الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإثم على المتسبب في قطع الرحم

السؤال

أنا سيدة توفيت أمي منذ أربعة عشر عاما، و كان في يديها مشغولات ذهبية كان والدي قد اشتراها لها بعد الزواج وكذلك كان قد أودع لها مبلغا صغيرا في البنك.
توفيت أمي في بيت أمها أثناء زيارتها لها وأخذت جدتي المشغولات الذهبية التي كانت بيدها كما ورثت جدتي وأخوالي من المبلغ الذي كان في البنك مما أغضب أبى كثيرا وحاول أن يسترجع الذهب والنقود دون جدوى مع العلم أن أمي لم ترث شيئا من أحد ولم يكن لها ذمة مالية منفصلة ولم تكن تعمل ، ويرى أبى أنه ليس من حقهم أن يرثوا من الذهب أو المال ، ومع إصرارهم قرر أبي أن نقاطع جدتي وجميع أخوالي طوال هذه السنين وكنت أصلهم منذ أن تزوجت منذ سبع سنين دون علمه بتشجيع من زوجي خوفا من الله وعقوبة قاطع الرحم .
وعندما علم أنني لم أقاطعهم غضب غضبا شديدا وقال إنه لن يسمح بدخولي منزله ورؤية إخوتي حتى أعطيه كل ما لدي من المشغولات الذهبية التي اشتريتها من مالي الخاص الذي اكتسبته من عملي قبل الزواج و التي اصطحبتها معي لبيت الزوجية (ضمن قائمة المنقولات التي هي عهدة زوجي الآن) وذلك كعقاب لي على مخالفته وصلتي لهم وأصر على عدم التفاهم في هذا الأمر وأغلق كل الأبواب في وجهي.
وأنا أسأل إذا كان له الحق في ذلك، وهل يحل لي مقاطعتهم أنا وزوجي إرضاء له.
وأرجو توجيه كلمة لأبي؟

الإجابــة

خلاصة الفتوى:

كل ما تركته الأم من المال يعتبر تركة، ولا يجوز للأب منع أولاده من صلة رحمهم، وليس عليهم أن يعطوه المال ليسمح بذلك.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

لقد تضمن السؤال النقاط الثلاث التالية:

1. أخذ جدتك المشغولات الذهبية التى كانت بيد الأم.

2. إصرار أبيك على مقاطعة جدتك وجميع أخوالك.

3. قول أبيك إنه لن يسمح لك بدخول منزله ورؤية إخوتك حتى تعطيه كل ما لديك من المشغولات الذهبية...

وحول النقطة الأولى نقول: إن جميع ما تركته أمك من المال، سواء كان ذهبا أو مبلغا نقديا أو أمتعة... ونحوها، وسواء كان زوجها هو الذي اشتراه لها أو كانت قد حصلت عليه من جهة أخرى... فإنه يعتبر تركة يجب تقسيمها على فرائض الله.

ويكون لزوجها منه الربع، ولأمها السدس، وباقيه بين جميع أولادها للذكر سهمان وللأنثى سهم. قال الله تعالى: فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ {النساء:12}. وقال تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ. إلى قوله تعالى: وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ {النساء:11}.

فعلم من هذا أن الجدة والأخوال قد أخطأوا فيما فعلوه من الاستيلاء على المشغولات الذهبية.

كما أن أباكم يعتبر مخطئا فيما يريده منكم من قطع رحمكم، فقد جاء في الحديث الشريف أنه: لا يدخل الجنة قاطع رحم. متفق عليه. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرءوا إن شئتم: فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم {محمد:22}.

فلا يجوز أن تطيعوا أباكم في هذا الأمر؛ والطاعة إنما تكون في المعروف.

ويعتبر أبوكم مخطئا أيضا في قوله إنه لن يسمح بدخولك منزله ورؤية إخوتك حتى تعطيه كل ما لديك من المشغولات الذهبية... فلا يلزمك أن تعطيه هذه المشغولات، والذنب في عدم صلتك لإخوتك عليه هو؛ لأنه الذي منعك من هذا الواجب.

ومع هذا فالواجب أن تبريه وتحترميه وتدعي له بالهداية وتنصحيه إذا أمكنك ذلك.

ولو أعطيته المشغولات براً به وتخليصا له من إثم القطيعة لكان ذلك أمرا حسنا تؤجرين عليه إن شاء الله، لكنه لا يلزمك كما قدمنا.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني