الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مذاهب الفقهاء في تتبع رخص المذاهب، ومعنى العمل بالراجح
رقم الفتوى: 208624

  • تاريخ النشر:الخميس 14 رجب 1434 هـ - 23-5-2013 م
  • التقييم:
8982 0 336

السؤال

بوركتم: عموماً إجابة السؤال بالفتوى ‏رقم: 203266 جاءت في غير ما ‏كنت أريد! لأنكم تطرقتم إلى أمور ‏أعرفها، وبارك الله فيكم أحبائي، ‏وجعلكم أهل خير أينما كنتم، لكنني ‏أريد لفت الانتباه إلى أمر آخر بعد ‏إذن سماحتكم. بمناسبة حديثكم في ‏الفتوى السابقة. اسمحوا لي أن أقول ‏لكم: إنني شعرت أنكم ضربتم بعرض ‏الحائط من قال يجوز الأخذ ‏بالرخص، إلا إذا كان منهجكم لا ‏يمكن فيه الأخذ بالقول المرجوح ‏إطلاقاً، فهذا شيء آخر، وإذا كنتم ‏كذلك، فأنا أختلف معكم كثيراً؛ لأنه لا ‏يوجد في الدين ما يمنع ذلك، فمن ‏المعروف أن الأخذ بالرخص جائز ‏عند كثير من الفقهاء في المذاهب ‏الأربعة، وعند كثير من الأصوليين ‏بدون ضرورة أو حاجة، أي إذا رأى ‏مصلحته في ذلك، بل من اليسر الذي ‏جاء به الإسلام. بالطبع وفق الشروط ‏التي أعرفها في (الفتوى السابقة) ‏ولا أعرف سبب تضييقكم في الأمر ‏وعدم ذكر حتى اسم عالم واحد من ‏علماء الفقه أو الأصول، وما أكثرهم ‏في ذكر جواز الأخذ بالرخص مطلقاً، ‏وأنتم أعلم مني بهم – أما السبكي – ‏فهو ممن لم يّجوز الأخذ بالرخص من ‏غير ضرورة، لكن أجازه عند ‏الضرورة، وهو منهج كل من قال لا ‏يجوز الأخذ بالرخص سواء من ‏الفقهاء أو الأصوليين ( أي يجوز ‏عندهم الأخذ بالرخص عند الحاجة أو ‏الضرورة) وهو أيضاً كلام- ‏الشاطبي- بل هو منهج الأئمة، وأنا ‏أعرف ما قلتموه أن من أخذ بالقول ‏المرجوح لا يأثم، غير أن الناس ‏كانوا يأخذون بقول المفضول دون ‏الأفضل في زمن الصحابة، وهو ‏أيضاً كلام- النووي- الذي منع اتباع ‏الرخص، لكنه أجاز الأخذ بقول ‏المفضول دون الأفضل هذا- والله ‏أعلم- إذا كانت الأقوال متقاربة، فأقل ‏ما في الأمر أن تذكروا حتى قول ‏النووي، لأشعر حتى بنوع من الراحة ‏والتعاون معي؛ في هذا القول إذا أردت ‏العمل به تحت ظرف يواجهني، لأنكم ‏نشرتم في - أصول الأحكام للآمدي ‏‏– وملخصه ( أنه يلزم العمل ‏بالراجح) وهذا مخالف لسماحة ‏الشريعة والرفق بالمسلم، فإن قول ‏الجمهور في الأصل ليس حجة؛ لأن ‏هناك من قال يجوز الأخذ بالقول ‏المرجوح؛ لأن الأصل في الرخص ‏الإباحة، بشرط طبعاً أن لا يتمادى ‏في ذلك – لأنه قد قيل حتى الذي منع ‏تتبع الرخص ربما منعه خشيةً أن ‏يلتقطه أو يتبعه؛ لأني -الحمد لله- لا ‏أتتبع الرخص، ولا أنظر وأبحث عن ‏الأقوال السهلة لأقوم باصطيادها، ‏فلو كان ذلك ما كنت في الأصل ‏فكرت أن – أطلق لحيتي- (وإذا كانت ‏الأقوال في اللحية أراها أقوالا غير ‏مرجوحة فهي أقوال ضعيفة) ‏فالرخص المذمومة كما تعرفون "أخذُ ‏مذهب أو قول الغير بلا معرفةِ دليله. ‏
‏ ثانياً: أتمنى توضيح، هل يوجد ‏فرق بين القول الضعيف والمرجوح؟ ‏حيث إنني أعرف أن القول الضعيف ‏هو الذي لا سند له ولا دليل قوي، أو ‏هي الأقوال الغريبة والشاذة بين ‏العلماء أو بين علماء الثقة، مثل من ‏أجاز مصافحة المرأة، أو سماع ‏الموسيقى، أو الفوائد الربوية، أو ‏الزواج بدون ولي ولا شهود؛ وما ‏شابه ذلك.‏
‏ وفقكم الله؛ وبارك الله فيكم؛ وأتمنى ‏الرد علي حديثيا، هذا جيد.‏

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فالأخذ برخص المذاهب الفقهية، بمعنى الأخذ بالأيسر من كل مذهب، أو تتبع رخص المذاهب، اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال:
ـ الأول: المنع مطلقا، وإليه ذهب ابن حزم، والغزالي، والنووي، والسبكي، وابن القيم، والشاطبي. ونقل ابن حزم، وابن عبد البر الإجماع على ذلك.
ـ الثاني: الجواز، وإليه ذهب بعض الحنفية كالسرخسي وابن الهمام.
ـ الثالث: الجواز بشروط، وقد اختلف القائلون بذلك في بيان الشروط وعدها، فاشترط العز بن عبد السلام ألا يترتب عليه ما يُنقَض به حكم الحاكم؛ وهو ما خالف النص الذي لا يحتمل التأويل، أو الإجماع، أو القواعد الكلية، أو القياس الجلي. وزاد القرافي ألاّ يجمع بين المذاهب على وجهٍ يخرق به الإجماع. وهناك من زاد شروطا أخرى.
وراجع في ذلك الفتويين: 4145، 140418. وتجد في الأخيرة منهما التنبيه على أنه لا حرج في الأخذ بالرخص، والتلفيق بين المذاهب اجتهادا وترجيحا، أو تقليدا من العامي لمن يعتقده الأعلم والأوثق من العلماء. والإحالة في ذلك على الفتويين: 37716، 107754.
وأما حكم الأخ السائل على القول بلزوم العمل بالراجح بأنه مخالف لسماحة الشريعة والرفق بالمسلم !! فمغالطة واضحة، لأنه لا خلاف في وجوب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولزوم اتباع الشريعة التي تحكم في كل مسألة بعينها بحكم واحد. وإنما يُتَّبع العلماء ومذاهبهم لكونهم يجتهدون في معرفة ذلك ودلالة الناس عليه! فإذا اختلفوا عرفنا أن بعضهم أصاب وله أجران، وبعضهم أخطأ وله أجر واحد، ولكن لا يجوز اتباعه على خطئه إذا استبان للعبد.

ولذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد. اهـ.
فالعمل بالراجح معناه العمل بما يغلب على الظن أنه مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بحسب ما ترجحه الأدلة، لا بالتشهي والهوى، ولا بالتشدد والورع؛ لأن الحق في كل مسألة بعينها واحد لا يتعدد، كما قدمنا، وراجع في ذلك الفتويين: 127607، 180003.
وأما سماحة الشريعة فلها مظاهر عدة، ومن جملتها مراعاة الأحوال الخاصة، فمن قواعدها: الضرورات تبيح المحظورات. والمشقة تجلب التيسير. وإذا ضاق الأمر اتسع.
ومن ذلك ما نبهنا عليه في الفتوى التي ذكرها السائل في مطلع سؤاله برقم: 203266 على أنه لا حرج على المكلف في الأخذ بالأيسر في مسألة أو مسألتين ونحو ذلك عند حاجته لذلك.

وأما التفريق بين القول الضعيف والقول المرجوح، فلا نعلم أحدا من أهل العلم نص عليه، ولا مشاحة في الاصطلاح، ويمكن أن يُربط هذا التفريق بنوعي الخلاف: فيوصف القول المخالف للراجح في الخلاف المعتبر بالمرجوح، ويوصف في الخلاف غير المعتبر بالضعيف. وراجع الفتاوى ذوات الأرقام التالية: 984540، 16387، 26350.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: