الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل يجب دعوة الملحد إذا خيف من سبه لله وتعرضه لجناب النبي

السؤال

أعمل في إسبانيا مع رجل ملحد. هل يجب علي أن أدعوه إلى الإسلام؛ لأني أخاف أن يسيء إلى الله، وإلى نبينا صلى الله عليه وسلم؛ لأن من طباعه أنه لا يؤمن بشيء بعد الموت، وبذيء اللسان على الله عز وجل؟

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمر واجب على عموم الأمة وجوباً كفائيًا، وقد يجب وجوباً عينيًا على المسلم بحسب استطاعته وقدر علمه، وذلك في حال لم يوجد من يقوم بذلك غيره.

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه بلا عذر ولا خوف، ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، وكمن يرى زوجته أو ولده، أو غلامه على منكر أو تقصير في المعروف. اهـ.
وعلى هذا، فيجب عليك دعوته إلى الإسلام إن لم يقم بذلك غيرك، وبشرط أن تأمن حصول مفسدة أكبر كأن تخشى على نفسك الفتنة بما قد يورد عليك من شبهات لا علم لديك تدفعها به.

وأما كونه قد يسب الله، أو يسب رسوله صلى الله عليه وسلم، فليس بمانع من دعوته إلى الإسلام، فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله تعالى أكفر الكفرة، وهو يعلم أنه قد يدفعه ذلك إلى سب الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم- بل كانوا يسبونه -فعلا- كما كان يفعل عمه أبو لهب، حيث يصفونه بالسحر، والكهانة، والجنون...الخ. والمنهي عنه هو سب آلهة المشركين ونحو ذلك مما قد يترتب عليه سبهم الله تعالى، كما قال سبحانه: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ {الأنعام:108}.

قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء: حكمها باق في هذه الأمة على كل حال؛ فمتى كان الكافر في منعة، وخيف أن يسب الإسلام أو النبي عليه السلام، أو الله عز وجل، فلا يحل لمسلم أن يسب صلبانهم ولا دينهم، ولا كنائسهم، ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية. اهـ.

وأما من دعا إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وترتب على دعوته مثل ذلك الكفر، فلا يدخل في هذا.

وننبه إلى أن عمل المسلم مع الكافر جائز في الأصل إذا كان مجال العمل مباحا، واشترط بعض العلماء أن يكون عمله في غير الخدمة الشخصية للكفار كتقديم الطعام والشراب، والوقوف بين يديه؛ لما في ذلك من إذلال المسلم، والأولى بك على كل حال عدم الاستمرار في العمل مع الرجل المذكور طلبا للسلامة، ومن ترك شيئا لله عوضه خيرا منه.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني