الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثمار ترك شيء من النوافل والمستحبات طاعة للوالدين
رقم الفتوى: 233401

  • تاريخ النشر:الأربعاء 22 صفر 1435 هـ - 25-12-2013 م
  • التقييم:
5908 0 239

السؤال

أجد صعوبة شديدة في الالتزام ببر الوالدين بالشكل الذي تصفونه عند كلامكم عنه، لقد حاولت أن أقوم بالسيطرة على نفسي في أن أضبط كل فعل لي لتحقيق رضا الله، ولكن ينازعني في ذلك طلب رضا أمي، حيث إن علي إذا فكرت في صيام النافلة، أن أتحرى هل يرضيها صيامي أم لا، وماذا إذا كانت ترضى على مضض؟
وإذا فكرت في تعلم علم مستحب لي تعلمه، ولكن أمي ترى أني يجب علي أن أهتم أكثر بتحصيل الرزق (مع سعيي على الرزق، أي أنها تطلب الزيادة في ذلك، ولا ترى قضاء وقتي في طلب العلم المستحب).
وإذا كان هناك خلاف فقهي في حكم يدور بين الوجوب والاستحباب، وأرى أنه واجب، لكن أمي ترى أنه مستحب، وعليه تريد مني أن أتركه حيث إنه لا إثم علي إن تركته.
فهل يجب علي ترك الأخذ بوجوبه؟ وإذا كان هناك حكم يدور بين الحرمة والإباحة وأرى أنه حرام وترى هي أنه مباح.
فهل يجب علي ترك الأخذ بحرمته؟
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فسبق أن ذكرنا ضوابط لوجوب طاعة الوالدين فيما يأمران به أو ينهيان عنه، أهمها: أن يكون في غير معصية لله عز وجل، وأن يكون للوالدين غرض صحيح من الأمر بترك المندوب والمباح، أو الأمر بمقارفة المكروه، وأن لا يكون فيما أمرا به أو نهيا عنه ضرر على الولد أو مشقة. ولمزيد الفائدة راجع الفتوى رقم: 76303 

واعلم أنه يكفي لرفع الحرج عنك ألا يعزم عليك والداك في الأمر أو النهي، فإن كانت أمك لا تلزمك بترك شيء مما ذكر في السؤال، فلا إثم عليك في فعله إن شاء الله.

وراجع بخصوص صوم النافلة فتوانا رقم: 9210

وبخصوص طلب العلم انظر الفتوى رقم: 130245 وما أحيل عليه فيها.

وبخصوص المسائل الفقهية المشتبهة انظر فتوانا رقم: 108354

ومما يعينك أيها الأخ الكريم على بر والديك أمور ( ذكر بعضها الشيخ محمد الشنقيطي  في شرح الزاد ):
الأول: أن تعلم أن برك بهما لن يعود عليك إلا بالخير في دنياك وآخرتك؛ فإنه "ما ضر البر أحداً، فالبر مفتاح لكل خير ( وإن البر ليهدي إلى الجنة )، ومن أعظم البر وأحبه إلى الله سبحانه وتعالى: بر الوالدين.

 الثاني: أنك لو تركت نافلة من النوافل بسبب برك بوالديك، فإن الله تبارك وتعالى يكتب لك أجرها بكرمه وفضله، فتفوز بأجر الطاعة وأجر البر معا.
يقول الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي: فإن قال الوالد: لا تصم الاثنين والخميس؛ شفقة عليك وخوفاً على صحتك، فإنك تبره، وحينئذٍ يكتب لك أجر الصيام؛ لأنه حبسك عذر البر، ويكتب لك أجر البر، وأنت على خير.
الثالث: أنك لا تدري، لعل الخير يكون الخير في تفويت هذه النوافل عليك.

وكم من إنسان صرف عن طاعة لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى، فما من إنسان يبر والديه في الغالب ما لم يأمر بمعصية إلا كان عاقبته خيراً. والإنسان قد يغلبه حب الخير فيترك الفريضة بالنافلة، ولا شك أن بر الوالدين غالباً ما يأتي بأحسن العواقب وأفضلها، وقد تصرف عن النافلة بخير أعظم من ذلك، وقد يعلم الله عز وجل أنك لو داومت على خير لفتنت به بالعجب أو بالغرور.

الرابع: أن تدرك وتستحضر دائما أن غايتك ومبتغاك من أعمالك الصالحة إنما هي رضا الله جل وعلا ، وإن من أعظم الأسباب لحصول ذلك بر الوالدين.

 فإن الله تعالى إذا علم من العبد حبه لوالديه وحرصه على برهما بلغه أعلى المراتب، فكل يوم تحرص على أنك تفوز برضاهما تحصل رضا أكثر من الرضا الذي كنت فيه من بر الوالدين.

الخامس: أن بر الوالدين من أعظم الأسباب للثبات على دين الله تعالى.
يقول الشنقيطي: ومن أهم الأسباب التي تعين على الثبات، وتجعلك على خير، وتفتح لك أبواب هذا العلم: برك لوالديك، فبعد ذكرك، وكثرة ذكرك لله عز وجل بالاستغفار والتسبيح والتحميد، وغير ذلك مما شرعه الله من ذكره، وقراءة القرآن، تبر والديك، فإن الله يفتح لك أبواب الرحمة، فرضي الله عمَّن أرضى والديه.
السادس: أن تستشعر نعمة الله عليك في إبقاء والديك أو أحدهما حيا حتى تتمكن من التقرب إلى الله تعالى ببرهما، فهما من أبواب الجنة.

فاتق الله في والديك، وأحسن كما أحسن الله إليك، فإن وجود الوالدين نعمة عظيمة من الله عز وجل، هنيئاً لبارٍ لزم والديه فقام بحقهما وحقوقهما، وأدخل السرور عليهما حتى فاز بمرضاة الله. شرح الزاد للشنقيطي.

السابع: أن تدرك أن الله سبحانه خلقنا لعبادته. قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {الذاريات:56}. ومن أعظم مراتب العبودية ألا يختار الإنسان لنفسه عبودية بعينها يتقرب بها إلى الله، وإنما يترك أمره لله كالميت بين يدي غاسله، فيكون مراده دائرا مع مراد الله على أي وجه كان، سواء وافق هواه أم خالفه، وبذلك تصفو إرادته وتكمل.
قال ابن القيم رحمه الله: وإنما الذي يفرض له النقص من الإرادة نوعان: أحدهما: إرادة مصدرها طلب الحظ. والثاني: اختياره فيما يفعل به بغير اختياره. فعن هاتين الإرادتين ينبغي الفناء، وفيهما يكون النقص، فالكمال ترك الاختيار فيهما، والسكون إلى مراد المحبوب وحقه في الأولى، وإلى مجاري أقداره وحكمه في الثانية، فيكون في الأولى حيا فعالا منازعا لقواطعه عن مراد محبوبه، وفي الثانية كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء. وبهذا التفصيل ينكشف سر هذه المسألة، ويحصل التمييز بين محض العبودية وحظ النفس. والله الموفق للصواب. طريق الهجرتين.

 وختاما، (فهذا الذي أوصيك به أخي في الله! ودع عنك التأويلات، ودع عنك الاجتهادات والآراء، فو الله لن تفلح إلا برضا الله ثم برضا الوالدين، ولن توفق إلا برضا الله ثم برضا الوالدين، ولن تعان على أمرك إلا برضا الله ثم برضا الوالدين) شرح الزاد للشنقيطي.
والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: