الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما فضل طاعة المرأة لزوجها والصبر عليه، مع أدائها لمهامها الأخرى؟

السؤال

السلام عليكم

أنا امرأة متزوجة من رجل عصبي جداً فوق التصور، فمن أي حاجة تافهة يصرخ ويملأ الحي بالصراخ، أكملت دراستي الثانوية عنده، وأنا الآن بالجامعة طبعاً بعد 13 سنة من ترك الدراسة أرغب بتكملة دراستي، ولكن نفسيتي تعيسة وبسبب العمر، وقلة التركيز، وعصبية زوجي، وطبعاً الأولاد لهم دور، حيث لي -والحمد لله- 6 أولاد، لا أعرف بصراحة كيف أتعامل مع زوجي وكيف يكون (ريلاكس) هذا مستحيل، فلا تكاد تمضي ساعة في البيت دون صراخ، وهل أكمل دراستي الجامعية علماً أن عمري 33 سنة، وتخصصي تربية إسلامية، والساعات التي أسجلها قليلة وإذا زدتها أندم، ولا أقدر أكثر من 6 أو 8 ساعات؟ لا أريد أن أندم على اتخاذ أي قرار فيما بعد.

ملاحظة: أحب الدراسة ولكن في الامتحانات أنكد وأتعب نفسياً، ساعدوني أريد حلاً يريحني ولا أندم عليه فيما بعد.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سعدية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإنه ليسرنا أن نرحب بك في موقعك استشارات الشبكة الإسلامية، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بك، وكم يسعدنا تواصلك معنا في أي وقت وفي أي موضوع، ونسأله -تبارك وتعالى- أن يصلح لك زوجك وأن يُذهب عنه هذه الحدة وتلك الشدة، وأن يجعله من الصالحين، وأن يبارك لك في أولادك، وأن يبارك لك في وقتك، وأن يوفقك في دراستك، وأن يجعل لك من لدنه ولياً ونصيراً، وأن يصلح ما بينك وبين زوجك، وأن يجعلكم أسرة طيبة مباركة.

وبخصوص ما ورد برسالتك فإنه -وكما لا يخفى عليك- أن الأزواج أرزاق، كما أن الأموال أرزاق والأولاد أرزاق والصحة أرزاق والجمال أرزاق، فكذلك أيضاً الزوج يعتبر من الأرزاق، فهذا رزقك الذي قدره الله -تبارك وتعالى- لك.

واعلمي أن المرأة إذا ابتليت بزوج صالح فإن هذا أيضاً نوع من النعمة تستحق شكرها، أما إذا ابتليت برجل فيه بعض السوء أو الشدة كحال زوجك مثلاً -غفر الله له- فاعلمي أن هذا ابتلاء يحتاج منك إلى صبر، واعلمي أن الصبر عظيم وأن الله يحب الصابرين وأن الله يرضى عن الصابرين وأن الله مع الصابرين، فأوصيك -أختي الكريمة- بالصبر على هذه العصبية واحتساب الأجر عند الله تبارك وتعالى، كما أوصيك أيضاً بالاجتهاد بالدعاء أن يُذهب الله عنه هذه الحدة، واعلمي أن الله على كل شيء قدير، ولا تقولي إنه نشأ هكذا إو أنه مرت عليه فترة طويلة وهو بهذه الحالة فالله تبارك وتعالى قادر أن يهديه ما بين عشية أو ضحاها، إذا كان الله يغير العبد من الكفر إلى الإسلام بعد أن عاش عشرات السنين أفلا يقدر أن يغير حال زوجك من العصبية إلى الراحة والهدوء والسكينة؟

قطعاً هو -سبحانه جل شأنه- على كل شيء قدير، ولكن ما عليك إلا الصبر والدعاء والإلحاح على الله أن يُذهب عنه هذه الحدة، وسوف ترين ذلك -بإذن الله تعالى- بنفسك والله على كل شيء قدير.

وأما عن دراستك فأنا سعيد جدّاً بهذه الخطوة التي وإن جاءت متأخرة إلا أنها تدل على رغبتك في حب العلم والتزود منه، وأسأل الله تعالى أن تكون نيتك خالصة لوجهه الكريم أن تقصدي بذلك طلب العلم الشرعي النافع، وألا يكون غايتك وهدفك عمل الدنيا؛ لأن أعمال الدنيا لا تستحق هذا العناء، يعني بمعنى إذا كنت تذاكرين أو تدرسين لتحصلي على الشهادة فإن الدراسة إذا كانت تستحق هذا العناء فلا داعي منها، أما إذا كنت تتعلمين هذه العلوم تنفعين بها نفسك والمسلمين وتنفعين بها أبناءك فاصبري؛ لأن طلب العلم -كما تعلمين- من أجل العبادات وأعظم القربات، ولذلك قال الله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، [المجادلة:11]، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، ويقول: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)، فما دامت نيتك تعلم العلوم الشرعية لخدمة نفسك وتثقيف نفسك وتوعية نفسك وخدمة أبنائك وخدمة أبناء المسلمين فأبشري بخير، فهذه عبادة جديدة غير العبادات التقليدية التي تؤدينها، فأنت -بحمد الله- وبفضله تعالى لديك عبادات كالصلاة والصيام والذكر وأيضاً عبادة تربية الأولاد وعبادة طاعة الزوج والصبر على أذاه ولكن بدراستك العلم الشرعي أضفت عبادة أخرى جديدة وهي (عبادة طلب العلم).

فاصبري -وإن شاء الله تعالى- سوف يعينك الله بمنِّه وكرمه، واجتهدي على قدر استطاعتك (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، [البقرة:286]، لا تشقي على نفسك لأنك أم لستة من الأولاد -حفظهم الله ونسأل الله أن يبارك فيهم- وهذه مسئولية عظيمة لا تستطيعها إلا المرأة القوية المجاهدة الصابرة المحتسبة، وجمعك حقيقة ما بين ظروف زوجٍ بهذه الحال وما بين تربية أبناء بهذا العدد ما شاء الله، وبين الدراسة أمر فيه مشقة، ولكن الله على كل شيء قدير.

فالله قادر على أن يعينك وأن يأخذ بيدك وأن يثبتك سبحانه وتعالى خاصة إذا كنت تتعلمين هذا العلم من أجل خدمة دينه -كما ذكرت لك آنفاً- فأنا أوصيك بأن تواصلي الدراسة وأن تسألي الله تعالى أن يصحح نيتك وأن يجعل نيتك أن تتعلمي هذا العلم لخدمة دينه، كما أوصيك أيضاً أن تصبري على زوجك الصبر الجميل، وأن تجتهدي بألا تردي عليه في لحظات غضبه لأن الذي يحرك الإنسان في لحظات الغضب إنما هو الشيطان.

وهذا كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وعادة لا تحدث المشكلات الكبرى إلا في لحظات الغضب، فكونك عندما يكون غاضباً أن تكوني أنت هادئة أو أن تتركي له المكان الذي هو فيه وألا تردي عليه فهذا يحرق الشيطان حرقاً، فأوصيك بحسن المعاملة مع زوجك خاصة في لحظات الغضب، كما أوصيك بالاجتهاد بتربية أولادك أيضاً والصبر على تربيتهم؛ لأن لك بذلك الجنة، فالذي يربي اثنين أو ثلاثة من الأولاد له الجنة، فأنت لديك ما شاء الله تبارك الله ستة من الأولاد -حفظهم الله- يعني إذن لو أن الله أعانك على تربيتهم تربية صالحة ستدخلين الجنة بتوفيق الله.

ولا أتمنى أن يكون طلب العلم أو الدراسة شاغلاً لك عن مسئولياتك تجاه زوجك أو أبنائك؛ لأن هذه مسئولية أولى، فالمسئولية الأولى والكبرى مسئولية الزوج؛ لأن طاعته واجبة عليك وخدمته تقربك من رضا الله، واعلمي أن رضا الله من رضا الزوج وأن سخط الزوج من سخطه -عز وجل-.

وتربيتك لأولادك أيضاً من المسئوليات الأساسية الكبرى كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها)، أيضاً تهتمين بهم ولا تجعلي الدراسة على حسابهم أو على حساب أبيهم، وتوجهي إلى الله -تبارك وتعالى-، ولا تشقي على نفسك وإنما يكفيك كما ذكرتِ في حدود ست أو ثمان ساعات؛ لأن هذا طيب وما قلَّ ودام خير مما كثر وانقطع، قليل دائم خير من كثير منقطع.

وأنت بحمد الله لا ترغبين في مسألة العمل أو غيره بقدر ما تريدين -وأسأل الله لك كذلك- معرفة شرعية تنفعك وتصلك بالله تعالى، إذن لا يضر الأمر خاصة وأنك بدأت الدراسة بعد انقطاع ثلاثة عشر عاماً وهذه بلا شك فترة طويلة تركت فيها الدراسة وتركت فيها الحفظ وتركت فيها المراجعة، ولكنك كونك رجعت للتزود من العلم الشرعي هذه خطوة رائعة وخطوة رائدة أسأل الله أن يبارك لك فيها وأن يتمها عليك، فاجتهدي إن شاء الله تعالى، والامتحانات أمرها بيد الله تعالى، والإنسان منا لا يكلفه الله إلا ما استطاع (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)، [البقرة:286]، وقال -جل وعلا-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا)، [الطلاق:7].

وأرجو ألا تتوتري في الامتحانات وأن تأخذيها بسلاسة وبساطة، لأنك لست في حاجة إلى هذا المؤهل غالباً لتعملي عملاً من أعمال الدنيا وإنما أنت تريدين ما عند الله تعالى، وأسأل الله أن تكون نيتك كذلك -بإذن الله تعالى-، ولذلك لا فرق معك أن تنجحي هذا العام أو الذي بعده، المهم أن تدخلي وأنت في غاية الهدوء؛ لأن التوتر يذهب بالمعلومات من الذاكرة، ووشد الأعصاب يجعل الإنسان ينسى ما حفظه، ولكن بالهدوء والسكينة والدعاء والإلحاح على الله تبارك وتعالى والأخذ بالأسباب والمحافظة على الأذكار سيجعل الله لك بذلك كله عوناً على مهمتك وأداء رسالتك والنجاح في دراستك بإذن الله.

أسأل الله تبارك وتعالى لك التوفيق والسداد والهداية والرشاد، وأن يجعلك من الفائزات المتفوقات، وأن يوفقك لخدمة زوجك وأولادك، وأن يجعلكم أسرة مسلمة صالحة طيبة مباركة، وأن يصب عليكم الخير صبّاً، إنه جواد كريم.
هذا وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

والله والموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً