عفو النبي عن أهل مكة، ومسألة القصاص والعفو على مجرمي النظم السابقة
رقم الفتوى: 192019

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 14 محرم 1434 هـ - 27-11-2012 م
  • التقييم:
10132 0 306

السؤال

اليوم وفي البلاد التي حصلت فيها الثورات المباركة، يعاني الناس من ظاهرة عودة بعض المحسوبين على النظم السابقة - وأقصد أركان النظام مثل: الوزراء, والضباط الكبار, ومن شاكلهم - إلى سدة الحكم من جديد، فيكثرون للناس من الآيات والأحاديث الدالة على العفو وفضله، وبعضهم تمادى وقال: "الثورة تجبُّ ما قبلها"، وبعضهم يستدلون بقوله عليه السلام: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" فأرجو توضيح معنى الحديث الآنف ذكره، ثم أتمنى عليكم أن تفيدوني بمفهوم شامل في الإسلام عن القصاص والعدل، وعن كيفية التعامل مع أمثال هؤلاء المفسدين.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فأهل مكة من عبدة الأصنام كانوا في حكم الأسرى والرقيق بعد أن فتح الله مكة على نبيه صلى الله عليه وسلم، فعفا عنهم رسول الله وأطلق سراحهم فسماهم الطلقاء، قال العليمي في الأنس الجليل: أعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله تعالى قد أمكنه منهم فكانوا له فيئًا، فبذلك سمي أهل مكة الطلقاء. اهـ. وهذه الحادثة من النماذج التاريخية على عفو النبي صلى الله عليه سلم ومقابلته الإساءة بالإحسان، وراجع في ذلك الفتويين: 179095، 74079, وقال الدكتور محمد أبو شهبة في السيرة النبوية: ما أجمل العفو عند المقدرة! وما أعظم النفوس التي تسمو على الأحقاد وعلى الانتقام! بل تسمو على أن تقابل السيئة بالسيئة، ولكن تعفو وتصفح، والعفو عن من؟ عن قوم طالما عذبوه وأصحابه، وهموا بقتله مرارًا، وأخرجوه وأتباعه من ديارهم وأهليهم وأموالهم، ولم ينفكّوا عن محاربته والكيد له بعد الهجرة!! إن غاية ما يرجى من نفس بشرية كانت مظلومة فانتصرت أن تقتص من غير إسراف في إراقة الدماء، ولكنه النبي! والنبوة من خصائصها كبح النفس ومغالبة الهوى، والعفو والتسامح، أليس من صفاته التي بشّرت بها التوراة أنه: ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا يقابل السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. لقد ضرب النبي صلوات الله وسلامه عليه بعفوه عن أهل مكة للدنيا كلها وللأجيال المتعاقبة مثلًا في البر والرحمة، والعدل والوفاء, وسمو النفس لم تعرفه الدنيا، ولن تعرفه في تاريخها الطويل. اهـ.

وننبه هنا على أن عفو النبي عن أهل مكة وإن كان ثابتًا من حيث الجملة، إلا أن هذا الحديث بلفظه وسياقه لا يصح إسناده، قال الشيخ الألباني: هذا الحديث على شهرته ليس له إسناد ثابت، وهو عند ابن هشام معضل، وقد ضعفه الحافظ العراقي. اهـ.
وأما مسألة العدل والقصاص: فإن ذلك أمر مشروع، فلا حرج على المظلوم في أن ينتصر لنفسه، ولا في أن يأخذ بحقه، ولكن مع هذا فالعفو أقرب للتقوى، والصفح أحب إلى الله، والإحسان إلى المسيء من أخلاق أفاضل الناس وخيارهم, قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) [الشورى], وقال سبحانه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [آل عمران: 134].
ويبقى التنبيه على أن العفو إنما يملكه صاحب الحق، فلا يصح أن يعفو غير المظلوم عن ظالمه, كما لا يصح العفو والتسامح في حق الله تعالى في حفظ حدوده، فمن تعدى في حد من حدود الله وبلغت ذوي السلطان فلا يجوز العفو عنه, جاء في رسالة الجريمة والعقاب في الإسلام: تتميز الحدود بما يلي: 1- أنه لا يجوز النقص منها أو الزيادة فيها. 2- أنه لا يجوز العفو عنها لا من قبل القاضي, أو السلطة السياسية, أو المجني عليه، وذلك بعد أن يرفع أمرها إلى السلطة, أما قبل ذلك فيمكن العفو عنها من قبل المجني عليه إذا كانت جناية على معين. 3- أنها حقوق واجبة لله تعالى، وهو تعبير يرد في الإسلام ويراد به الحق العام الهادف إلى تحقيق المصلحة العامة للمجتمع. اهـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية: يختلف الحكم التكليفي للعفو باختلاف ما يتعلق به الحق، فإن كان الحق خالصًا للعبد فإنه يستحب العفو عنه، وإن كان حقًّا لله سبحانه وتعالى كالحدود مثلًا، فإنه لا يجوز العفو عنه بعد رفع الأمر إلى الحاكم. اهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في عقوبة المحاربين وقطاع الطريق: من كان من المحاربين قد قتل فإنه يقتله الإمام حدًّا، لا يجوز العفو عنه بحال، بإجماع العلماء, ذكره ابن المنذر, ولا يكون أمره إلى ورثة المقتول؛ بخلاف ما لو قتل رجل رجلًا لعداوة بينهما أو خصومة أو نحو ذلك من الأسباب الخاصة؛ فإن هذا دمه لأولياء المقتول إن أحبوا قتلوا, وإن أحبوا عفوا, وإن أحبوا أخذوا الدية؛ لأنه قتله لغرض خاص, وأما المحاربون فإنما يقتلون لأخذ أموال الناس فضررهم عام؛ بمنزلة السراق فإن قتلهم حدًّا لله, وهذا متفق عليه بين الفقهاء. اهـ. وراجع الفتوى رقم: 114087.
وعلى ذلك فينبغي التفريق في المعاملة بين هؤلاء المحسوبين على النظم السابقة، بحسب ما اقترفوا من جرم، وبحسب ما يظهر من دلائل توبتهم، ثم بحسب نوع الحق الذي وجب عليهم، فما كان منها من الحقوق العامة التي تهدف إلى تحقيق المصالح الكلية للمجتمع فلا ينبغي التسامح فيه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق:

 
 

الأكثر مشاهدة