الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

استدلالات بعدم حرمة حلق اللحية ليست بحجة
رقم الفتوى: 192001

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 14 محرم 1434 هـ - 27-11-2012 م
  • التقييم:
18788 0 335

السؤال

كنت أبحث في الإنترنت عن حكم إطالة شعر اللحية, ووجدت هذا المقال الذي به ثلاث وجهات من النظر في قضية اللحية من التحريم, والكراهة, وإباحة الإطالة مع الردود على كل فرضية, وأود أن أعرف رأيكم في هذا الكلام.
قال العلماء في هذا الموضوع ثلاثة أقوال: تحريم حلق اللحية, وكراهة حلق اللحية, وإباحة حلق اللحية.
سنورد أدلة القائلين بالتحريم, وأدلة القائلين بالكراهة - إن شاء الله تعالى -.
أدلة القائلين بالتحريم:
1- ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر عن النبي قال: "خالِفُوا المُشركينَ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب".
2- وما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر عن النبي قال: "احْفُوا الشوارِبَ واعْفُو اللِّحَى".
حيث قالوا: إن توفيرها مأمور به، والأصل في الأمر أن يكون للوجوب إلا لصارفٍ يَصْرِفُهُ عنه، ولا يُوجد هذا الصارف، كما أن مُخالفة المشركين واجبةٌ, والنتيجة أن توفير اللحْية، أيْ: إعفاءها واجبٌ.
3- قال الإمام النووي في شرحه حديث: "احْفُوا الشوارب واعْفوا اللِّحَى": إنه وردت رواياتٌ خمسٌ في ترْك اللحْية، وكلها على اختلافها في ألفاظها تدلُّ على ترْكها على حالها...
4- وممَّا رَتَّبُوه على القول بوُجوب إعفاء اللحية ما نقله ابن قدامة الحنبلي في المُغني: أن الدية تجب في شَعْر اللحية عند أحمد، وأبي حنيفة والثوري، وقال الشافعي ومالك: فيه حكومة عدْلٍ ...
وهذا يُشير إلى أن الفقهاء قد اعتبروا إتلاف شَعر اللحية حتى لا يَنبت جِناية من الجنايات التي تَستوجب المُساءلة: إما الدية الكاملة كما قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والثوري، أو دِية يُقدرها الخبراء, كما قال الإمامان: مالك والشافعي.
وذهب فريقٌ آخر إلى القول بأن إعفاء اللحية سُنَّة يُثاب فاعلها, ولا يُعاقب تاركها، وحلْقها مَكروه، وليس بحرام، ولا يُعَدُّ مِن الكبائر.
1- ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "عشْرٌ مِن الفطرة: قصُّ الشارب، وإعفاء اللحْية، والسواك، واستنشاق الماء، وقصُّ الأظفار، وغسْل البراجِم (البراجم: مَفاصل الأصابع من ظهر الكف)، ونَتْفُ الإبِط، وحلْق العانَة، وانتقاص الماء (أي الاستنجاء), قال مصعب: ونسيتُ العاشرة إلا أن تكون المَضمضة.
حيث أفاد الحديث أن إعفاء اللحية من السُنَن والمَندوبات المَرغوب فيها؛ إذ كل ما نصَّ عليه من السُنَن العادية.
تعقيب القائلين بتحريم حلق اللحية على هذا الدليل:
وقد عقَّب القائلون بوُجوب إعفاء اللحية على القائلين بأنه مِن سُنَنِ الإسلام ومَندوباته بأن إعفاء اللحية جاء فيه نصٌّ خاصٌّ أخرجها عن الندْب إلى الوُجوب، وهو الحديث المذكور سابقًا "خالِفوا المُشركين ، ووَفِّرُوا اللِّحى، واحْفُوا الشوارب".
رد القائلين بكراهة حلق اللحية على هذا التعقيب:
1- وردَّ أصحاب الرأي القائل بالسُنَّة والندْب بأن الأمر بمُخالفة المُشركين لا يتعيَّن أن يكون للوُجوب، فلو كانت كلُّ مُخالفةٍ لهم مُحتَّمة لتحتَّم صبْغ الشعر الذي وَرَدَ فيه حديث الجماعة: "إن اليهود والنصارى لا يَصبغون فخَالِفُوهم". رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي, مع إجماع السلف على عدم وُجوب صبْغ الشعر، فقد صبَغ بعض الصحابة، ولم يصبغ البعض الآخر كما قال ابن حجر في فتح الباري.
2- وعزَّزوا رأيهم بما جاء في كتاب نهج البلاغة: سُئل عليٌّ ـ كرَّم الله وجهه ـ عن قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم: "غيِّروا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا باليهود", فقال: إنما قال النبي ذلك والدِّينُ قُلٌّ، فأما الآن وقد اتَّسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرؤٌ وما يَختار.
مِن أجل هذا قال بعض العلماء: لو قيل في اللحْية ما قيل في الصبْغ مِن عدم الخُروج على عرف أهل البلد لكان أولَى، بل لو تركت هذه المسألة وما أشبهها لظُروف الشخص وتقديره لمَا كان في ذلك بأس.
3- وقد قيل لأبي يوسف صاحب أبي حنيفة ـ وقد رُؤي لابسًا نَعْلَيْنِ مَخْصُوفيْن بمَسامير ـ : إن فلانًا وفلانًا من العلماء كرِهَا ذلك؛ لأن فيه تَشَبُّهًا بالرهبان! فقال: " كان رسول الله يلبسُ النعال التي لها شعْر، وإنها مِن لبس الرهبان..."
وقد جرَى على لسان العلماء القول : بأن كثيرًا ممَّا ورَد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مثل هذه الخِصال يُفيد أن الأمر كما يكون للوُجوب يكون لمُجرد الإرشاد إلى ما هو الأفضل، وأن مُشابهة المُخالفين في الدِّين إنما تَحرُم فيما يُقصد فيه الشبه بشيء مِن خصائصهم الدينية، أمَّا مُجرَّد المشابهة فيما تجري به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأْس بها, ولا كَراهة فيها, ولا حُرمة.
لمَّا كان ذلك كان القول بأن إعفاء اللحية أمر مَرغوب فيه، وأنه من سُنَن الإسلام التي ينبغي المحافظة عليها مقبولًا، وكان مَن أعفَى لحْيته مُثابًا، ويُؤجَر على ذلك، ومَن حلَقها فقد فعل مَكروهًا، لا يأثَمُ بفِعله.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فحلق اللحية بالكلية لا يجوز عند جماهير أهل العلم، حتى لقد حُكي الاتفاق على ذلك، قال ابن حزم في مراتب الإجماع: اتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلة لا تجوز. اهـ. وقد سبق لنا بيان ذلك في عدة فتاوى منها: الفتوى رقم: 2711, كما سبق لنا بيان بعض فوائد إطلاقها في الفتوى رقم: 19539.
وأما الاستدلال الأول الذي ذكره السائل لمن قال بعدم حرمة حلقها، فهو مبني على ما يعرف عند الأصوليين بدلالة الاقتران، وهو حجة عند بعض أهل العلم، ولكن الراجح الذي عليه جمهور العلماء أنه ليس بحجة، قال الشوكاني في إرشاد الفحول: أنكر دلالة الاقتران الجمهور فقالوا: إن الاقتران في النظم لا يستلزم الاقتران في الحكم ... والأصل في كل كلام تام أن ينفرد بحكمه، ولا يشاركه غيره فيه، فمن ادعى خلاف هذا في بعض المواضع فلدليل خارجي، ولا نزاع فيما كان كذلك، ولكن الدلالة فيه ليست للاقتران، بل للدليل الخارجي. اهـ.
وعلى ذلك فاقتران ذكر اللحية بغيرها من المستحبات لا يدل على عدم وجوب إعفائها، ويتأكد هذا بورود أدلة خارجية على الوجوب.
وأما الدليل الثاني فجوابه أن الحكم بالوجوب ليس فقط لمجرد الأمر بمخالفة المشركين، بل هو في الأساس لورود الأمر بالإعفاء نفسه، بل والتصريح في بعص الأدلة بأمر الله تعالى بذلك، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي. رواه ابن بشران في أماليه عن أبي هريرة، ورواه أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس، والحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن أبي كثير مرسلًا، وحسنه الألباني بمجموع طرقه, وللفائدة يمكن الاطلاع على الفتوى رقم: 141423.
وقد سبق لنا بيان أن الأمر بتوفير اللحية محمول على الوجوب بخلاف الصبغ، وراجع في ذلك الفتوى رقم: 35814، ولمزيد الفائدة يمكن الاطلاع على الفتويين: 111851، 135138.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: