شبهات وجوابها حول بدعة المولد ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب - إسلام ويب - مركز الفتوى
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

شبهات وجوابها حول بدعة المولد ومنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب
رقم الفتوى: 199917

  • تاريخ النشر:الخميس 25 ربيع الآخر 1434 هـ - 7-3-2013 م
  • التقييم:
5908 0 433

السؤال

لقد ظهر الوهابيون بالمغرب العربي الكبير ومنه تونس. ولم يجد دعاة الوهابية من الخليج من يتبعهم إلا بسطاء العقول والجهلة في العلوم الشرعيّة، خاصة بعد سنين عديدة من إيقاف التدريس بالجامع الأعظم (جامع الزيتونة) وفروعه الذي قال عنه الإمام مالك -رضي الله عنه- أنّه رابع قبلة للمسلمين بالاعتبار (يقصد شد الرحال لطلب العلم). فكان معظم سلفيي تونس تائبين من إجرام وكبائر، وهم لا يعلمون إلا اليسير من العلوم الشرعية، وبالمفهوم الوهابي الضيق والجامد للدين. وبحداثة عهدهم في الإسلام، فهم يلتجئون للاعتداء على إخوانهم المسلمين العريقين في الإسلام (غير وهابيين) باللفظ، وبالتكفير، وبالهراوات، وبالسيوف المصنوعة تقليديا حتى تبرأ من أفعالهم الشيخ حسان الداعية المصري المعروف. وقد سلم الكفار فقط من أيديهم وألسنتهم، فلا يعتدون إلا على المسلمين اعتداءات من أجل المسائل الخلافيّة بين الوهابيين وبيننا نحن أهل السنة والجماعة، وأتباع الصالحين من السلف والخلف.
ومن بدعهم العديدة والشنيعة ما يدعون من أن الاحتفال بالمولد حرام وجها واحدا، وأمرا محسوما لدى علماء المسلمين. وهم يحاربوننا من خلال المسائل الخلافيّة التي يجعلون فيها العصمة لابن عبد الوهاب الذي يأخذون منه ولا يردون عليه شيئا، وهم يطبقون على ابن عبد الوهاب ما قاله المولى عز وجل خبرا عن فرعون: (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).
وحاولوا إقناع العامة بالعدول عن الاحتفال بالمولد ولكنهم فشلوا، وحصل نقيض مقصودهم بمظاهر عديدة كانخفاض أسعار المواد الخاصة بالمولد؛ لخوف التجار من اعتداء الوهابيين الإرهابيين عليهم. وهي أخطاء في أساليب الدعوة. وقد ارتفع عدد المحتفلين بالمولد هذه السنة.
ومن جهة العلم، فقد درست أقوال الفريقين ولم أقتنع بما يقوله الوهابيون في المولد، فلم يتزعزع اقتناعي بما يقوله المحتفلون به. وبما أنّي جامعيّ ودكتور، وطالب علم في أصول الفقه، فلا أقبل إلا ما أقتنع به من أقوال العلماء المدعوم بالدليل الأصولي لاستنباط الأحكام من النصوص. فالمحتفلون بالمولد قدموا أدلتهم وهي مقبولة عندي من جهة أصول الفقه. والوهابيون لا يقنعون إلا بسطاء العقول والجهلة بأقوال متعصبة بدون دليل. والقرينة في تعصبهم أنهم لا يذكرون الأقوال المخالفة، ويكتمون العلم حسب أهوائهم. ومن أمثال الكتمان أنهم لا يقولون أن مصدر إلهامهم ابن تيمية ارتكب البدع في الدين، وأنه عدل عن مفهومه الأول للبدعة، وأقر أنّ البدعة في الدين يمكن أن تكون حسنة أو قبيحة، وذلك في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم. وهذا من أدلة سوء نيتهم.
وإنّي لا أقبل مقولة عالم بدون دليل، فلا بد من إقامة تسلسل صحيح بين النص الشرعي والحكم المستنبط. فالذين يحتفلون بالمولد وكذلك الذين لا يحتفلون به، ولكنهم يقرون أن المسألة خلافية، يذكرون أن ما ورد في الحديث الشريف: (كل بدعة ضلالة) هو عام أريد به خاص، والقرينة في ذلك منطوق الحديث الشريف: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) الذي من مفهومه من أحدث في أمرنا هذا ما هو منه فهو مقبول. وهذا يعني جواز البدعة في الدين بشرط عدم مخالفتها لروح الإسلام وجوهره. وما يدعم هذا من الكتاب قبول الله تعالى للبدعة في الدين (ورهبانية ابتدعوها). فقد قبل الله تعالى من النصارى بدعة الرهبانية التي لم يكتبها عليهم فلم ينكرها عليهم. وفي السنة أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على من ابتدع فزاد (حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه) على (ربنا ولك الحمد). ولا مانع من صدور مثل هذا من غير صحابي، إذ أن باب الاجتهاد مفتوح إلى قيام الساعة. والاختلاف دليل على أن مفهوم البدعة ظني.
هذا باختصار شديد التسلسل المنطقي والأصولي للحجج التي أنا مقتنع بها. والوهابيون فشلوا وعجزوا عن تقديم دليلهم. وإني أريد منطوقا ومفهوما، وخاصا وعاما، وحراما ذاتيا، وحراما عرضيا، وصيغ ومدلولات الأمر والنهي وغير ذلك من القواعد الأصولية ولا أريد قال فلان وقال علان. ذلك خاصة وأن ابن عبد الوهاب لا أعرفه ولا يعرفه أهل السنة والجماعة، فلا يمكن لي أن أثق فيه بدون اختباره عقيدة وإخلاصا، وعلما، وفقها، وأخلاقا، والتزاما بالإسلام وغيرة عليه، فأفوض أمري إلى الله تعالى بشأنه وأكتفي بما لدينا من علماء معروفين لهم ثقة الأمة، وجلهم يحتفلون بالمولد. وما يغلق باب التعصب أنه من اجتهد ولم يصب فله أجر واحد، ولن يؤاخذه الله تعالى من أجل خطإ في الاجتهاد (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) فلن يدخل مسلم النار لعصيانه ابن عبد الوهاب في مسائل اجتهادية.
وأسأل فضيلتكم أن تبينوا لي باستعمال قواعد أصول الفقه كيف استنبط ابن عبد الوهاب أن الاحتفال بالمولد حرام لأقتنع برأيه وجها واحدا لا يحتمل النقيض، أو كأحد الوجوه في مسألة خلافية، أو لأقف له على خلل أصوليّ يبطل اجتهاده.
ولكم جزيل الشكر سلفا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فقد سبق لنا لفت نظر السائل الكريم إلى أننا هنا في مجال الفتوى لإسعاف عموم المسلمين ببيان أجوبة أسئلتهم المتزايدة والملحة، ولسنا في مجال إعداد بحوث علمية وردود ومناقشات. كما سبق لنا إجمال القول في جواب سؤال سابق له عن الاحتفال بالمولد النبوي، وذلك في الفتوى رقم: 175601. وكذلك سبق لنا الإشارة له إلى مثل هذا المعنى في مسألة متعلقة ببعض قواعد الابتداع في الدين، وذلك في الفتوى رقم: 132702. وراجع لمزيد الفائدة عن ذلك مما جاء في سؤالك هذا الفتوى رقم: 182723.
والذي نود التنبيه عليه هنا أن السائل الكريم ينبغي أن يكون أول الملتزمين بالمنهج العلمي الذي يطالب به مخالفيه !! فلا يقرر أصلا، ولا يحكم في مسألة، ولا ينسب إلى أحد، إلا ما قامت عليه بينة وبرهان. فإن في كلامه مغالطات بيِّنة، خاصة في موقفه من الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ رغم توفر كتبه ومؤلفات أبنائه وتلامذته، والتي يمكن من خلالها الحكم على مدرسته ومنهجه العلمي، دون الوقوف مع تصرفات أناس ينسبون أنفسهم أو ينسبهم غيرهم له، والله أعلم بحالهم.

وراجع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 5408، 7070، 80372، 41459. وراجع أيضا ما سبق أن أجبناك به في الفتويين: 175019، 127607.

ونحن ننبه هنا بمثالين اثنين فقط على الالتزام الذي نريده من السائل بالمنهج العلمي في البحث والتأصيل والاستدلال.

الأول: ما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) من عدوله عن مفهومه الأول للبدعة، وإقراره أن البدعة في الدين يمكن أن تكون حسنة أو قبيحة !! فأين هذا في هذا الكتاب المشهور المتداول، وهذا يدل على أن السائل لم يقرأ هذا الكتاب الذي استشهد به !!! فإن شيخ الإسلام قد أصل في هذا الكتاب لعموم الذم لكل بدعة شرعية.

ومما قال في ذلك رحمه الله: اعلم أن هذه القاعدة ـ وهي: الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهته ـ قاعدة عامة عظيمة، وتمامها بالجواب عما يعارضها، وذلك أن من الناس من يقول: البدع تنقسم إلى قسمين: حسنة، وقبيحة؛ بدليل قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: " نعمت البدعة هذه ". وبدليل أشياء من الأقوال والأفعال أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست بمكروهة، أو هي حسنة؛ للأدلة الدالة على ذلك من الإجماع أو القياس. وربما يضم إلى ذلك مَنْ لم يحكم أصول العلم، ما عليه كثير من الناس من كثير من العادات ونحوها، فيجعل هذا أيضا من الدلائل على حسن بعض البدع، إما بأن يجعل ما اعتاده هو ومن يعرفه إجماعا، وإن لم يعلم قول سائر المسلمين في ذلك، أو يستنكر تركه لما اعتاده بمثابة من إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا. وما أكثر ما قد يحتج بعض من يتميز من المنتسبين إلى علم أو عبادة، بحجج ليست من أصول العلم التي يعتمد في الدين عليها. والغرض أن هذه النصوص الدالة على ذم البدع معارضة بما دل على حسن بعض البدع، إما من الأدلة الشرعية الصحيحة، أو من حجج بعض الناس التي يعتمد عليها بعض الجاهلين أو المتأولين في الجملة. ثم هؤلاء المعارضون لهم هنا مقامان:

أحدهما: أن يقولوا إذا ثبت أن بعض البدع حسن وبعضها قبيح، فالقبيح ما نهى عنه الشارع، وما سكت عنه من البدع فليس بقبيح، بل قد يكون حسنا، فهذا مما قد يقوله بعضهم.

المقام الثاني: أن يقال عن بدعة معينة: هذه بدعة حسنة؛ لأن فيها من المصلحة كيت وكيت. وهؤلاء المعارضون يقولون: ليست كل بدعة ضلالة. والجواب: أما القول إن شر الأمور محدثاتها، وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، والتحذير من الأمور المحدثات: فهذا نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يحل لأحد أن يدفع دلالته على ذم البدع، ومن نازع في دلالته فهو مراغم.

وأما المعارضات، فالجواب عنها بأحد جوابين: إما أن يقال: إن ما ثبت حسنه فليس من البدع، فيبقى العموم محفوظا لا خصوص فيه. وإما أن يقال: ما ثبت حسنه فهو مخصوص من العموم، والعام المخصوص دليل فيما عدا صورة التخصيص، فمن اعتقد أن بعض البدع مخصوص من هذا العموم، احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص، وإلا كان ذلك العموم اللفظي المعنوي موجبا للنهي، ثم المخصص هو الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع، نصا واستنباطا، وأما عادة بعض البلاد أو أكثرها، أو قول كثير من العلماء أو العباد أو أكثرهم، ونحو ذلك، فليس مما يصلح أن يكون معارضا لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعارض به. ومن اعتقد أن أكثر هذه العادات المخالفة للسنن مجمع عليها، بناء على أن الأمة أقرتها ولم تنكرها، فهو مخطئ في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، وما يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم .... اهـ.

وقد عقد الدكتور ناصر العقل ـ أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ـ في تحقيقه ودراسته لكتاب شيخ الإسلام (اقتضاء الصراط المستقيم) والذي كان موضوع رسالته العلمية لنيل درجة الدكتوراة، عقد فيها فصلا لدراسة بعض موضوعات الكتاب، فكان منها مسألة: مفهوم البدعة، فقال: لقد أخطأ كثير من الناس في العصور المتأخرة في مفهوم البدعة وأحكامها، فقالوا بأن البدعة تنقسم إلى: حسنة، وقبيحة، وأنه ليست كل بدعة ضلالة، وأن ما ارتضاه المسلمون وتعارفوا عليه لا يكون بدعة، وهذه المفاهيم كلها إنما حدثت بعد القرون الثلاثة الفاضلة. فاستطاع المؤلف ـ يعني ابن تيمية رحمه الله ـ أن يؤصل لهذه المسألة، ويستقرئ أدلتها، ويبين أحكامها، ووجه الخطأ فيها، على النحو التالي: بيَّن أن كل بدعة ضلالة بصريح السنة ومنطوقها، حيث ذكر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «كل بدعة ضلالة» وأن «شر الأمور محدثاتها» وأن «كل محدثة بدعة» وما زعمه بعض الناس من أنه ليس كل بدعة ضلالة، فهو مصادم لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومشاقَّة له .. اهـ.
وأما المثال الثاني: فهو استدلاله بقوله تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا  {الحديد:27}. حيث قال: (فقد قبل الله تعالى من النصارى بدعة الرهبانية التي لم يكتبها عليهم فلم ينكرها عليهم).
فلماذا اكتفى بفهم واحد للآية ولم يعرض للفهم الثاني، كما يطالب مخالفيه، فقد قال ابن كثير: قوله: {ورهبانية ابتدعوها} أي: ابتدعتها أمة النصارى {ما كتبناها عليهم} أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم ... وقوله: {فما رعوها حق رعايتها} أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل. اهـ.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: