى قدرته على بناء أسرة مستقرة.

ثامنًا: لا تجعلوا الخلاف سببًا لقطيعة الرحم؛ حتى لو اختلفتم في الرأي، فلا يجوز أن تتحول المسألة إلى هجر وقطيعة، فصلة الرحم من أعظم الواجبات، وقد قال نبينا ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ».

وعلى الوالد -حفظه الله- أن يعلم أن تهديده بالطلاق، أو قطع العلاقة قد يزيد المشكلة تعقيدًا، وأن الإصلاح والحوار أولى وأحكم.

تاسعًا: خطوات عملية مهمة:
• اجلسوا مع أختكم بهدوء، واسألوها عن سبب تمسكها بهذا الرجل، وهل درست جميع جوانب الزواج دراسة واقعية.
• لا تجعلوا الوالد يشعر أن الجميع يقف ضده، بل تحدثوا معه بلطف عن مصلحة الأسرة.

• اطلبوا من شخص حكيم يحترمه الوالد أن يتدخل للإصلاح.
• اطلبوا من الخاطب -إن كان جادًا- أن يأتي من الباب، وأن يظهر حسن خلقه واحترامه لوالدها، وأن يعالج سبب الخلاف بالحكمة، كما قال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}.

عاشرًا: لا يجوز لأختكم أن تقدم على الأمر بطريقة فيها تحدٍّ، وهي تعلم أن والدها يمكن أن يطلق والدتها، وأن يفارق جميع أفراد الأسرة، كما يمكنكم أن تعينوا هذا الرجل ماديًّا كي يوافق على ما يطلبه والدكم، وهذا يعد من البر بأختكم، ولا عيب في ذلك، خاصة إذا كان الأب يجهل أحكام الشرع في الزواج، ويريد أن يغالي في المهر.

فإن كان هذا الرجل قد كتبه الله ليكون زوجًا لأختكم، فلن يستطيع أحد أن يمنعه منها، لا والدكم ولا غيره، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».

وأخيرًا، أوصيكم جميعًا بالاستخارة، وكثرة الدعاء، والبعد عن العناد، فكم من أمر ظنه الإنسان خيرًا ثم صرفه الله عنه رحمة به، وكم من أمر ظنه شرًّا ثم جعل الله فيه الخير، قال الله تعالى: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

نسأل الله تعالى أن يختار لأختكم ما فيه الخير، وأن يصلح بين والدكم ووالدتكم، وأن يؤلف بين أفراد الأسرة، وأن يرزقكم الحكمة والسداد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونسأل الله أن يسمعنا عنكم خيرًا، ونسعد بتواصلكم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً