الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تطويل طريق الذهاب للمسجد القريب بهدف تكثير الخُطا
رقم الفتوى: 311920

  • تاريخ النشر:السبت 18 محرم 1437 هـ - 31-10-2015 م
  • التقييم:
6807 0 173

السؤال

يوجد مسجد قريب جدًّا من بيتي، فإذا كان يوم الجمعة، فهل لي أن أطوِّل المسافة بين بيتي والمسجد، بحيث أمشي من الشارع الخلفي للمسجد، ثم أدخل شارعًا آخر حتى أصل المسجد الذي بجوار بيتي بعد أن أقطع مسافة طويلة، وذلك بغرض أن أدرك الفضيلة الواردة في حديث: ومشى ولم يركب... كان له بكل خطوة يخطوها من بيته إلى المسجد عمل سنة أجر صيامها، وقيامها؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

فلم نقف على دليل، أو قول لأهل العلم أن ترك الطريق الأقرب إلى المسجد، والذهاب إليه من الطريق الأبعد أفضل، بل الأصل أنه لا يشرع للمسلم طلب الأصعب، أو قصد المشقة في العبادة مع وجود الأسهل فيها، لكن إن صاحبتها صعوبة، أو مشقة أُجر الشخص على قدر مشقته، كما في الحديث: إنما أجرك على قدر نصبك. رواه مسلم.

جاء في عون المعبود، وحاشية ابن القيم: اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَطْلُبُ مِنْ عِبَادِهِ الْمَشَقَّةَ، وَالْعَنَاءَ، وَإِنَّمَا طَلَبَ جَلْبَ الْمَصَالِحِ، وَدَفْعَ الْمَفَاسِدِ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحَمْزُهَا، أَيْ: أَشَقُّهَا، وَأَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ شَاقًّا كَانَ حَظُّ النَّفْسِ فِيهِ كَثِيرًا، فَيَقِلُّ الْإِخْلَاصُ، فَإِذَا كَثُرَتِ الْمَشَقَّةُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ جُعِلَ خَالِصًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَالثَّوَابُ فِي الْحَقِيقَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَرَاتِبِ الْإِخْلَاصِ، لَا عَلَى مَرَاتِبِ الْمَشَقَّةِ.

وجاء في شرح رياض الصالحين لابن عثيمين ـ رحمه الله ـ عند قوله صلى الله عليه وسلم: يسروا.. الحديث، قال: فاختر الأيسر لك في كل أحوالك، في العبادات، في المعاملات مع الناس، في كل شيء؛ لأن اليسر هو الذي يريده الله عزّ وجلّ منا، ويريده بنا: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ـ فمثلًا إذا كان لك طريقان إلى المسجد، أحدهما صعب فيه حصى، وأحجار، وأشواك، والثاني: سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارد يؤلمك، والثاني ساخن ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن؛ لأنه أيسر، وأسهل..

وقال عند حديث: ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟.. الحديث: لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل، هذا خلاف الأفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء... فالمهم أنه كل ما كان أيسر فهو أفضل ما لم يكن إثمًا؛ لأن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ تقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا ـ أما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك، ففعلتها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك.

وعلى ذلك؛ فليس المراد من كثرة الأجر في العبادة، أو كثرة الخطا إلى الصلاة هو تعمد قصد الأصعب مع وجود الأسهل، أو سلوك الطريق الأبعد مع وجود الأقرب، والحديث الذي أشرت إليه رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني، وهو يدل على كثرة ثواب المشي على الأقدام إلى المسجد، وليس على أخذ الطريق الأبعد، أو الأصعب.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: