الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الانتفاع بالخمر فيما سوى الشرب.. رؤية شرعية

السؤال

سؤالي هذا بخصوص الخمر والانتفاع بها، مع علمي بالخلاف الكبير في طهارتها (الحسية) من عدمه، ولكن على القول بطهارتها هل يسوّغ القول بطهارتها جواز (الانتفاع بها) في (الطلاء والعطور)، وعلى فرض جواز الانتفاع ألا يشكل على هذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم أبا طلحة عن تخليل خمر الأيتام، فسؤالي هذا أتى لأني خلال بحثي في الإنترنت رأيت بعض أهل العلم يعلق جواز الانتفاع بالخمر من عدمه بطهارتها أو نجاستها دون تعريج على حديث أبي طلحة السابق، وجزاكم الله تبارك وتعالى خيرًا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد ذهب الجماهير من أهل العلم إلى تحريم الانتفاع بالخمر ولو بغير شربها كأن يستعملها في ظاهر البدن أو يتطيب بها أو نحو ذلك، قال ابن المنذر: وسقى غلام لابن عمر بعيراً له خمراً فتوعّده، وقال عبد الله بن مسعود "لم يجعل الله شفاءكم فيما حرم عليكم" وقيل لابن عمر: إن النساء يمتشطن بالخمر، فقال ابن عمر: ألقى الله في رؤوسهن الحاصَّة، وروينا عن حذيفة أنه ذكر له نساء يمتشطن بالخمر، فقال: تطيبن بالخمر لا طيبهن الله، وكره عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم، وعكرمة، والثوري الامتشاط بالخمر. انتهى.

وفي الموسوعة الفقهية: ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم الانتفاع بالخمر للمداواة، وغيرها من أوجه الانتفاع، كاستخدامها في دهن، أو طعام، أو بل طين. انتهى، وعمدتهم أظهر من الحديث الذي ذكرته، فإن من عمدتهم إطلاق النهي في قوله تعالى: فاجتنبوه. فإنه يعم سائر وجوه الانتفاع، قال القرطبي: قوله: (فَاجْتَنِبُوهُ) يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء بوجه من الوجوه، لا بشرب، ولا بيع، ولا تخليل، ولا مداواة، ولا غير ذلك، وعلى هذا تدل الأحاديث الواردة في الباب. انتهى.

ولا يلزم من القول بطهارة الخمر حل استعمالها عند القائل بطهارتها، فكثير من أهل العلم الذاهبين إلى الطهارة قد منعوا من استعمالها لإطلاق الأمر باجتنابها، قال الشيخ الألباني ـ رحمه الله ـ وهو ممن يرى طهارتها: العطور الكحولية غير الزيتية هي ليست نجسة لكنها قد تكون محرَّمة، وتكون محرَّمة إذا كانت نسبة الكحول في تلك العطور تجعل العطر سائلاً مسكراً، حينئذ تكون مسكرة، فتدخل في عموم الأحاديث التي تنهى عن بيع وشراء وصنع المسكرات، ولا يجوز للمسلم حينئذ أن يتعاطاها أو يتطيب بها. انتهى.

وأفتت اللجنة الدائمة بتحريم استعمال الخمر في كل وجوه الانتفاع حتى على تقدير القول بطهارتها، جاء في فتاوى اللجنة ما نصه: ج2: العطور المشتملة على نسبة من الكحول يسكر كثيرها في نجاستها خلاف بين العلماء مبني على نجاسة الخمر وطهارتها، فمن حكم على الخمر بالنجاسة أثبت لهذه العطور النجاسة، ومن قال بطهارة الخمر، قال: إن هذه العطور طاهرة، وبكل حال فلا يجوز استعمال العطور التي فيها كحول، سواء قلنا بنجاسة الخمر أو طهارتها؛ لوجوب إتلاف الخمر وعدم الاستفادة منها، والعطور التي فيها كحول يسكر كثيرها حكمها حكم الخمر. انتهى.

فتبين لك بهذا أن ما زعمته من كون العلماء القائلين بالطهارة يلتزمون إباحة الانتفاع بالخمر في وجوه الاستعمالات المختلفة سوى الشرب كلام غير صحيح، على أن منهم من رأى أن المسألة محتملة وإن كان الاحتياط اجتنابها كما ذكر ذلك الشيخ ابن عثيمين ـ رحمه الله ـ، جاء في فتاوى نور على الدرب للشيخ ما نصه: أما الأمر الثاني: فإذا تعين أن في هذه الأطياب كحولاً ومؤثراً لكونه كثيراً فهل يجوز استعماله في غير الشرب؟ جواب ذلك أن يقال: إن قول الله تعالى (فَاجْتَنِبُوهُ) عام في جميع وجوه الاستعمال أي: أننا نجتنبه أكلاً وشرباً وادهاناً وغير ذلك هذا هو الأحوط بلا شك؛ لكنه لا يتعين في غير الشرب لأن الله تعالى علل الأمر بالاجتناب بقوله (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) وهذا لا يتأتَّى في غير الشرب؛ وعلى هذا فالورع اجتناب التطيب بهذه الأطياب والجزم بالتحريم لا يمكن. انتهى.

فهذا بيان موجز لما استشكلته، وأما ما نفتي به نحن فهو ما عليه جمهور أهل العلم من كون الخمر نجسة العين.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني