الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العلاقة بين العقل والفطرة

السؤال

ما هي العلاقة القائمة بين العقل والفطرة؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقبل بيان العلاقة بين العقل والفطرة يحسن بنا أن نوضح المراد بهما، فنقول:

العقل قد يراد به العقل الغريزي، وقد يراد به العقل المكتسب.

قال الماوردي: وقد ينقسم قسمين: غريزي ومكتسب. فالغريزي: هو العقل الحقيقي، وله حدّ يتعلق به التكليف، لا يجاوزه إلى زيادة، ولا يقصر عنه إلى نقصان، وبه يمتاز الإنسان عن سائر الحيوان، فإذا تمَّ في الإنسان سمي عاقلا، وخرج به إلى حدّ الكمال...

وأما العقل المكتسب: فهو نتيجة العقل الغريزي، وهو نهاية المعرفة وصحة السياسة وإصابة الفكرة، وليس لهذا حدّ، لأنه ينمو إن استعمل، وينقص إن أهمل. (من كتاب أدب الدنيا والدين، مع الحذف)

وقال الزركشي في البحر المحيط: وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَرَّدَ الْمُكْتَسَبُ عن الْغَرِيزِيِّ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَجَرَّدَ الْغَرِيزِيُّ عن الْمُكْتَسَبِ لِأَنَّ الْغَرِيزِيَّ أَصْلٌ يَصِحُّ قِيَامُهُ بِذَاتِهِ وَالْمُكْتَسَبَ فَرْعٌ لَا يَصِحُّ قِيَامُهُ إلَّا بِأَصْلِهِ، وَمِنْ الناس من امْتَنَعَ من تَسْمِيَةِ الْمُكْتَسَبِ عَقْلًا لِأَنَّهُ من نَتَائِجِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالنِّزَاعِ في التَّسْمِيَةِ إذَا كان الْمَعْنَى مُسَلَّمًا. اهـ

وأما الفطرة، فهي في اللغة بمعنى الخلق. وقال أبو البقاء: الفطرة: هي الصفة التي يتصف بها كل موجود في أول زمان خلقته.

وقد يراد بالفطرة جانب معين منها، وهو فطرية التدين، فقد وردت في نصوص الكتاب والسنة بمعنى الاستعداد الذي ركزه الله في جبلة كل إنسان فيصير به متهيئاً لقبول الشرع متى عرض عليه، قال الله تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.{الروم:30}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة... متفق عليه.

قال الفيروز آبادي: كلّ مولود يولدَ على الفِطْرة: أَى على الجبلَّة القابلة لدين الحقِّ. اهـ.

وقال المناوي في التعاريف: الفطرة الجبلة المتهيئة لقبول الدين. كذا عبر ابن الكمال، وقال الراغب: هي ما ركب الله في الإنسان من قوته على معرفة الإيمان، وقال الشريف: الخلقة التي جبل عليها الإنسان اهـ.

وقال أبو حامد عز الدين في نهج البلاغة: الفطرة: الحالة التى يفطر الله عليها الإنسان، أي يخلقه عليها خاليا من الآراء والديانات والعقائد والأهوية، وهى ما يقتضيه محض العقل، وإنما يختار الانسان بسوء نظره ما يفضى به إلى الشقوة.

وعلى ذلك فيمكن الكلام عن العلاقة بين الفطرة والعقل باعتباره غريزيا، وباعتباره مكتسبا.

أولا: العلاقة بين الفطرة والعقل الغريزي:

تتلخص العلاقة بينهما في الآتي:

1- أن مبادئ هذا العقل فطرية؛ بمعنى أن الله سبحانه جعلها مركوزة في نفس البشرية، دون توقفها على تجارب أو معارف خارجية، فيجد الإنسان نفسه بالضرورة مسلما بها. وتلك المبادئ هي الأوليات والبدهيات التي يحصل بها للإنسان اليقين بالمقدمات الصادقة الضرورية.

2- أن مبادئ هذا العقل تتسم أيضاً بالعمومية؛ أي: أنها شاملة لكل العقول بحيث تكون الحقيقة واحدة عند جميع الناس العاقلين على السواء، ولا تتوقف على مزاج أحد، ولا تنسحب على فردٍ دون فرد.

وهذا كله من حيث الأصل، لكن قد تختلف تلك المبادئ في نسبة الحضور والوضوح والبداهة من شخص لآخر لأسباب اضطرارية أو كسبية .

ثانيا: العلاقة بين الفطرة والعقل المكتسب:

1- أن العمليات العقلية تقوم على الفطرة وتعتمد عليها:

فالعلوم العقلية تعتمد على الأوليات الضرورية فلا يمكن إقامة أي حكم عقلي إلا بعد بنائه على تلك الأوليات العقلية، وهي الأمور الفطرية والمدركات الحسـية الظاهرة والباطنة.

2- أن الفطرة تُقَدّم على العقل عند التعارض:

وذلك لأنها يقينية ومقاييس العقل قد تكون ظنية ولأنها لو كانت يقينية لم تعارضها، لأن اليقينيات لا يمكن أن تتعارض، ولأن الحق في الأقيسة العقلية فطري مدرك بالفطرة، ولأن العقل لا يمكن أن يستقل بالخوض في بعض الميادين مثل كثير من الأمور الإلهية.

3- أن الفطرة تفيد ما لا يفيده القياس:

لأن الأدلة المنطقية التي صاغها المناطقة كانت نتيجة استقراء لما في الفطرة البشرية، لكن هذا الاستقراء جهد بشري ليس معصوماً ومن هنا كان ورود الخطأ فيه.

ومما يؤكد ذلك أنها تدرك كيفية تركيبه وارتباط مقدماته بعضها على بعض بغير تعليم، وإن كان لا يجري على طرق المناطقة، فالناس بفطرتهم يتكلمون الأنواع الثلاثة: التداخل والتلازم والتقسيم، كما يتكلمون بالحساب وغيره، وبذلك يرتبون النتائج على المقدمات الصادقة.

4- أن الأدلة العقلية تجلي الفطرة وتوقظها:

فمع أن الفطرة هي أصل الأقيسة العقلية وأنها تقُدّم عليها عند التعارض وأنها تفيد ما لا تفيده تلك الأقيسة، إلا أن الفطرة تتأثر بمؤثرات عدة فتخبو وتضعف أمام تلك المؤثرات فجعل الله هناك أموراً توقظها وتجليها، ومنها الأدلة العقلية التي سلكها القرآن الكريم في إيقاظه لفطر المخالفين للحق والمعرضين عنه.

وما تقدم من ذكر للعلاقة بين العقل والفطرة مستفاد مما كتبه الشيخ على القرني حفظه الله في مقال جيد مفصلا في ذلك.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني