الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

اليمين الغموس وهل يأثم إن حلف كاذبا لإنقاذ مظلوم من العقوبة

السؤال

فضيلة الشيخ أجاركم الله: هل حلف اليمين الغموس لإنقاذ شخص مريض من العقوبة له كفارة؟ وهل اليمين الغموس هي الحلف على القرآن؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:‏
فإن اليمين الغموس هي الحلف على الكذب سواء كان حلفا باسم الله، أو بالمصحف، والحلف بالمصحف يمين منعقدة عند جمهور العلماء، لأن القرآن كلام الله، والكلام صفة من صفاته سبحانه وتعالى, واليمين المنعقدة تكون باسم من أسماء الله، أو صفة من صفاته سبحانه وتعالى, وعلى ذلك فإن الحلف باسم الله، أو بالمصحف كذباً يسمى اليمين الغموس، وهو كبيرة من الكبائر، فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس.
وذكر العلماء أنها إنما سميت غموساً، ‏لأنها تغمس صاحبها في النار، أو في الإثم، عبروا مرة بالانغماس في النار، ومرة بالانغماس ‏في الإثم، ولا منافاة ولا تعارض بين العبارتين، لأن الانغماس في الإثم سبب في الانغماس في ‏النار، قال صاحب لسان العرب: واليمين الغموس: التي تغمس صاحبها في الإثم، ثم في ‏النار.‏
وليس فيه كفارة، بل الواجب فيه هو التوبة من هذا اليمين، وهذا مذهب أكثر أهل العلم كما في المغني لابن قدامة، وخالف الشافعي فأوجب فيه الكفارة، هذا وننبه إلى أن أهل العلم قد أجازوا الكذب لأجل تحصيل مقصود شرعي لا يمكن تحقيقه إلا بالكذب، فإذا كنت قد حلفت كذبا لأجل سلامة المظلوم من العقوبة فلا حرج عليك إن لم توجد وسيلة لذلك إلا عن طريق الكذب، ولا يجوز الكذب ما دام يمكن الدفع عنه بالتورية والتعريض، كما بينا ذلك في الفتوى رقم: 37533.
لأن الموري والمعرِّض صادق في ما قال، لما رواه أحمد واللفظ له وأبو داود وابن ماجه عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتحرج الناس أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلى عنه، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: أنت كنت أبرَّهم وأصدقهم، صدقت، المسلم أخو المسلم.
قال ابن الجوزي في كشف المشكل: الكذب ليس حراماً لعينه، بل لما فيه من الضرر، والكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن أن يتوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إذا كان تحصيل ذلك المقصود مباحاً، وواجب إذا كان المقصود واجباً إلا أنه ينبغي أن يتحرز عنه ويوري بالمعاريض مهما أمكن، وإنما قلنا هذا لأن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعاً في الشرع من الكذب، وإن كان المقصود أهون من مقصود الصدق وجب الصدق، وقد يتقابل الأمران فالميل حينئذ إلى الصدق أولى، لأن الكذب إنما أبيح لضرورة، أو حاجة مهمة، فإذا شك في كونها مهمة فالأصل التحريم، ولغموض إدراك مراتب المقاصد وجب الاحتراز من الكذب مهما أمكن. اهـ.
وتراجع الفتاوى التالية أرقامها: 73004، 59523، 34426.
والله أعلم.‏

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني