الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أحكام تخارج الورثة وإسقاط جزء منها، والهبة بشرط العوض
رقم الفتوى: 241867

  • تاريخ النشر:الثلاثاء 25 ربيع الآخر 1435 هـ - 25-2-2014 م
  • التقييم:
4685 0 224

السؤال

توفي والدي وأنا في السنة الثالثة من الجامعة فرفضت والدتي توزيع الإرث حتى تخرجت كي لا أتحمل وحدي كامل نفقات الدراسة من جزئي من الإرث، ويتم توزيع تكلفة العامين المتبقيين من كلفة دراستي في الجامعة على الجميع على اعتبار أنني الأخ الأصغر وأن والدي تكفل بنفقات دراسة إخوتي كاملة في أغلى الجامعات عدا عن تزويجهم وأشياء أخرى كثيرة، وعندما تخرجت من الجامعة قامت والدتي بتقسيم الميراث وضغطت علي كثيرا كي أقبل بجزء من الميراث مجحف جدا ولم أكن أريده، فكانت ترى أنها ساعدتني بما فيه الكفاية في العامين الأخيرين من دراستي ويجب تعويض إخوتي بأن تعطيهما الجزء الأكبر من الإرث، وكانوا قد أخذوا أضعافا مضاعفة في حياة والدي، وللأسف أعطتهم أكثر بكثير مما كلفت دراستي في العامين الأخيرين، لم أكن راضيا، وبعد الضغوط الشديدة منها ومن إخوتي وتخويفي بالغضب قبلت بشرط أن تقوم بتعويضي عندما يتبين لها يقينا أن المنزل أو الجزء من الميراث الذي أعطتني إياه أقل بكثير من إخوتي وأنهم أخذوا أضعاف مضاعفة من المبلغ الذي كلفته دراستي بسبب قسمتها التي لا أرضى بها، والآن أصبح من الجلي جدا أن التقسيم أعطاهم منازل وجزءا من الميراث يقارب ضعف ما حصلت عليه أنا، فقمت بمطالبتها بتنفيذ وعدها وأن تعوضني عن القسمة المجحفة التي قامت بها وستقوم بتعويضي من مالها الخاص حسب الوعد الذي قامت به، فما حكم هذا الجزء الذي ستسجله باسمي من باب التعويض عن قسمتها التي لم أقبل بها سابقا؟.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فأمر التركات وسائر الحقوق المشتركة شائك للغاية، والجهة التي يمكنها فصل المنازعات فيها هي المحاكم الشرعية للنظر والتحقيق والتدقيق والبحث في الأمور المتعلقة بالقضية، وإيصال الحقوق لذويها، ولا يمكن الاكتفاء في مثل هذه الأمور بمجرد فتوى أعدها صاحبها طبقاً لسؤال ورد عليه، خاصة إذا كانت متشابكة ومتطاولة الزمان ومتعددة الأطراف، ولذا فإنا سنكتفي ببيان بعض المسائل التي تبين أصول الموضوع من خلال النقاط الآتية:
1ـ نفقة الوالد على أبنائه تكون بحسب الحاجة والعرف، فما يحتاجه هذا قد لا يحتاجه ذاك، ولذلك لا تدخل فيما يُؤمر به من المساواة بين الأولاد، ثم إن النفقة تنقطع بموت الوالد، وتصير تركته لورثته بحسب أنصبتهم الشرعية، بغض النظر عن أعمارهم وقدر النفقة التي أنفقها عليهم والدهم في حياته، وبهذا يعلم السائل أنه لم يكن يستحق شيئا زائدا على نصيبه الشرعي من تركة أبيه، باعتبار أنه لم يكمل دراسته ولم يتزوج في حياة أبيه كما هو حال إخوته. وعليه، فما أنفقته على نفسك في الدراسة من التركة إن لم يتبرع لك به بقية الورثة، فهو دين في ذمتك لهم بحسب أنصبتهم من التركة.
2ـ قسمة التركة على غير الأنصبة الشرعية، وعدم إعطاء أحد الورثة كامل حقه منها، ظلم بيِّن، فقد أعطى الله كل ذي حق حقه، وتولى القسمة بنفسه تبارك وتعالى، فبين أنصبة المواريث في كتابه، ثم قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ {النساء: 13ـ 14}. قال السعدي: أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها. اهـ.
3ـ إذا اصطلح الورثة على إخراج بعضهم بشيء معلوم من التركة أو من غيرها، فهذا يعرف عند الفقهاء بالتخارج، وإذا كان البدل فيه من جملة مال التركة وأقل من النصيب الشرعي، فهو نوع من الهبة والتنازل وإسقاط الحق، جاء في الموسوعة الفقهية: الأصل في التخارج أنه عقد صلح بين الورثة لإخراج أحدهم، ولكنه يعتبر عقد بيع إن كان البدل المصالح عليه شيئا من غير التركة، ويعتبر عقد قسمة ومبادلة، إن كان البدل المصالح عليه من مال التركة، وقد يكون هبة أو إسقاطا للبعض، إن كان البدل المصالح عليه أقل من النصيب المستحق، وهذا في الجملة، ويشترط في كل حالة شروطها الخاصة. اهـ.
4ـ الهبة إذا كانت بشرط العوض فلها حكم البيع ابتداء وانتهاء عند جمهور العلماء، فيشترط أن يكون العوض معلوما فإن كان مجهولا فسدت الهبة، ويكون حكمها حكم البيع الفاسد يردها الموهوب له إلى الواهب، قال ابن قدامة في المغني: إن شرط في الهبة ثوابا معلوما صح، نص عليه أحمد، لأنه تمليك بعوض معلوم فهو كالبيع، وحكمها حكم البيع في ضمان الدرك وثبوت الخيار والشفعة، وبهذا قال أصحاب الرأي، ولأصحاب الشافعي قول: إنه لا يصح، لأنه شرط في الهبة ما ينافي مقتضاها... فأما إن شرط ثوابا مجهولا لم يصح وفسدت الهبة، وحكمها حكم البيع الفاسد، يردها الموهوب له بزيادتها المتصلة والمنفصلة، لأنه نماء ملك الواهب، وإن كانت تالفة رد قيمتها، وهذا قول الشافعي وأبي ثور. اهـ.
5ـ إذا كان تكييف ما تم بينكم من قسمة على أنها إسقاط لجزء من حقك، أو هبة منك بشرط العوض، وهو ما اتفقت مع والدتك على أن تعطيك إياه من مالها، فإن كان هذا المال معلوما وصححنا القسمة، فالعوض لك، ولا حرج عليك في قبوله أو المطالبة به، وأما إن كان مجهولا وفسدت هبتك أو إسقاطك لجزء من نصيبك، فعليكم أن تعيدوا قسمة التركة بالعدل، وذلك بحسب الأنصبة الشرعية.
6ـ لا يجوز للوالدين تفضيل أحد أبنائهما على إخوته بشيء من الهبة، إلا بمسوغ شرعي، لما روى النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما: أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: فأرجعه. وفي رواية: فلا تشهدني إذا، فإني لا أشهد على جور. وفي ثالثة: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.

وراجع الفتويين رقم: 121206، ورقم: 123771.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: