الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
رقم الفتوى: 313957

  • تاريخ النشر:الإثنين 4 صفر 1437 هـ - 16-11-2015 م
  • التقييم:
2943 0 132

السؤال

أنا أعتقد أن إنكار المنكر باليد هو الأصل حتى للأفراد، لكن لماذا ترك هذا الأصل؟ وهل الإنكار أولى من التبليغ؟.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الأصل الذي يبدأ به هو الإنكار باللسان حيث يبدأ بالرفق، ويعلم الحكم للجاهل، ويعظه ويرهبه، ويجادله إن كانت عنده شبهة، ثم يعنفه إن علم حصول المنفعة بالتعنيف، ثم يستخدم اليد عند القدرة إن لم يقبل منه.

ويدل لهذا أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنكروا الشرك باللسان ودعوا لتوحيد الله باللسان قبل قتال الكفار بالسيف، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر قواده بدعوة الناس للتوحيد قبل قتالهم، فقد روى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد ـ رضي الله عنه ـ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يرجو أن يعطاها فقال أين علي فقيل يشتكي عينيه فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية. فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من أن يكون لك حمر النعم.
فهذه دعوة إلى الله سبحانه مقرونة بقوة السلاح.
وروى مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم... فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم... الحديث.
قال ابن العربي في الأحكام: المسألة الرابعة: في ترتيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان}. وفي هذا الحديث من غريب الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ في البيان بالأخير في الفعل, وهو تغيير المنكر باليد, وإنما يبدأ باللسان والبيان, فإن لم يكن فباليد، يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه بنزعه وبجذبه منه, فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه, وذلك إنما هو إلى السلطان; لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة, وآيلا إلى فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, إلا أن يقوى المنكر... اهـ

وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: القلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة فيبين لها الحق علمًا وعملا فتقبله وتعمل به, وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن اتباعه هؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل, والوعظ أمر ونهي بترغيب وترهيب, كما قال تعالى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به, وقال تعالى: يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا، فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي هي أحسن... اهـ.
وأما عن أولوية الإنكار والتبليغ فإن كنت تقصد تبليغ الحكم وبيان حرمة المنكر الذي يقع فيه العاصي فإن هذا التبليغ نوع من الإنكار وينبغي تقديمه، وإن كان الهوى يجر العاصي للمعصية فينبغي أن يصحب ذلك بالوعظ والترهيب، وأما إن كنت تقصد التبليغ عنه إلى السلطات وغيرهم فإن الأولى تعليمه وترهيبه من المعصية والانكار عليه مع ستره إلا أن تكون علمت من شخص ما أنه مدمن على محرم ولم يقبل النصح ووجدت من السلطات من تعلم منه أنه سيحجزه عن ذلك فيشرع لك التبليغ عنه وإلا فالأولى ستره، فقد جاء في  قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام (1/ 189):

وأما الشهود على هذه الجرائم فإن تعلق بها حقوق للعباد لزمهم أن يشهدوا بها وأن يعرفوا بها أربابها، وإن كانت زواجرها حقا محضا لله فإن كانت المصلحة في إقامة الشهادة بها فيشهدوا بها، مثل أن يطلعوا من إنسان على تكرر الزنا والسرقة والإدمان على شرب الخمور وإتيان الذكور، فالأولى أن يشهدوا عليه دفعا لهذه المفاسد، وإن كانت المصلحة في الستر عليه مثل زلة من هذه الزلات تقع ندرة من ذوي الهيئات ثم يقلع عنها ويتوب منها فالأولى أن لا يشهدوا، وقد «قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: لضرار في حق ماعز: هلا سترته بثوبك يا ضرار؟» وجاء في حديث: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم» وصح أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: «ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة». اهـ

وقد سئل العلامة الدكتور محمد المختار الشنقيطي فقيل له في السؤال: إذا رأيت في الشارع رجلاً من الجيران سكران وهذا معتاد منه ـ والعياذ بالله ـ هل أستره أم أبلغ عنه؟

فقال في الجواب: الأصل يقتضي ستر المسلم في الذنوب، وأجمع العلماء رحمهم الله أن الستر أفضل، وأعظم أجراً لصاحبه، وأن من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.
والستر في جميع الأمور ما لم يكن شيئاً يتعدى ضرره كالمخدرات وترويجها، فشخص يروج المخدرات إذا سترته فكأنما تستر ناراً تحرق عباد الله وأولياءه، وهذا لا يمكن أن يجوز.
ومن هنا يستثنى ما تعدى ضرره، ومثّلوا للمرأة القوادة ـ التي تعين على نشر الفاحشة والعياذ بالله وتفسد المجتمع ـ فهذه لا تستر إذا كان شرها يتعدى إلى الغير ويستشري.
فمن كان يدعو إلى الفساد وإلى جرمه فهذا يستثنى.

أما لو فعل المعصية في حق نفسه وذاته فالإجماع منعقد على أن الأفضل ستره، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم لهذا فقال لـ هزال: (هلا سترته بثوبك)... اهـ

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة

عضوية الموقع

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



خيارات الكلمات :

مستوى التطابق: