الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لماذا يجب علينا الدراسة، أو إيجاد وظيفة ما دام نهاية كل واحد منا الموت؟
رقم الإستشارة: 2383325

861 0 49

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عانيت منذ فترة 4 أشهر من الخوف من الموت، الأمر الذي أثر على حياتي، ولكني التزمت بالصلاة والعبادة والقرآن وصلاة الجماعة، الأمر الذي ساعدني في تخطي هذا الأمر، ولكن بت أخاف من المستقبل ومن فقدان أحبائي أو أهلي لا قدر الله، وسؤال عالق في ذهني، وهو لماذا علينا الدراسة، أو إيجاد وظيفة ما دام نهاية كل واحد منا الموت؟

أرجو الإجابة عليه بشكل ديني ومنطقي لكي يرتاح قلبي، وأنوه أن حالة الخوف ليست مستمرة، ولكن تزداد في بعض الأحيان، فما تفسير ذلك؟ وهل هذه الحالة تدوم بقية العمر أم أنها فترة معينة وتذهب؟ حيث ألاحظ أن من يعاني من هذه الحالة هم في العشرينيات من عمرهم.

ولكم الشكر والتقدير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Yassin حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فمرحبا بك -أخي الكريم- وردا على استشارتك أقول: لقد خلقنا الله تعالى لغاية، وهي عبادته سبحانه وتعالى وفق ما شرع لنا يقول تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وقال: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ).

ومن جملة ما تعبدنا به السعي في طلب الرزق بالطرق الحلال فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها فأجملوا في الطلب فإن رزق الله لا يأتي بالمعصية).

لقد تكفل الله بأرزاق العباد ولكنه أمرهم بالسعي والعمل بالأسباب قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)، وفيما سبق ذكرنا قوله تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا).

كل بني آدم مجمعون مسلمهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم وإنسهم وجنهم على وجوب السعي في طلب الرزق، بل حتى الحيوانات بفطرتها تعمل بالسبب من أجل أن تحصل على رزقها، فهذا أمر جبلت عليه الخلائق.

من جملة الأسباب للعيش الكريم الترقي في مراتب العلوم عن طريق الدراسة، وذلك للتخصص في عمل ما يجلب للإنسان مصدر رزق؛ لأن الله تعالى لم يجعل الناس جميعا في تخصص واحد، بل ركب فيهم مواهب مختلفة يخدم بعضهم بعضا، فهذا طبيب، وذاك صيدلاني، والآخر مهندس، ومنهم الطيار، أو الجيولوجي أو الكيميائي والحداد والمزارع والنجار والتاجر... إلخ، ويمكن للإنسان أن يختار لنفسه المهنة التي يميل إليها، لكن حياة المهندس مثلا ليست كحياة المزارع وحياة الطبيب ومكانته ليست كحياة البناء، فهذا هو السر في دراستنا وتخصصنا.

الدنيا ليست دار قرار، ولكنها دار عمل وابتلاء، واختبار ليظهر الطائع لله من العاصي، فمن أطاع الله كانت نهايته الحياة الحقيقية في الجنة ومن عصاه كانت نهايته إلى دار الشقاء وهي النار وبئس القرار.

الموت نهاية كل حي في هذه الدنيا، ولا يبقى إلا الله سبحانه وتعالى كما قال عز وجل: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

لقد جعل الله للبشر أعمارا وآجالا لا يتجاوزونها، فهذه الأمة أعمارها في الغالب ما بين الستين إلى السبعين، وقليل من بتجاوز، وبما أن الله خلقنا للعمل، فعلي العبد أن يداوم على الطاعة، ويبتعد عن المعصية فإذا جاءه الأجل أسلم روحه لخالقها.

من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، وعليك أن تنظر لمن حولك من الناس، وتسأل نفسك لم أنت من بينهم تخاف الموت، أو تخاف من فقد أحد من أحبابك، فإذا أيقنت أن هذه سبيل سيسلكها الجميع منهم من يتقدم ومنهم من يتأخر ذهب عنك هذا الهلع والخوف.

أوصيك بكثرة تلاوة القرآن الكريم، وشيء من تفسيره، واختر لك تفسير العلامة السعدي، أو ابن كثير رحمهما الله، فذلك سيكون سببا في تثبيت قلبك بإذن الله.

وثق صلتك بالله تعالى، واجتهد في تقوية إيمانك من خلال الإكثار من العمل الصالح، فالحياة السعيدة الطيبة لا توهب إلا لمن آمن وعمل صالحا كما قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

هذه الحياة مليئة بالمكدرات والمنغصات، ولا يمكن أن يسلم من ذلك أحد، فإذا كان أنبياء الله لم يسلموا من ذلك، فغيرهم من باب أولى يقول الشاعر:
طُبِعَـتْ علـى كَــدَرٍ وأنــت تريـدهـا ** صـفــواً مـــن الأقـــذاءِ والأكـــدارِ
ومـكـلِّـفُ الأيَّـــامِ ضــــدَّ طـباعهــا ** متطـلِّـبٌ فــي الـمــاءِ جَـــذوةَ نـــارِ
وإذا رجــوتَ المسـتـحـيـلَ فـإنَّـمــا ** تبـنـي الـرجـاءَ عـلـى شفـيـرٍ هـــارِ

قال ابن القيم رحمه الله: " فرِّغ خاطرك للهمِّ بما أُمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك؛ فإن الرزق والأجل قرينان مضمونان، فما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا، وإذا سد عليك بحكمته طريقا من طرقه، فتح لك برحمته طريقا أنفع لك منه؛ فتأمل حال الجنين: يأتيه غذاؤه وهو الدم، من طريق واحدة وهو السرة، فلما خرج من بطن الأم وانقطعت تلك الطريق، فتح له طريقين اثنين، وأجرى له فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول: لبنا خالصا سائغا، فإذا تمت مدة الرضاع وانقطع الطريقان بالفطام، فتح طرقا أربعة أكمل منها: طعامان وشرابان ؛ فالطعامان من الحيوان والنبات، والشرابان من المياه والألبان، وما يضاف اليهما من المنافع والملاذ، فإذا مات انقطعت عنه هذه الطرق الأربعة.

من يعاني من الرهاب من الموت أكثرهم ضعفاء إيمان، وربما أصغوا آذانهم لوساوس الشيطان الذي همه كيف يحزن العبد المسلم، وكيف يفسد عليه حياته، فإياك أن تكون منهم وأكثر من الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم كلما أتتك مثل هذه الوساوس، وبإذن الله ينطرد عنك الشيطان.

نسعد بتواصلك، ونسأل الله تعالى لنا ولك التوفيق والسداد.

مواد ذات الصله

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً