الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما بين شخصيتي المثالية ومشكلتي الدراسية، ما الحل؟
رقم الإستشارة: 2481837

302 0 0

السؤال

السلام عليكم.

أنا شاب عمري 20 سنة، كنت دائما متفوقا في دراستي، والأول على الصف، ولم تقل درجاتي عن 97% أبدا إلى الخامس الثانوي -السنة ما قبل البكلوريا-، عندما أقبلت على البكالوريا واجهت مشاكل نفسية داخلية، وعلى الرغم من قلة تأثيرها على الصحة بشكل عام إلا أن خطرها على مستقبلي كان كبيرا.

كانت المشكلة تكمن بحد ذاتها في نفسي، حيث كنت أحس أنني معلق في متاهة، ذهني مقيد، لا أستطيع إيجاد الحل، وقبل ملاحظتي للمشكلة، كنت قد زرت طبيبين نفسيين، ولم يدرك أي منهما هذه المشكلة الداخلية، كونها ليست مرضا أو ما شابه.

كانت المشكلة عبارة عن أنني كنت في المراحل التي سبقت البكالوريا قد كرست في ذهني ونفسي وعقلي الباطن أن أصل درجة الكمال والمثالية في الدراسة، وأتفوق على أقراني، وأحصل على لقب الأول على العراق، خاصة أني ذكي، وهذا ما جعل هذه المثالية تسيطر علي، وكان الأقارب يلقبوني بالدكتور لذكائي.

لم يتحقق حلمي في دخول الطب، وأنا حاليا في الجامعة السنة الأولى، وهي على وشك الانتهاء، ماذا أفعل؟ هل قسم الهندسة أفضل وأقرب إلى عقليتي؟ وهل ما مررت به كان حسدا؟ فقد كنت دائما أحس أنني مقيد، حيث أحب الدراسة، لكن عندما كنت أقبل عليها لا أستطيع، مما يجعلني أشعر بالإحباط.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
رغم ذهابك لطبيبين نفسيين إلا أنك أكثر الناس إدراكًا لمشكلتك، وقد تفضلت بذكر العلامة الأبرز لهذه المشكلة، وهي أنك تبحث عن المثالية دوما، وهذه الصفة وإن كانت جميلة إلا أنها تتعب صاحبها وتصيبه بالإحباط، والشخصية المثالية أو الكمالية perfectionist هي شخصية تسعى دوما للوصول إلى نهايات الأمور، ففي الدرجات الدراسية لا يرضى بأقل من الدرجة الكاملة، وفي نظافة البيت لا يكتفي بتنظيف الأماكن الظاهرة بل ينظف ما تحت الأسرة والدواليب والأماكن المخفية، لأنه ينظر إلى النظافة كقيمة لا كوسيلة، ومن كان هذا شأنه فإنه يتعب مرتين: مرة في مطاردة الوصول إلى الكمال في كل أمر، ومرة في الإحباط الذي يصيبه إذا لم يتحقق له ما كان يصبو إليه!

وإليك بعضا من التدابير التي قد تحد من أثر هذه الظاهرة:
١- ينبغي اعتبار الكمالية أو المثالية نوعا من الرهق النفسي الذي ينبغي أن نبتعد عنه، لأن الكمال صفة للخالق لا المخلوق، فالخالق ﷻ له صفات الكمال والجمال في كل شيء، أما المخلوق فهو مجبول على النقص في كل شيء، فعليه أن يرضى ويسلم بهذه الحقيقة، وهذا لا يعني الكسل والاستسلام للظروف، ولكن لا بد من بذل الوسع والجهد قدر المستطاع، فإن لم يصل إلى النتيجة فلا داعي للإحباط والأسى، ولهذا جاء في دعاء المؤمنين في آخر سورة البقرة:
﴿لَا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَیۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَاۤ إِن نَّسِینَاۤ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَیۡنَاۤ إِصۡرࣰا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۤۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [البقرة ٢٨٦].
فهذه الآية الكريمة تصلح دستورا وبروتوكولا علاجيا للشخصية الكمالية، فالله عز وجل قد وضع عنا إثم النسيان والخطأ وكذلك الإصر والأغلال وهي المواثيق والقيود التي يقيد بها الشخص نفسه للآخرين، والمقصود بها هنا التكاليف الشرعية والإتيان بها على أكمل وجه، وهذا الأمر لا يطيقه أحد، لذلك خفف الله عز وجل عنا هذه التكاليف وقبل منا ما تيسر منها كما وكيفا، والمقصود بالكم عدد النوافل والقربات، فلست ملزما بعدد معين، بينما الإلزام يكون في الفرائض والواجبات فقط وهي قليلة ومقدور عليها، والمقصود بالكيف أي الإتيان بالفريضة أو النافلة كاملة غير منقوصة كالخشوع في الصلاة، فليس كل صلاة تحقق الخشوع المطلوب منها، ومع ذلك فالله عز وجل يتجاوز عنا برحمته ويقبل صلاتنا رغم نقص الخشوع فيها.

٢- ما رسمته لنفسك من صورة مثالية ولقب (دكتور) أي طبيب، ثم لم يحالفك الحظ في دخول قسم الطب، ودخلت الهندسة، هذا أمر يمكن اعتباره ظرفا أو قدرا من الله عز وجل، ولا تدري أين كان وسيكون الخير بالنسبة لك، هل كان بالتخصص الطبي أم بتخصص خارج الطب كالهندسة مثلا، لذلك لا داعي للأسى على فوات التخصص الطبي، فقد يفتح الله لك بابا آخر لم يكن لك على بال، وهذا هو معنى الرضى بقضاء الله وقدره.

أما ما أصابك من فتور وكسل، فهل مرده إلى إصابتك بالعين والحسد؟
هذا أمر لا يمكن الجزم فيه، ولكن يبقى التعامل مع ظواهر الأشياء هو المهم هنا، فربما مررت بحالة نفسية أو اكتئاب منعك من الاجتهاد في الدراسة، وربما كانت هناك أسباب أخرى بحاجة لبحث وتشخيص، ولا داعي لشغل عقلك بأفكار قد تتحول إلى وسواس حول العين والحسد، ويكفيك في هذه الحالة المحافظة على الفرائص والمحافظة على أذكار الصباح والمساء.

أما سؤالك حول تخصص الهندسة هل هو مناسب لك؟
فلا يمكننا معرفة إجابة هذا السؤال، لأن هذا الأمر يتوقف على استعداداتك وميولاتك، ولكن إذا حاول الإنسان وجد واجتهد في تخصص ما فقد يبدع فيه ويحب هذا التخصص رغم إنه لم يكن قد أحبه من قبل أو حتى فكر فيه!

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

لا توجد استشارات مرتبطة
لا يوجد صوتيات مرتبطة

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

عضوية الموقع

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأعلى تقيماً