الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل يجب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بأمور الدنيا؟
رقم الفتوى: 309562

  • تاريخ النشر:الأربعاء 24 ذو الحجة 1436 هـ - 7-10-2015 م
  • التقييم:
4758 0 2547

السؤال

حديث تأبير النخل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: أنتم أعلم بأمور دنياكم. استغل الكثير هذا في عمل تشريعات، وأنظمة، وقوانين، وتم الخلط بين أمور الدنيا وأمور الآخرة، فبينوا لنا الحدّ الفاصل في ذلك؟ وهل أمور الطب من الدنيا أم الآخرة، مع أنه ورد أحاديث فيها؟ وهل هي على سبيل الاستحباب؟ أوضحوا لنا، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فقد روى حديث تأبير النخل الإمام مسلم في صحيحه عن أنس -رضي الله عنه-: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصًا، فمرّ بهم، فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم.

وقد ترجم عليه النووي بقوله: باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي.

وهذا التقييد الأخير، نعني قوله: على سبيل الرأي، يتضح به أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يتكلم في بعض أمور الدنيا عن اجتهاد، ومن منطلق خبرته، فما كان من هذا القبيل فإنه يدخل تحت هذا اللفظ، وأن المرجع فيه إلى أهل الخبرة، ومن هذا ما جاء في حديث تأبير النخل، ويدل على ذلك الرواية الأخرى في صحيح مسلم، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما أظن يغنى ذلك شيئًا. قال: فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به؛ فإني لن أكذب على الله -عز وجل-.

والطبّ من أمور الدنيا، والمعاش، ولكن التشريع لا يشمل أمور الدين، والمعاد، وأمور المعاش، بل ما ورد في حديث تأبير النخل نفسه من تصرف الصحابة يدل على أن المقرر عندهم أن الأصل فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم أنه تشريع، ولو كان في أمور المعاش.

قال الباحث علي بن نايف الشحود في كتابه (المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام): الأصل في كل ما تناولته النصوص الشرعية -ولو كان متعلقًا بأمر الدنيا، أو المعاش، أو غيره- أن يكون على سبيل التشريع، إلا أن يدل الدليل، أو القرينة على خلاف ذلك، ويؤيد هذا الكلام أيضًا أمران:

أ- تصرف الصحابة في القصة المذكورة حيث امتنعوا من تأبير النخل -رغم خبرتهم السابقة عن أهمية ذلك التلقيح، علاوة على أنه أمر أمور المعايش الدنيوية- وذلك لما لم يظهر لهم دليل، أو قرينة تبين لهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ما قال على غير سبيل التشريع، وهذا يعني أنهم -رضي الله عنهم- يتعاملون مع أقواله صلى الله عليه وسلم -ولو كانت في أمور المعايش- على أنها على سبيل التشريع حتى يأتي من الدليل الشرعي ما يبين أنها على غير سبيل التشريع.

ب- طريقة صياغة العلماء للعبارات السابقة، فإنها واضحة كل الوضوح في أن الأصل في كل ما جاء في النصوص الشرعية إنما يتم التعامل معه على أنه جاء على سبيل التشريع؛ ولذلك احتاج هؤلاء العلماء أن يقيدوا الأمور التي لا يجب على المسلمين امتثالها من معايش الدنيا، بأنها التي جاءت "على سبيل الرأي"، أو "لا على سبيل التشريع"، وبذلك تسقط دعاوى العلمانيين، ومن تابعهم في تحريف هذا الحديث للوصول إلى إخراج النظام السياسي من الدخول تحت ولاية الشرع.

وفي هذا الكتاب كلام مفيد حول هذه القضية لا يتسع المجال لنقله هنا؛ فليرجع إليه لمزيد الفائدة، وهو متوفر ضمن المصنفات التي حوتها المكتبة الشاملة.

ومن الأدلة على أن الشريعة تعم أمور الدنيا، والمعاش: ما روى البخاري، ومسلم أن الزبير -رضي الله عنه- كان يحدث: أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، فقال: يا رسول الله، آن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اسق، ثم احبس حتى يبلغ الجدر.

فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ حقه للزبير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي سعة له، وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم. قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ {النساء:65}

وقد ترجم عليه في صحيح مسلم: باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هذا في أمر يتعلق بسقي الماء، فكيف بما هو أعظم، من التحكيم في الدماء، والأموال، والأعراض ... إلخ؟! ولا يعني هذا أن يأتي في كل أمر من أمور الناس الدنيوية، ومعاملاتهم نص خاص، ولكن قد نصّ العلماء على أن المعاملات الأصل فيها الإباحة حتى يرد دليل الحظر.

والأحاديث التي اشتملت على بعض الأمور الطبية هي على سبيل الإرشاد؛ لأنه لا يجب التداوي إلا في بعض الحالات، ولمزيد الفائدة بهذا الخصوص راجع الفتوى رقم: 250723.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: