الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفتوى تضبط بميزان الشرع وما ورد من الأدلة وأقوال العلماء
رقم الفتوى: 173975

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 29 ربيع الأول 1433 هـ - 21-2-2012 م
  • التقييم:
2880 0 304

السؤال

يا أخي إني غاضب جدا و أكاد أنفجر.
لكي يبدأ مسلم منا مشروعا، يحتاج ستة أشهر كاملة للتخطيط: كل مرة أرسل لكم سؤالا تستغرقون شهرا أو يزيد للإجابة عليه لأكتشف أن الإجابة مجرد أربعة أسطر في الأخير. بينما الكافر من أول ما تأتيه الفكرة ينطلق في تنفيذها و ما يخلص الستة أشهر إلا و قد أصبح غنيا.
يا أخي موضوع المشاريع يتطلب إجابة فورية عن أسئلته.
ففي فترة الانتظار هذه قد تخطر الفكرة على بال شخص آخر و ينطلق في تنفيذها حتى قبل أن تبعثوا بالإجابة و تفقد الفكرة كل معانيها فالغلبة لمن يسبق.
تبا! هذا ليس كل شيء! كل شيء ضد المسلمين! حتى من الفتاوى و الأجوبة ضدنا! و هذا طبعا الواقع فرض على الفتاوى أن تكون ضدنا! لأنها ذات مبدأ لا تحيد عنه و ليست مرنة مع الواقع الذي يعاكسها! كل مرة أقرأ عن شيء جديد في موقعكم حرام! يا أخي أحس أن هذا يجعلنا نضعف أكثر و أكثر! و سأشرح في أسئلة قادمة هذا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فنشكر لك أولا تواصلك معنا واهتمامك بأمر دينك وتحريك للحلال، وجوابا على ما ورد في رسالتك من شكوى من تأخر الأجوبة وتشددها نقول لك: إن التأخر في الإجابة ليس عن قصد وإنما هو بسبب كثرة الأسئلة وتراكمها في الموقع، ولو وضعت كل سائل مكانك في استعجاله للإجابة ورغبته في حل مشكلته واعتبارها مما ينبغي الاهتمام به أولا  لعذرتنا، مع أننا نراعي موضوع الأسئلة وأهميتها وما نراه منها محتاجا إلى تقديم واستعجال قدر الإمكان .

وأما مسألة التشدد في الأجوبة وعدم مرونتها وأن كل شيء حرام فلا نوافقك عليه، لأن الأمور تضبط بميزان الشرع وما ورد من الأدلة وأقوال العلماء ، فما اقتضى منها ما يوجب تحريمه لغرر فيه أو مفسدة أو أكل لأموال الناس بالباطل، أو خبثه ونجاسته  ونحو ذلك فهو محرم مع مراعاة القواعد الشرعية في المصالح والمفاسد والضرورات والحاجات، والأعراف والعادات وسد الذرائع المفضية إلى المحرمات وغيرها من القواعد الشرعية.

وما كان من المعاملات أو الأعيان محرما فلا يؤسف على فواته، والمسلم عليه ضبط حياته بميزان الشرع لا أن يضبط الشرع وفق هواه . فقد قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا {الأحزاب:36}، فالخير كله والفلاح كله والسعادة كلها والغنم كله فيما اختاره الله وأذن فيه، والغرم والخسارة والشقاء عياذا بالله فيما حرمه ونهى عنه. وقد نبهنا سبحانه إلى أن رغبتنا في الأمر وحبنا له لايعني كونه الأصلح لنا بل قد يكون فيه الضرر والشر لنا فقال: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. {البقرة:216}،وقال سبحانه: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا {النساء:19}

وما دام حالنا كذلك فالواجب علينا هو التسليم لما اقتضاه حكم الشارع من التحليل والتحريم، مع اليقين أن مصلحتنا في امتثال ما أمرنا به واجتناب ما نهينا عنه .

ثم إن ما فات الإنسان من أمر هذه الدنيا لا ينبغي أن يحزن لفواته وهو يؤمن بقضاء الله وقدره كما قال سبحانه: لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ {الحديد:23} وفي الحديث: إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوفي رزقها. رواه أبو نعيم وصححه الألباني في الجامع. ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا : يا بني: إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. رواه أبو داود وأحمد وابن ماجه عن عبادة بن الصامت. فمن اعتقد ذلك واطمأن به استراح، فما أدركه حمد الله عليه، وما فاته أيقن أنه ليس من نصيبه ولو كان لما فاته .

وضعف المسلمين ليس سببه منع الخبائث وتحريم المفاسد وضبط الشهوات وفق ميزان الشرع بل سببه تركهم لدينهم وتقليدهم لسنن الكفار وانتهاك أوامر الشرع ، فتقدم المسلمين وعزهم في هذا الدين ومهما ابتغوا العزة في غيره أذلهم الله؛ كما قال مالك رحمه الله. ولكن

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد    وينكر الفم طعم الماء من سقم 

وننبهك أيها السائل الكريم إلى أن حسن الخلق دليل على كمال إيمان صاحبه، وسوء الخلق عكس ذلك.  لما أخرجه أحمد والترمذي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء.
وفي الترمذي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء. فالمسلم يتخير من الألفاظ أحسنها وأجملها ليدرك غايته بالرفق واللين ويأسر قلب من يتحدث إليه، قال سبحانه: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا {الإسراء:53}، حتى لو كان المخاطب والمحاور كافرا فينبغي معه ذلك أيضا؛ لقوله تعالى لموسى وهارون لما أرسلهما إلى فرعون وقد بلغ ما بلغ في الكفر والتجبر وهو يعلم عاقبة أمره: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى {طه:44}. 

وقد وردت ألفاظ في كلامك كان الأولى  تركها والتعبيربغيرها ولا سيما وأن المقام لا يقتضيها ولا يناسبها. نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه . 
       والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: